ملفات خاصة

الخميس 26 ربيع الأول 1426هـ - 5 مايو 2005م - العدد 13464

ذهنية التوقيف في الثقافة العربية: (حكايات الكتابة نموذجاً) (1/2)

د. محمد ربيع الغامدي

مدرستان: توقيفية وعرفية:

ساد في التراث العربي مذهبان التوقيف والاصطلاح. وقد يبدو في الظاهر أنهما مذهبان يمثلان مدرستين لغويتين في الأساس، ولا يمتدان إلى حقول أخرى خارج حقل البحث اللغوي. ومرجع هذا الاعتقاد هو أن جدل المدرستين في التوقيف والاصطلاح ظهر على أيدي اللغويين، وكان موضوعه «اللغة»: أتوقيف هي أم اصطلاح؟ ولم يكد يُلحظ بصورة واضحة أن للاتجاهين أو لأحدهما تجليات في حقول معرفية أخرى.

ذهب التوقيفيون إلى إثبات أن اللغة توقيفية من الله تعالى وأن «آدم عليه الصلاة والسلام كان عالماً بجميع اللغات، لقوله سبحانه وتعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}. قال الإمام الرازي: المراد أسماء كل ما خلق الله سبحانه وتعالى من أجناس المخلوقات بجميع اللغات التي يتكلم بها ولده اليوم، وعلم أيضاً معانيها» (أبجد العلوم 1/162 - 163).

ولعل من أشهر من مثَّل مدرسة التوقيف اللغوية في التراث ابنُ فارس، حيث يرى - فضلاً عن أن اللغة توقيف من الله لا فضل للناس في شيء منها - أن العلوم اللغوية التي قامت لاستكناه الظاهرة اللغوية وتفسيرها كالنحو والعروض توقيف من الله، يقول: «فإن قال قائل: فقد تواترت الروايات بأن أبا الأسود أول من وضع العربية، وأن الخليل أول من تكلم في العروض. قيل له: نحن لا ننكر ذلك، بل نقول إن هذين العلمين قد كانا قديماً، وأتت عليهما الأيام، وقلا في أيدي الناس، ثم جددهما هذان الإمامان» (الصاحبي ص13).

وراح ابن فارس في محاولة إثبات التوقيفية اللغوية عملياً في حقل «المفردات» إلى تأليف معجم (مقاييس اللغة) حيث رد جميع المفردات اللغوية الدالة على معان فرعية إلى أصل واحد يدل على معنى كلي، مثلما حاول إثبات النظرية في حقل «التراكيب» من خلال تنظيره لذلك في كتابه المشهور (الصاحبي).

أما التيار الآخر الذي يقول بالتواضع والاصطلاح (العرفية) في اللغة فيرى أن لا دلالة قطعية في الآية السابقة على أنها توقيف، بل تسمح دلالاتها أيضاً بالقول بالعرف اللغوي. وقد روى ابن جني الجدل بين الرأيين اعتماداً على هذه الدلالة في الخصائص، ولم يصل إلى رأي قطعي في المسألة. (الخصائص 1/81).

وبالتأمل في الحكايات التراثية التي تروي «قصة الكتابة» يمكن ابتداءً الافتراض أنها تنقسم في مجموعها على هذين القسمين؛ لظهور ما ينم إجمالاً في مضامينها عن انقسامها بين هاتين الوجهتين. ومثلما قد يفضي التأمل في الحكايات التراثية عموماً إلى استشفاف طبيعة الذهنية التي روتها وتناقلتها وكان لها منها موقف ماء، يمكن النظر إلى حكايات الكتابة بوصفها من جهة نموذجاً ممثلاً يُستظهر من خلاله بعض خصائص الذهنية المصاحبة لإنتاجه وتلقيه، ومن جهة أخرى تُختبر فرضية توزع هذا النموذج على القسمين المشار إليهما، وكذا التأكد من إمكان تعميمه وامتداده على أكثر من حقل معرفي.

