اتصل بي قبل ست سنوات أخي الدكتور عبدالرحمن بن راشد الشملان عضو هيئة التدريس بقسم التاريخ كلية الآداب جامعة الملك سعود، حيث ذكر لي أن المهندس سلطان بن محمد بن صالح (باشا) بن محسن بن عذل يدعوني للإطلاع على وثيقة عثمانية، كانت عبارة عن مرسوم سلطاني خاص بالوسام «المجيدي»، الذي منحته الدولة العثمانية لجده «الشيخ صالح باشا العذل»، أثناء زيارته لعاصمة الخلافة العثمانية «إستانبول»، مندوبًا عن الملك عبدالعزيز، وذلك في عام 1325ه/1907م.

وقد هالني ما رأيته بنفسي من شخصية المهندس «سلطان» الذي كان يعكف خلالها على تأليف كتاب عن جده الشيخ صالح باشا، أسماه من رجالات الملك عبدالعزيز: صالح باشا بن عذل: حياته، أعماله وأقرباؤه.

أقول أدهشني وهالني كثيرًا أن المهندس سلطان رغم أنه كان في حالة صحية غير طبيعية؛ - حيث كان فاقدًا لكل حواسه إلا نعمتين أبقاهما الله عز وجل له وهما نعمتا السمع والبصر - كان عاكفًا على كتابة هذا المؤلف عن جده. والمذهل أنه كان يتابع بنفسه كل صغيرة وكبيرة فيه. وأنا شخصيًا لم أتصور أن أحداً في أيامنا هذه وتحديدًا في عالمنا الإسلامي لديه هذه القوة من الإيمان بالقدر والجلد والصبر على ما ابتلاه الله به من امتحان؛ نعم قد نسمع أو سمع بعضنا عن عدد من الحالات المشابهة بطريقة أو أخرى بحالة المهندس الجليل «سلطان»، لكنه تميز عنهم بعدم استسلامه؛ بل عَمِلَ على الانتفاع من هاتين النعمتين اللتين أبقاهما الله جل وعلا له بالبحث والدراسة فيما ينفعه – بمشيئة الله تعالى- في دنياه وآخرته. لهذا عَمِلَ بكل قوة وصبر وتؤدة على تأليف هذا الكتاب.

والمهندس الفاضل “سلطان العذل” بحالته هذه لم يكن مثل غيره من الكُتّاب والمؤلفين، يقرأ بعينه ويحلل بفكره ويكتب بيده؛ بل كان مختلفاً عنهم في كل شيء.

لذلك ابتكر أسلوبًا وطريقةً جديدة تستحق – بكل صدق- أن يلقى عليها الضوء من الجميع يمكننا أن نقسمها إلى المرحلتين التاليتين:

الأولى: اقتباس المعلومات المتناثرة في الكثير من المصادر والمراجع والوثائق، وكان ذلك عن طريق قيام أحدهم بعرض المراجع عليه، فتُفتح له صفحاتها من بدايتها وحتى نهايتها؛ وأثناء ذلك يشير بعينه إلى مكان الاقتباس، فيقوم هذا الشخص بتدوينه.

الثانية: التحليل العلمي لهذه المعلومات، وذلك بأن تُعرض عليه لاحقًا تلك المعلومات التي تم تدوينها، وخلال هذا العرض يقوم بالتحليل العلمي.

ولكن كيف ينقل تحليله المبني على قراءاته السابقة ومعلوماته الفائتة؟ هنا يكمن مربط الفرس فقد ابتكر طريقة للمحادثة خاصة به، لا أعرف أن أحدًا قد سبقه إليها. فقد أوجد لوحاً ضم الحروف العربية بعد أن قسمها إلى مجموعات عدة؛ بحيث تكونت كل مجموعة على الأغلب من ستة أحرف بحسب الترتيب الأبجدي. وجرى تلوين كل مجموعة بلون معين؛ وذلك لسرعة نقل الحروف. وهكذا إن عُرض أمام عينيه اللوح وسميت له المجموعة الملونة: الأخضر على سبيل المثال، فإن كان الحرف الذي يريده الشيخ موجوداً في هذا اللون، فإنه يغمض طرفه بعد سماع الحرف، فيقوم الكاتب الواقف بجانب عارض اللوح، بكتابة الحرف المذكور، ثم تقرأ عليه المجموعة الملونة من الحروف مجدداً، فيختار الحرف المطلوب بإشارة من عينيه، وهكذا حتى يتم تدوين الكلمة ثم الجملة التي يرغبها الشيخ سلطان.

وبهذه الطريقة الشاقة التي تحتاج إلى صبر لا يطيقه إلا القليلون، ألّف هذا الكتاب عن جده.

وقد مكث “أبو نايف” في تأليفه لهذا الكتاب - كما فهمتُ فيما بعد - سنوات عدة، تجاوزت الخمس من العمل المتواصل الدؤوب. وهو – أعاد الله له صحتهُ - لم يكتف بجمع المعلومات المبعثرة في مختلف المراجع والمصادر؛ بل سعى مثله مثل الباحثين الأكاديميين إلى الاستعانة بكل الوثائق ذات العلاقة بموضوع كتابه، ومنها وثائق تنشر للمرة الأولى، إضافة إلى استشهاده بالمراجع مع ذكر معلوماتها التفصيلية وتوثيقها في الهامش.

ولعل من الأمور التي تعرفتُ عليها من خلال قراءتي لهذا المؤلف هو التاريخ المعروف بالتاريخ “الجريجوري”، الذي استخدمه “سلطان” إلى جانب استخدامه للتاريخين الهجري والميلادي.

ولمن لم يطلع على هذا المؤلف فأقدمُ فكرة مختصرة عنه فهو عبارة عن مجلدين بلغت عدد صفحاتهما “1733» صفحة من القطع المتوسط، وقد جاء بطباعة أنيقة وملونة.

وكلي ثقة بأن البعض بعد معرفته بهذه التجربة الفريدة من نوعها يوافقني على الاقتراحين التاليين:

الأول: أن هذه التجربة تستحق أن يلقى عليها الضوء؛ لتكون نبراسًا لنا جميعًا في الإيمان بالقدر وقبوله مع عدم اليأس، وأن المسلم عامل عابد يخدم دينه وأمته ونفسه من خلال ما أعطاه الله من نعم لا تحصى ولا تُعد.

الثاني: الدعوة إلى تكريم هذا الرجل الفريد من نوعه - على الأقل في أيامنا هذه - من خلال المراكز والجمعيات العلمية والثقافية؛ ولهذا فإني من خلال هذا المنبر أدعو القائمين والمشرفين على معرض الرياض الدولي للكتاب لهذا العام على إلقاء الضوء على تجربة “العذل” الفريدة والفذة وعلى كتابه القيم.

أسألهُ تعالى أن يلقى هذا الاقتراح القبول والاستحسان من القائمين على معرض الرياض الدولي للكتاب لهذا العام فهو أقل القليل مما يفترض أن يقوم به المجتمع تجاه هذا الرجل سلمه الله وأعاد له صحته وعافيته.