لم تكن الساعة ال5:30 فجراً توقيتاً اعتيادياً بالنسبة ل»الرياض»، حيث انخرطت في عمل التنقيب الأثري الميداني بإشراف الفريق السعودي المختص في موقعين أثريين في مدينة محافظة الجبيل، موقع «الدفي» الواقع في كلية الجبيل الصناعية، وموقع «المردومة» الواقعة على ساحل الخليج العربي.

ومع بدء العمل في موقع «الدفي» يفتح أعضاء الفريق المختص قلبهم ليتحدثون بطبيعتهم التي لا تخلو من الشعر حيناً، ولا تفتقر لضخ المعلومات النفيسة والعلمية والتاريخية في أحيان كثيرة.

ورحب «د.علي الغبّان» -نائب رئيس الهيئة العامة للسياحة والآثار- بفكرة زيارة «الرياض»، متيحاً لها الفرصة للوقوف على أدق تفاصيل وحياة الفريق الأثري.

وأتاحت «السياحة والآثار» الفرصة لمختصين مواطنين تخرجوا قبل أعوام عدة من جامعة الملك سعود «تخصص آثار»، بيد أنهم لم يجدوا عملا رسميا لهم، لكنهم وجدوا الخبرة الميدانية التي تعزز تخصصهم الأكاديمي، فحجم الإفادة كبير جداً.

خريجو «الآثار» اكتسبوا الخبرة الميدانية وتجاوزوا «المعوقات الطبيعية» لتحقيق أحلامهم

التقق: استفدت كثيراً المادح: زادت خبرتنا سعيد: «القنينات» مفاجأة

ثروة علمية

وقال "حسين التقق" الذي يمارس العمل الميداني للمرة الأولى: استفدت بشكل كبير من العمل في 15 مربع أثري، مضيفاً أنها ثروة علمية لا تقدر بثمن، مشدداً على أن الخبرة الميدانية تعطي علماً أكثر بكثير من الخبرة الأكاديمية النظرية، مشيراً إلى أن ما تعلمه في الجامعة جميل ومثر، لكنه مجرد دفتر وورقة، فيما يشعر وهو في الميدان بالفارق الكبير، من خلال طبيعة دراسة وتحليل الحضارات وكيفية نشأتها، إلى جانب طرق البناء القديم جداًّ -الذي كان قبل الميلاد-، وكذلك التعرف على الحياة الاجتماعية التي كانت سائدة في الموقع من خلال التحليل والوقوف على الشواهد مثل الفخار المكتشف، ذاكراً أن العمل الميداني يقود إلى طبيعة الحياة الاجتماعية ورفاهيتها أو عدم ذلك، بالإضافة إلى معرفة الحياة الفنية وطرقها في ذلك العصر.

حماس كبير

وعلى الرغم من أن الشبان المنخرطين في التنقيب يعملون في وظائف بعيدة عن تخصصاتهم، إلاّ أن العمل الميداني يعيدهم لحد كبير للتخصص الأثري، وأوضح المختص الأثري "زهير المادح" أن العمل مع الفريق زاد من خبراتنا، بل ونشعر بحماس كبير، مضيفاً أن حرارة الشمس لم تجعلهم يتوقفون، أو قلّلت من عزيمتهم، مبيناً أن الشعور حين تمسك بيديك حضارة أجدادك، تدرك أن من الواجب عليك إكمال العمل وعدم التوقف إلا للراحة، ثم العودة في اليوم التالي لبدء يوم جديد وتحقيق منجز آخر.

طريقة العمل

وليس بعيداً عن تطلعات الشبان المنخرطين في عملية التنقيب في موقع "الدفي" يشرح "نزار العبد الجبار" -المختص الأثري الأكاديمي- طريقة العمل اليومي قائلاً: حين نصل للموقع في الصباح الباكر ننصب الجهاز الخاص بالمساحة، ونجعله على ارتفاع معين، وكل معثورة تظهر معنا أو ظاهرة نسجل لها ارتفاعا بالجهاز الذي يعد مهما في عملية التنقيب، مضيفاً: "لدينا استمارة خاصة نعمل على تعبئتها بناءً على المعلومات، كما أننا نسمي الجدار بالظاهرة ونسجل بياناته، مع رسم تفصيلي يدوي للجدران، ونستطيع أن نعرف حجم المساحة من خلال الرسم المعتمد على المساحات المسجلة فيه، والأمر شبيه بالخرائط ومساحاتها".

