يتصدر كتاب سعيد الغانمي " كنوز وبار/ الملحمة العربية الضائعة" دار الجمل. مقولة لكلود ليفي شتراوس " يبني الفكر الأسطوري صروحه الكبيرة بترقيع أنقاض الخطابات القديمة" وعلى هذا الاعتبار بنى الغانمي " ملحمته العربية" من مجموع الحكايات التي تجمعت شفويا قبل الإسلام في حقبة الحيرة، كما يكتب في مقدمته. وكان لابد للإسلام، كما يستطرد، أن يعيد النظر في الأدب القديم ويصوغه من جديد لتطويعه في نظرته إلى العالم. وهكذا طويت هذه الحكايات.

سعيد الغانمي واحد من المترجمين والمؤلفين العراقيين الذين أغنوا المكتبة العربية بمجموعة من الكتب التي تبحث في التكوين الحضاري للعراق القديم، فضلا عن بحوثه وترجماته الغزيرة في ميادين مختلفة، اللسانيات، الفلسفة، النقد الأدبي، التراث، وسواها.

الكثير من مؤلفات وترجمات الغانمي تجمعها مشتركات البحث في اشكاليات النقد والنظريات الحديثة، فهو عندما يترجم، لا يكتفي بالنقل، بل يقدم حصيلة اطلاعه على مواضيعه المختارة، وسيجد القارىء بين اهتماماته رابطاً يقوم على التنقيب عن المعاني والتأويلات والمراجع وتقعيد المصطلحات والمفاهيم، والبحث عن البنى المشتركة بين المتناقل من القصص والحكايات والأساطير. لعل فكرة الموسوعة التي تتولد لدى الكاتب عبر القراءة التي تفضي إلى قراءات جديدة، من بين معالم شغله.

في هذا الكتاب يجرّب ضربا من التأليف أو التوليف في موضوع شائك، وهو الملحمة العربية. وهذا الجنس في الأدب العربي موضع شك على امتداد السنوات التي تعرّف فيها العرب على فن الملاحم عند الأغريق، ثم بعد اكتشاف ملحمة كلكامش. لعله هنا يحاول الإجابة عن السؤال المتكرر : لماذا لم تكن للعرب ملاحم أو ملحمة متكاملة؟

تبدو نثار ملحمته، وقد جمعت من ثقافة المكان، أقرب الى محاولات ابراهيم الكوني التنويع على ملحمة الطوارق الضائعة، وإن اختلف عنه بلغته التي لا تستطرد في الإنشاء ولا ترصع قولها بالحكم. فهي مادة تصويرية، تحاول تتبع الثيمات أو الوحدات التكوينية التي صاغتها لغات العرب القديمة، من أساطير ومرويات، قبل ان تظهر الدعوة الإسلامية في جزيرة العرب. بيد ان بعض مروياتها ليست بعيدة عن ما ورد في القرآن من اشارات إلى الأماكن الضائعة التي حلت عليها اللعنة فانتهت الى الفناء، أو تلك الفراديس المفقودة في ذاكرة كل الشعوب.

ولكن الغانمي في قلب حكايته، يعود الى الصراع الذي شجر بين الوثنية والتوحيد في الجزيرة، بين طفولة البشرية وتعدد خياراتها، وبين خيار الإله الواحد الأحد.

وفي مزجه صيغة البحث الحقيقي بالمتخيل الحكائي، استطاع خلق هوامش لتغريب حكاياته، ولكن ثيماته بقيت مشتتة لا يجمعها نسق واحد.