٭٭٭

حكاية بدء الكتابة:

يروي قسم من حكايات نشأة الكتابة العربية المبثوثة في التراث أن الخط العربي منزَّل من الله على آدم وأن الكتاب الذي أنزله الله عزَّ وجلّ على آدم عليه السلام هو كتاب «المعجم». وراحت هذه المرويات تثبت المصدر الإلهي للحروف بأسمائها الاصطلاحية وترتيبها وعددها كما عُهدت في العربية بحديث تُنْسَبُ روايته إلى أبي ذر الغفاري، لم تثبته كتب الحديث المعتبرة، هو أن أبا ذر قال: «سألت رسول الله، فقلت: يا رسول الله، كلُّ نبي مرسل بم يُرسل؟ قال: بكتاب منزل. قلت: يا رسول الله، أي كتاب أنزل على آدم؟ قال: أ ب ت ث ج.. إلى آخره. قلت يا رسول الله كم حرف؟ قال: تسعة وعشرون. قلت: يا رسول الله عددت ثمانية وعشرين. فغضب رسول الله حتى احمرت عيناه، ثم قال: يا أبا ذر، والذي بعثني بالحق نبياً ما أنزل الله تعالى على آدم إلا تسعة وعشرين حرفاً. قلت: يا رسول الله، فيها ألف ولام؟ فقال عليه السلام: لام ألف حرف واحد أنزله على آدم في صحيفة واحدة ومعه سبعون ألف ملك، من خالف لام ألف فقد كفر بما أنزل على آدم، ومن لم يعد لام ألف فهو بريء مني وأنا بريءٌ منه، ومن لا يؤمن بالحروف وهي تسعة وعشرون حرفاً لا يخرج من النار أبداً» (صبح الأعشى 3/10). وذكر السيوطي حديثاً قال: إنه «أخرجه ابن أشتهة من طريق سعيد بن جبير عن عباس قال: أول كتاب أنزله الله من السماء أبوجاد». (المزهر 2/294). وسيأتي الحديث عن أبجد وأبي جاد فيما يلي:

ونسبت مروياتٌ أُخرُ هذا الوضع إلى آدم نفسه، وربما أشعر ذلك بأنه بوحي من الله أيضاً. من ذلك ما روي من «أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها آدم عليه السلام قبل موته بثلاثمائة سنة، كتبها في طين وطبخه. فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتاباً فكتبوه، أصاب إسماعيل عليه السلام الكتاب العربي». (المزهر 2/293).

وتلحُّ الحكايات في سياقات متنوعة على جعل الأنبياء عليهم السلام أول من كتب الخط العربي مثلما تجعلهم يتكلمون العربية. ينسب بعضها الأولية في الكتابة بالعربية إلى إسماعيل عليه السلام، لا إلى آدم. نقل القلقشندي عن السهيلي أنه قال: «والأصح ما رويناه من طريق أبي عمر بن عبدالبر رحمه الله، يرفعه إلى النبي قال: أول من كتب بالعربية إسماعيل عليه السلام. قال ابن عبدالبر وهذا أصحُّ من رواية أول من تكلم بالعربية إسماعيل». (صبح الأعشى 3/13). وقيل أيضاً: إن إدريس عليه السلام أول من خط بالقلم. (ينظر مثلاً: المقدسي: البدء والتاريخ 3/13).

كما تورد مرويات مبثوثة في التراث شذرات متفرقة عن أول من كتب عبارة معينة. لعل من أشيعها ما يثبت الأولية لمن كتب (بسم الله الرحمن الرحيم). يذكر بعضهم أن أول من كتب البسملة هو سليمان عليه السلام، ويروون إسناد هذا القول ككثير غيره في الغالب إلى ابن عباس. ويخرّج القلقشندي ما ظاهره تعارض نزول {بسم الله الرحمن الرحيم} على سليمان عليه السلام وعلى محمد صلى الله عليه وسلم بأنه ربما نزلت الآية على نبي ثم نزلت على نبي آخر، كما قيل في قوله تعالى: {حم٭ عسق٭ كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك}: إنه ما بعث الله تعالى نبياً إلا وأنزل عليه (حم عسق). وقد أنزلت (بسم الله الرحمن الرحيم) على سليمان عليه السلام ثم أنزلت على النبي، وربما أنزلت الآية الواحدة على النبي مرتين كما في الفاتحة، فإنها نزلت مرة بمكة ومرة بالمدنية على أحد الأقوال. وهذا يفسر عنده قول الداني: إن حروف العربية نزلت عليهود عليه السلام، مع أن المشهور أنها نزلت على آدم عليه السلام. (صبح الأعشى 3/10 - 11).