ثلاثة أجزاء

وأكد "زكي آل سيف" -رئيس الفريق- على أن الموقع مقسم إلى ثلاثة أجزاء، مضيفاً أنه قُسِّم إلى (أ،ب،ج)، وفي القسم (ب) تم حفر (36) مربعاً بمساحة (6) في (6)، مبيناً أن هناك شبكية في الموقع (10) في (10)، بحيث يكون كل مربع (10م) في (10م)، ذاكراً أنه في هذا اليوم افُتتح مربع جديد، واستخدموا الجهاز لتحديد الارتفاع، وحددت بخمسة ارتفاعات قبل العمل فيه.

وقال "أزهر التوبي": إن أول مرحلة في المربع الجديد هو تصويره، ثم العمل على كل طبقة تم تحديدها علمياً بواسطة الجهاز، مبيناً أنهم يحاولون تفسير الظواهر التي تظهر، وتوجد استمارة لكل ظاهرة، بها اسم الباحث والمربع والظاهرة والتاريخ، وهل أنها صورت أم لا؟، إلى جانب نوعية الظاهرة، لافتاً إلى أن كل ذلك ينطبق من ناحية تدوين المعلومات لكل مكتشف نعثر عليه، ليسهل التعامل معه بعد ذلك.

انسجام الفريق

وعلى رغم اتساع المسافة التخصصية بين الفريق السعودي الأكاديمي المختص في الجانب الأثري، والعمّال الذين تم تدريبهم على العمل في الموقع، إلاّ أن تلك المسافة تتضاءل في روح الانسجام التي تظهر جلياً كلما تقدمت ساعات العمل.

وقال "وحيد العبد الله" -موثق العمل الأثري المصور-: إن روح الانسجام كبيرة، وهو ما يتضح لي حين ألتقط الصور لهم، موضحاً أن التوجيهات التي يعطيها المختصون للعمال تعطيهم خبرات ميدانية متقدمة، وهذا ما ينعكس على مستوى الأداء مع انخراط العمال أنفسهم في المواقع التي يجري التنقيب فيها، مشيراً إلى أنه مع أن حرارة شمس الظهيرة يتوقف العمل في بعض الأحيان، إلا أن العمال الآسيويين يحبون عملهم مع الفريق، إذ أكدوا أن روح الخلق التي يمتاز بها المختصون تشجع العامل على إنجاز ما يطلب منه ضمن روح متحمسة تشعر بالمسؤولية.

إنجاز إنساني

وأكد "عبد الإله السعدون" على أن العمال متحمسون؛ لأنهم يدركون أنهم يحققون مع الفريق إنجازاً إنسانياً، وهم يحملون الحس الإنساني المطلوب في مثل هذه الأعمال، لافتاً إلى أن الخبرات تنمو لدى الجميع من خلال العمل المتواصل في المواقع الأثرية، وبخاصةً أن الأمر يختلف من ناحية الظروف من موقع آخر، وذلك باختلاف الفترة الزمنية.

شوط كبير

وليس بعيداً عن انجازات الفريق في موقع "الدفي" أمام الفريق في موقع "المردومة" الواقع على شاطئ البحر، حيث قطعوا شوطاً كبيراً من التنقيب الذي بدأ متزامنا مع الموقع الأول -قبل ستة أشهر-، بيد أن مساحته الكبيرة تجعل منه موقعاً مميزاً.

وقال "محمود الهاجري" -رئيس الفريقين-: إن موقع المردومة يعود للفترة الإسلامية، موضحاً أن ثلاثة من الخريجين الأثريين ينخرطون في العمل فيه ليكسبوا خبرات ميدانية، وهم "فتحي السعيد"، و"حسين العبكري"، و"جعفر البحراني"، مشيراً إلى أن هناك مصورين للموقع يوثقون أدق التفاصيل، هما "عبد الله الصفواني"، و"عبدالستار الدبيس".