وليس بعيدا عن بنيوية فلاديمير بروب الذي انتظمت الحكاية الشعبية لديه في أشخاص مختلفين ومواضيع واحدة، يناقش الغانمي في مقدمته الوحدات التكوينية للملحمة التي رأى في كتابه " ينابيع اللغة الأولى" انها " تركز حول موضوعات بعينها مثل اختطاف حسناء، والاجتماع في وليمة، وهبوط حيوان مقدس، وغزو مدينة، والبحث عن فردوس مفقود" وهو يستطرد" تلك الثيمات تتوالد على هيئة حكايات منفصلة، وفي حقبة تأسيسة تالية ، يتم تجميع هذه البنى الأساسية في عمل طويل، يتسم بوحدة الزمان والمكان، بحيث يجعل من جميع هذه الحكايات حكاية واحدة طويلة تدافع عن حقبة تأسيسية"

ولكي يصل مادته بعنصر المفارقة العجائبية، يخترع حكاية متخيلة تبرر دافع تأليفه، فالمؤلف استلم رسالة الكترونية تحوي نصا طلب منه مرسله استنساخه، حيث سيختفي هذا النص تلقائيا بعد التصوير. النص مكتوب بلغة عربية ولكن بحروف المسند القديمة. لعبة يدخل المؤلف عبرها في حكاية تغريبية كي يخرج بمقولة مفادها انه لم يكتشف النص، بل ان النص اكتشفه. او هو يطرح موضوعة التناص على نحو لا يخلو من طرافة، فهذا النص،كما يتخيله من وحي شياطين الشعر، كما قالت القدماء، ولكن شياطين المعرفة في العصر الحديث تبرع في استخدام الانترنيت، لذا يصبح الانترنيت وسيلة الإلهام الجديدة.

لعل مقدمته ابعدته عن فكرة الاندماج او التماهي مع صوت القص، على ما فيها من عنصر تغريبي، لان شخصية المؤلف المفترض تتنحى عن دورها حال انتهاء المقدمة..ولكن ما تبقى منها، هو لمسات هوامشها على النصوص الحكائية، فالمدينة الفانية في الجزيرة العربية ليست مجرد حكاية أسطورية، يستفيد من عبرتها البشر، بل هي ربما مدينة حقيقية ضربها نيزك، كما دلت تنقبات الانثربولوجيين.. وهكذا يحاول السارد في الكثير من فقرات سرده الخروج من القصة والدخول اليها، عبر مزج الخيالي بالتاريخي، ويقيم بينهما حدوداً يتنقل القص في حقولها على نحو مرن.

يصوغ الغانمي لتوليفته ثلاثة اقسام، ومفتتح القسم الأول بصوت الشاعر الذي يطلب من ربات الإلهام مساعدته في كتابة ملحمة الصحراء، قصة أصلح وقدار والزرقاء، ومصير مدينة "الحِجْر" كما يقول الشاعر. يبدأ في مروية اغتصاب الحسناء، كما عادة القبائل المتوحشة،حيث يفترع البطل عرائس رعيته التي يحكمها،وهي حكاية ترد عن كلكامش في ملحمته. ثم تترتب على الواقعة فكرة الوليمة، التي يثأر فيها رجال قبيلة الفتاة من الطاغية وجماعته. تنحرف حكاية الثأر من المغتصب إلى الصراع بين الموحدين والوثنيين في القبيلة الواحدة، وبينهما حكاية زرقاء اليمامة وفناء عاد وثمود. وما تبقى هو تفصيل لكلكامش العربي الصحراوي الذي يتحول اسمه الى أصلح، حيث يصرع ثور السماء ويبحث عن الخلود بعد موت صديقه. يكتشف أصلح من لقمان، حكمة التوحيد، فالله هو الخالد والبشر فانون. اما رحلته فلم تكن سوى اكتشاف للذات وهي أثمن ما تتمخض عنه تجربة البشر.

لن يكون بمقدورنا والحالة هذه، الحديث عن ملحمة، بل نجد محاولة لمقاربة ثقافة المكان قصصيا وعصرنة خطاباته. وإذا وضعنا في اعتبارنا أن الملاحم حين تتحول الى حكايات وخرافات وخوارق في العقل الشعبي تصبح عابرة للأزمنة والأمكنة، ولكنها في رحلة تشظيها تبدو شديدة الفقر وباهتة.

حاول الغانمي ان يعيد تشكيل تلك الحكايات على افتراض يبدو مخالفا لفكرة الملاحم الأساسية، فحكايته ترى أن فكرة التوحيد كانت مخاض الصحراء العربية، حيث تفقد الآلهة المتعددة خوارقها، ويفقد معها البشر خيالهم.