وبالإضافة إلى ورود مصطلحات «الإعجام» و«حروف المعجم» و«لام ألف» وأسماء الحروف وترتيبها في حكايات النشأة والبدء، تجعل الحكايات أيضاً الكلمات التي جمعت فيها بقصد تسهيل (أبجد هوز.. إلخ) بالكون وبدء الخلق ودوالَّ المدلولات غيبية ومعانٍ خفية. مما روي في المصادر من أخبار معرفة عيسى بن مريم عليه السلام الخارقة ما رواه «محمد الباقر قال: لما جاء عيسى إلى البهنسا وهو مع أمه ابن شهرين كأنه ابن سنتين، فلما كمل تسعة أشهر أخذته ولدته وجاءت به إلى الكتّاب بأرض البهنسا، فأقعده المؤدِّبُ بين يديه وقال له: قل: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال عيسى: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال له المؤدب: قل أبجد. فرفع عيسى طرفه وقال: أتدري ما أبجد؟ فعلاه المؤدب بالدرة ليضربه، فقال له: يا مؤدب، لا تضربني. إن كنت لا تدري فاسألني حتى أعرفك. فقال: قل لي. فقال: أنزل من على مرتبتك. فنزل من على مرتبته وجلس عيسى مكانه، ثم قال: الألف آلاء الله، والباء بهاء الله، والجيم جلال الله، والدال دين الله، والهاء هوية جهنم، وهي الهاوية، والواو ويل لأهلها، والزاي زفير جهنم، والحاء حطت الخطايا عن المستغفرين، والكاف كلام الله لا مبدل لكلماته، والصاد صاع بصاع، والقاف قرب حيات جهنم من العاصين. فقال لها المؤدب: خذي بيد ابنك، فقد علمه الله تعالى فلا حاجة له بالمؤدِّب». (الواقدي: فتوح الشام 2/216).

وتربط بعض المرويات «أبجد» وأخواتها ببدء الخلق، وتجعل الستة الأُوَلَ منها، وهي التي وردت في الخبر السابق عن عيسى عليه السلام، أسماء للأيام الستة التي خلق الله فيهن السموات والأرضين. والملاحظ أن الأخبار التي تطلق هذه الأسماء على بدء المخلوقات الكونية ستصحب في الغالب في السياق نفسه الإخبار عن أن أول شيء خلقه الله هو (القلم) أداة الكتابة الأولى. قال الطبري: «إن الله خلق القلمَ، فكتب به ما هو خالقٌ وما هو كائنٌ من خلقه. ثم إنَّ ذلك الكتاب سبح الله ومجَّده ألف عام قبل أن يخلق شيئاً من الخلق. فلما أراد جلَّ جلاله خلقَ السموات والأرض خلق فيما ذكر أياماً ستة، فسمَّى كل يوم منهن باسم غير الذي سمّى به الآخر. وقيل إن اسم أحد تلك الأيام الستة أبجد، واسم الآخر منهن هوز، واسم الثالث منهن حطي، واسم الرابع منهن كلمن، واسم الخامس منهن سعفص، واسم السادس منهن قرشت» (تاريخ الطبري 1/33 - 34). ويشترك مع هذه الرواية في بعض الوجوه رواية أخرى توائم بين عدد الحروف في العربية والخلق والكون، هي قول بعضهم: «وجعلت ثمانية وعشرين حرفاً على عدد منازل القمر الثمانية والعشرين. قالوا: ولما كانت المنازل القمرية يظهر منها فوق الأرض أربع عشرة منزلة، ويغيب تحت الأرض أربعة عشرة، كانت هذه الحروف ما يظهر منها مع لام التعريف أربعة عشر بعدد المنازل الظاهرة... وما يندغم منها أربعة عشر حرفاً أيضاً بعدد المنازل الغائبة». (صبح الأعشى 3/22).