الفريق متحمس

ومع أن الفريق الذي يشرف على الموقع الأثري الذي يمتد ما اكتشف منه لنحو (1650م)، إلاّ أن رئيس الموقع المختص "سعيد الصناع" يشدد على حماسة الفريق والعمال، قائلاً: إن العمل يبدأ بعد صلاة الفجر مباشرةً، ونحن نستخدم طريقة العمل المباشر، وهذا ما يفسر خروج "القنينات" الزجاجية الرقيقة جداًّ من دون أن تصاب بأذى، لافتاً إلى أن الفريق يبذل جهداً كبيراً في تحقيق الأهداف المرسومة.

منطقة تجارية

وأوضح "إبراهيم المرهون" -المختص الأثري- أن للموقع أهمية كبيرة، فهو يخبر بأن تلك الفترة الإسلامية كانت المنطقة فيها مزدهرة، ذاكراً أن المنطقة التي ينقبون فيها هي منطقة تجارية تعتمد على البر والبحر، ما يعطيها ميزة كبيرة.ورأى "حسن حمدون" -المختص الأثري- أن الموقع وُثق بشكل كامل، إذ إن أي ظاهرة أو مكتشف توثق من خلال التصوير وفي نفس موقعها، مشيراً إلى أن الفريق شرع في عملية الترميم قبل نحو شهر، وبخاصةً في مناطق الزوايا والجدران، وأنهم استخدموا نفس الحجارة في عملية الترميم.

تسمية الموقع

وعن التسمية يقول "الصناع": تعود التسمية "مردومة" نسبةً إلى ردم الساحل مقابل الموقع، حيث كانت التلال الأثرية تقع على سيف البحر مباشرةً، وكان الموقع أعطي الرقم 183/208 بحسب أعمال المسح التي أجرتها الوكالة العامة للآثار والمتاحف عام 1976م للمنطقة الشرقية، ثم جرت عليه أعمال التسوير، مضيفاً أن التلال الأثرية تقع قرب مدينة الجبيل البلد (23 كم) شمال غرب، وغرب المنطقة الصناعية بالجبيل مقابل جزيرة "القرمة" على الساحل مباشرة، مشيراً إلى أنه تتراوح ارتفاعات التلال الأثرية ما بين (12.5م) و(7م) عن سطح البحر، مما يتيح لسكان هذه المستوطنة الإشراف على مدخل خليج مردومة، ذاكراً أنه تبلغ مساحة الموقع المسوّر حوالي (638848 م2).

سبع مناطق

وأضاف أن الفترة التاريخية ترتكز على "التنقيبات الأثرية"، فهي تعود لفترة سكن الموقع إلى القرن الأول الهجري "الدولة الأموية"، ليستمر الاستيطان به حتى القرن الخامس الهجري أي قبل نهاية الدولة العباسية، مبيناً أنه تم تقسيم التلال الأثرية التي تشكل شريطا من المرتفعات مقابل الساحل مباشرة إلى سبع مناطق عمل، تبعد عن بعضها البعض مسافات تتراوح ما بين (50م) إلى (200م)، مؤكداً على أنه بدأ العمل بالمنطقة (أ) وتعد من أكبر التلال الأثرية، حيث تم الكشف عن مبنى كبير عبارة عن حصن أو مأوى لحامية عسكرية تبلغ أطواله ( 35×41 م)، جدرانه سميكة يبلغ عرضها (75–80 سم)، ويحتوي على غرفتين بالزاوية الشمالية الغربية، أما مدخله فيوجد بالناحية الجنوبية وهو مدخل منكسر روعي فيه النواحي الأمنية ببناء جدار حاجز مقابل المدخل.


وحيد العبد الله مصور المتحف يوثق ظاهرة أثرية

نزار العبد الجبار يوثق بالرسم المفصل مربعات الموقع