خرجتْ علينا الهيئة العليا للانتخابات الأسبوع الماضي 28/3/2011 بإعلانها عدم مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية لهذه الدورة الثانية للمرة الثانية على التوالي منذ انتخابات المجالس البلدية السابقة عام 2004-2005. فماذا حدث؟ ولماذا تكرر نفس الموقف؟

لم يعد شيئاً غريباً على المجتمع السعودي أن تجده يتناول مواضيع تتعلق بالانتخابات أو الديمقراطية أو المشاركة في الشأن العام أو تداول السلطة في منتدياتهم، مجالسهم، حتى الصحافة ووسائل الإعلام المختلفة. ولم تعد المرأة بعيدة عن هذه الحوارات تعليقاً أو مشاركة لا سيما وأنها دخلت خلال الفترة الماضية منذ عام 2005 كمنتخِبة ومرشَّحة في قطاعات مثل الغرف التجارية والهيئات المهنية كهيئة المهندسين والصحفيين واللجان العمالية للعديد من المؤسسات العامة والخاصة كأرامكو، وكمنتخبة مثل مؤسسة الطوافة وغيرها من الجهات. وعندما نصل إلى الشأن البلدي نجد أن الحديث يأخذ منحى مختلفا فيما يتعلق بالمواضيع المتعلقة به وجلّها مرتبط بأداء المجلس البلدي الحالي وصلاحياته وتقييم التجربة لاسيما وأنها كانت ناقصة من أكثر من جانب لعل أهم جانبيها أنها انتخابات جزئية لنصف المجلس فقط، وانتخابات لنصف سكان المملكة فحسب وهم الذكور فقط من دون النساء، فكانت النتيجة مختلة بشكل مضاعف أثرت في استقلاليته وشمول تمثيله لفئات المجتمع واهتماماته.

وعودة إلى عام 2004 حين أعلنت الهيئة العليا للانتخابات آنذاك (أكتوبر 2004) عدم مشاركة المرأة في الانتخابات الأولى بأي شكل من الأشكال نجد أنها صرحت بأن من حق النساء المشاركة في التصويت والترشح إلا أنها لن تضمهن هذه الدورة نظراً لعدم جهوزيتها الإجرائية دون إعطاء تفاصيل كثيرة ربما اقتصرت من خلال التحليلات على قضية محدودية عدد النساء الحاملات للبطاقة المدنية. وقد قامت مجموعة من النساء الأكاديميات والناشطات وأنا فيهن بمناقشة كل القضايا المعلقة المرتبطة بمشاركة النساء وآلية مشاركتهن وأهمية مشاركتهن علناً في الصحافة ومباشرة من خلال المخاطبات التي قامت بيننا وبين سمو رئيس الهيئة العليا للانتخابات آنذاك قبل إعلان هذا القرار بعدة أشهر، وللأسف فإن الهيئة لم تحاول الاستعانة بأي من المبادرات التي قدمتها هذه المجموعة من النساء، وأصرت على التحرك بمفردها بطاقم لا يمثل إلا ذكور المجتمع فكانت النتيجة أن بدأت تجربة الانتخابات البلدية الأولى لها على مستوى المملكة، عرجاء.

تلا ذلك أن قامت مجموعات من نساء المملكة خلال فترة السبع سنوات الماضية التي شملت فترة الدورة الأولى بالإضافة إلى عامين من التمديد، بتطوير الكثير من خبراتهن واهتماماتهن في القضايا البلدية، وطرح البرامج المساندة للانخراط في العملية الانتخابية وما بعدها، كما كانت تواصل وتسأل وزارة الشؤون البلدية والقروية أين وصلت في استعداداتها لمشاركة النساء، وعندما لا ترد، تحرص على الأقل على تذكيرها بأن تجهز وتستعد قبل فوات الوقت. وخلال هذه الفترة أيضاً قدمت الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان تقريرها الثاني عام 2008 الذي رصدت فيه إشكالية عدم مشاركة المرأة في الانتخابات البلدية، وأوصت بأن تتلافى الوزارة مخالفتها الصريحة لبعض الاتفاقيات الدولية التي انضمت إليها المملكة، بأن تصدر نظاماً خاصاً بالانتخابات يكفل المساواة أو عدم التمييز بين الرجل والمرأة بهذا الشأن، كما تعهدت المملكة في تقاريرها التي قدمتها لهيئة السيداو الدورية ومراجعة تقرير حقوق الإنسان الدوري في العامين 2008، 2009 على التوالي بأنها سوف تحرص على مشاركة المرأة في الشأن العام بالتصويت والترشح بعد أن عددت القطاعات التي حققت المرأة فيها نجاحات. فما الذي جرى إذاً؟

نصل إلى نهاية العام 2010 وتبدأ التصريحات بأن الانتخابات البلدية سوف تحدد قريباً، وتعلن مجموعة من الناشطات السعوديات في جميع أنحاء المملكة "حملة بلدي" للمشاركة النسائية في الانتخابات البلدية والتي أخذت على عاتقها تنظيم هذه المشاركة بالتدريب والتجهيز المعنوي والمادي للراغبات من النساء والشابات وعقدت العديد من البرامج التأهيلية والتوعوية خلال فترة الثلاثة أشهر منذ إعلانها. وتلا ذلك عدد من التصريحات الإيجابية حيال هذه المبادرة والتي تؤيد مشاركة المرأة في هذا الشأن الذي لا ينفصل عن إمكانات وخبرات المرأة في مجتمعنا. ثم أخذت التسريبات تتناثر يمنة ويسرة، تماماً كما حدث عام 2004، وتماماً خرجت التعليقات التي تتنبأ سلباً وتحلل هذه التسريبات بأنها فقاعات اختبار لجاهزية المجتمع التي تحيلنا إلى عصر الوصاية على الأطفال والقُصّر، حتى وصلنا إلى يوم الاثنين الماضي حيث عرفنا أخيراً من هو رئيس الهيئة العليا للانتخابات التي كان بيدها هذا القرار، فأعلن الأستاذ عبدالرحمن الدهمش بكل بساطة أن المرأة لن تشارك نظراً لعدم استعداد الهيئة لذلك.

الانتخابات البلدية تعني المواطنات والمواطنين في أبسط وأكثراحتياجاتهم التصاقاً بحياتهم اليومية . والتساؤل كيف للانتخابات البلدية التي ستجري نهاية هذا الشهر أن تكون مطابقة للمعايير الدولية، كما صرحت الهيئة، وهي مميزة (بكسر الياء) ضد المرأة وقد استثنت تسعة ملايين امرأة من المشاركة في هذه الانتخابات؟ فما هي هذه المعايير التي تتحدث الهيئة عنها؟ وأليست سبع سنوات كافية للهيئة لأنْ تختبر وتفكر وتتأمل وتخطط وتعمل لأجل أن تطور من عمل هذا القطاع الحيوي من تجربة المشاركة الشعبية في الشأن العام والتي دعا إليها خادم الحرمين الشريفين منذ العام 2003، فضلاً عن تأكيده على أن المرأة شريكة الرجل في بناء الوطن؟

للأسف فإنه يتكررالخطأ من قبل الجهة المناطة بها هذه العملية معرضة فيها مكتسبات الوطن من قدرات وإمكانات المرأة السعودية للإحباط وكأنها تريد تهميش دور المرأة وقيمة مساهمتها في الشأن العام بما لايخدم بأي حال من الأحوال مستقبل البلاد، وإنني آمل أن تكون هناك إمكانية مراجعة بشكل من الأشكال..