أما القسم الآخر الذي يبدو أنه لا يرى عزو بدء الكتابة إلى المصدر الإلهي والنبوي وينسب أولية الكتابة لآخرين غير الأنبياء والرسل فمن نماذجه قول ابن منظور (مادة مر): «قال المدايني: بلغنا أن أول من كتب بالعربية مرامر بن مروة، من أهل الأنبار، ويقال من أهل الحيرة». و«قيل إن نفيساً ونصراً وتيماً ودومة بني إسرائيل وضعوا كتاباً واحداً وجعلوه سطراً واحداً موصول الحروف كلها غير متفرق، ثم فرقه نبت وهميسع وقيذار وفرقوا الحروف وجعلوا الأشباه والنظائر. وعن هشام بن محمد عن أبيه قال أخبرني قوم من علماء مصر أن أول من كتب الكتاب رجل من بني النضر بن كنانة فكتبته العرب حينئذ... وفي السيرة لابن هشام أن أول من كتب الخط العربي حمير بن سبأ عَلمَهُ في المنام، قال: وكانوا قبل ذلك يكتبون بالمسند، سمي بذلك لأنهم كانوا يسندونه إلى هود عليه السلام». (صبح الأعشى 3/12 - 13). وتستند بعض الأخبار التي تأخذ هذه الوجهة إلى ابن عباس؛ إذ روي أن ابن عباس قال: «أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان، وهي قبيلة سكنوا الأنبار. وأنهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة. وهم مرار بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة، ويقال: مروة وجدلة. فأما مرامر فوضع الصور، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام. وسئل أهل الحيرة: ممن أخذتم العربي؟ فقالوا: من أهل الأنبار». (الفهرست ص6 - 7). وقيل أيضاً: «أول العرب الذي كتب بالعربية حرب بن أمية بن عبد شمس، تعلم من أهل الحيرة وتعلم أهل الحيرة من أهل الأنبار». (المزهر 2/294).

ويجعل هذا القسم «أبجد» وأخواتها لأشخاص أفذاذ موهوبين، هم في الغالب من يعود إليهم الفضل في اختراع هذا السحر المسمى بالكتابة. أورد ابن النديم في أول من وضع الخط العربي عن هشام الكلبي أنه قال: «أول من صنع ذلك قومٌ من العرب العاربة نزلوا في عدنان بن أد، وأسماؤم: أبو جاد، هواز، حطي، كلمون، سعفص، قريشات... وضعوا الكتاب على أسمائهم، ثم وجدوا بعد ذلك حروفاً ليست من أسمائهم وهي: الثاء والخاء والذال والظاء والشين والغين فسموها: الروادف. قال: وهؤلاء ملوك مدين وكان مهلكهم يوم الظلة في زمن شعيب النبي عليه السلام». (الفهرست ص6، والمزهر 2/294).

وجاء في بعض المصادر ذكر أن هذه الأسماء هي أسماء ملوك دون إشارة إلى علاقة واضحة بالكتابة. منها (كما جاء في المنتظم 1/325) أنه «كان أبو جاد وهواز وحطي وكلمون وسعفص وقريشات بني جندل بن يعصب بن مدين بن إبراهيم ملوكاً. وكان أبو جاد ملك مكة وما والاها من تهامة، وكان هواز وحطي ملكي وج وهو الطائف، وكان سعفص وقريشات ملكي مدين. ثم خلفهم كلمون وكان عذاب يوم الظلة في ملكه فقالت: خالفة بنت كلمون، وفي رواية أخت كلمون:

كلمون هد ركني هلكه وسط المحلة

سيد القوم أتاه الحتف نارا وسط ظله

كويت نارا فأضحت دارهم كالمضمحلة

ويورد المقدسي (البدء والتاريخ 3/77) رواية، تعضدها الأشعار أيضاً، في أن الأربعة الأول أسماء ملوك مدين، وهم من ولد محصن بن جندل بن مدين بن إبراهيم. وفي هلاكهم يقول الشاعر:

ملوك بني حطي وسعفص في الندى

وهوز سادات الثنية والحجر

كما تستند رواية أخرى إلى الأشعار في إثبات وضع الخط لغير الملوك. وتوفق بين ما ترويه وما يصل «أبجد» وأخواتها بخبر الوضع. قال ابن منظور (مادة مر): «قال شرقي بن القطامي: إن أول من وضع خطنا هذا رجل من طيئ، منهم مرامر بن مرة. قال الشاعر:

تعلمت أبا جاد وآل مرامر

وسودت أثوابي ولست بكاتب

قال: وإنما قال: وآل مرامر، لأنه كان قد سمّى كل واحد من أولاده بكلمة من أبجد، وهي ثمانية».

٭٭٭

وتتضح ملامح الدهشة والانبهار بمعجزة الكتابة في عموم الحكايات والأخبار التي تروي قصتها. إذ الكتابة على وجه الخصوص أشد الأشياء إثارة لقلق السؤال وأكثرها إلحاحاً في طلب الإجابة عن كيف وجدت؟ ومن أوجدها؟ إذ هي أشبه شيء بالمعجزات وأقرب إلى السحر، إن لم تكن السحر نفسه. ومن الطبيعي أن تنطبع مسحة العجب والاستغراب من فرادة الاختراع على حكاية وجوده، ولذا صارت قصة الكتابة العجيبة الغريبة هنا مزيجاً من العجائب والغرائب. ومن الطبيعي أيضاً أن تكون هذه صورة ما يُنقل خبره بطريق السرد والحكايات، فيكون السرد وتكون الحكايات مصدر الأخذ الوحيد فيه.

كان يمكن لوجود الكتابة ألا يكون ذا ملامح أسطورية غرائبية في الثقافة، لو كانت الثقافة قد اعترفت مسبقاً بحقيقة أن الكتابة لا يمكن التوصل إلى حقيقة نشأتها ووجودها كاملة بصورة واضحة وقطعية، ولا يمكن أن تكون من إنجاز شخص ما بعينه وفي وقت معلوم. غير أنها في هذه الحال لن تتنساب مع السرد، ولن يتناسب السرد معها؛ إذ يوجد السرد الغرائبي الأسطوري في حياة الناس أصلاً لكي يجيب عن أسئلة النشأة والوجود التي يعجزون عن الإجابة عنها. وهنا يتعمد السرد إخفاء حقيقة عدم القدرة على الإجابة من أجل أن يقدم هو الإجابة في شكل «حكاية». كانت الحكاية الأسطورية المفسرة لنشأة الظواهر ووجودها «تقوم بوظيفة مماثلة لتلك التي أصبح يقوم بها العلم بعد ذلك. وكانت هي الوسيلة الطبيعية لتفسير الظواهر في العصر السابق على ظهور العلم». (فؤاد زكريا: التفكير العلمي، ص67). ويتقبل الناس برضا إجابات السرد عن الأسئلة الصعبة؛ لأنهم في حاجة ماسة إلى الوصول إليها.

تتجلى في حكاية الكتابة أبرز الملامح الأسطورية التي تميز «الأسطورة» مفهومياً من غيرها، وهي أنها حكاية بدء ونشأة، وفي الوقت نفسه تفسير للغز البدء المحيِّر. (ينظر: مرسيا إلياد: مظاهر الأسطورة ص10). «إنها تفسير لشيء ما في الطبيعة. مثلاً: كيف انبثق إلى الوجود كل شيء وأي شيء في هذا الكون؟ (بريست: الأسطورة والحلم في الكتاب المقدس العبري، ضمن كتاب الأساطير والأحلام والدين ص48). وغايتها «صون بقاء الحياة والمؤسسات الإنسانية في عالم لا يتحكم به الإنسان، بل لا يكاد يفهم منه شيئاً». (السابق ص49). وتتوسل الأسطورة عادة بالخرافة. وللخرافة التي توسلت بها أسطورة الكتابة مظاهر من أهمها: أن أبطالها غالباً نبلاء أو ينتمون إلى أصل نبيل، ويفعلون الأفعال النبيلة أو العظيمة الخارقة. (السردية العربية ص116، والتفكير العلمي 67). كما أنها تتوسل عادة بحيل الاتكاء على الأسس الثقافية المستقرة في أعماق الثقافة بحيث يكتسب ما تحاول تمريره الصلابة والتصديق، وتظهر بمظهر التأريخ لا السرد. من ذلك الاتكاء على النص الديني المقدس وعلى النص الشعري المحترم بوصفهما عاملين مؤثرين في عقول متلقي الحكاية. أما النص الديني فيكون الاتكاء عليه إما بتأويل نص قائم تأويلاً يسير مع منحى السرد، كتأويل قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها}، وإما بارتجال نص غير موجود في الأصول العلمية القائمة كحديث أبي ذر، وأحاديث عيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء والرسل، والآثار التي تروى عن ابن عباس المعروف بأنه حبر الأمة وعُلّم التأويل. وكذا بالاتكاء على المعهود في الثقافة الدينية نحو تصور إمكان إنزال السورة الواحدة أكثر من مرة وإنزالها على أكثر من نبي، أو تصور إمكان حصول الأمر الخارق تحقيقاً لرؤيا في المنام، أو قبول أن يكون لألفاظ النص الديني معان غيبية باطنة غير المعاني الظاهرة المتداولة وإمكان إطلاع الأنبياء عليها. وأما الاتكاء على الشعر فمبني على مفعول الشعر السحري في الثقافة السائدة وعلى المعهود من تأثيره. وأنه يكفي في الكلام ليكون حقاً وصواباً أن يقال فيه: «قال الشاعر».

يستطيع السرد حين يحتال بحيل ثقافية راسخة كالتي أشير إليها آنفاً أن يمرر ما يريد، وأن يضلل متلقيه، فلا يتنبه المتلقي إلى ما في المضامين الحكائية من مفارقات أو تناقضات. أو لعل الحيل الثقافية تستند أساساً إلى أن الثقافة تأبى أن يُظهر المتلقي ما يريد في أعماله أن يعترض عليه أو يسائله. ولذا استطاع السرد في مرويات الكتابة أن يخفي على سبيل المثال بدهية أن حكاية ابتداء العلم من العدم تتعارض تماماً مع تضمنها مصطلحات العلم التي تكون فيه بعد الوجود. كما استطاع أن يخفي صوراً من التحيز الثقافي الذي لا يتبين إلا لمن يقرأ الحكاية غير منساق إلى التسليم بمضامينها، كجعلها الأنبياء السابقين يتكلمون العربية ويكتبون بالخط العربي.

من المفارقات الجديرة بالإشارة إليها هنا أن سرد قصة الكتابة كان في أصله المتناقل ثم في صورته التي انتهى إليها شفهياً لا كتابياً. إذ «ينتمي السرد العربي القديم إلى السرود الشفاهية. فقد نشأ في ظل سيادة مطلقة للمشافهة، ولم يقم التدوين الذي عُرف في وقت لاحق لظهور المرويات السردية إلا بتثبيت آخر صورة بلغها المروي». (السردية العربية ص16). فالكتابة هنا لا تعدو أن تكون موضوعاً واحداً فقط من بين الموضوعات الكثيرة التي كانت تُروى حولها الأخبار ثم أتى التدوين الكتابي ليثبت المروي على الحال الذي كان عليها شفاهياً قبل تدوينه. وسيتضح في الصفحات القادمة أن بعض قضايا الكتابة المتأخرة لم يُلجأ في الحسم فيها إلى شواهد من جنس ما تثبته أو تنفيه، وهو الكتابة، بل بقي المصدر الشفاهي وحيداً في إثبات ما يفترض وجود شواهد منه أو عدمها عليه.

ومفارقةٌ أخرى هي أن ما يتمظهر من حكايات التراث بالاقتراب من منطق المعقول من حيث نسبة اختراع الكتابة إلى البشر وإلى مصادر دنيوية لا علوية، يلاحظ عليه أنه يعلقها بوضع فذ، وكذا يسبغ على الواضع اختلافاً وتميزاً عن عامة الناس. ولهذا ظهر الواضع مرات ممثلاً بهيبة المُلك، ومرات بتسميته باسمه المميز له بوصفه واضعاً. وهذا يدل من جهة على أن ما يبدو أنه أقرب إلى المعقول يتكئ على مظاهر الخرافة المتمثلة في أبطالها النبلاء كما أشير إلى ذلك آنفاً، ومن جهة أخرى يدل على عمق التشابه بين النوعين المختلفين في الظاهر، وهو ما سيشار إليه لاحقاً.

للكتابة بطبيعة الحال قصة. لكنها ليست قصة سردية فيها ما في القصص من الشخصيات والزمان والمكان والأحداث ما تعيِّنُ القصة حدوده أو صورته حقيقة أو خيالاً. إنما هي قصة من نوع ما يوجد في تأريخ الإنسانية من قصص التطور المعرفي الذي صاحب هذا التأريخ. وهو نوع لا يحكي بدؤه ولا يحدد زمان البدء ولا مكانه ولا شخصياته، ولكن يتلمس منه علامات على طريق تطوره ونموه وتأثر المجتمعات ببعضها فيه. ومن يعدل في رسم صورة العلم عن هذا إلى الحكاية ستكون الخرافة بلا شك هي العنصر المهيمن في المرسوم. وسيتضح في الحلقة القادمة مصداق هيمنة الخرافة على حكايات البدء في هذا حين نقارن ذلك بالأخبار والحكايات التي تدور حول مرحلة لاحقة لمرحلة وجود الكتابة، هي مرحلة إصلاحها، مع أنها أقرب في العهد من الأولى، وأولى منها بأن تكون أبعد من الخرافة والأسطورية. إذ كان من المفترض أن تكون الحكاية التي تروي أطرافاً من قصة الكتابة في مرحلة التدوين والكتابة هي حكاية ما كُتب ووجد من آثار مكتوبة، فيخرج مسار الحديث هنا عن القص إلى مقاطع من تأريخ العلم. هذا وللحديث بقية.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 0

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة