يبدو أن الذين يخططون لمدينة جدة كانوا يحلمون بمدينة فنيسيا، فلأول مرة تخلت السيارات عن الشوارع ودخلت القوارب، حتى وإن كانت القوارب ليست للنزهة، وإنما لإنقاذ المهددين بالموت، والمشهد بمجمله لابد أن يذكرك بشوارع فنيسيا المائية ولاينقصه إلا مشهد هواة صيد الأسماك على النواصي، وفي أطراف الشوارع، وإن كان تم التعويض عن غياب مشهد الصيد بمشاهد الإسقاط من الجو إلى الماء لا إلى الأرض في محاولات لإنقاذ المحاصرين، لكن المطر الذي يُصلى من أجله الفلاح ويلعنه البحار، وهذا منطقي فالفلاح ينبت الرزق، والبحار يغرق مركبه، هكذا رأى أحد الفلاسفة النافعة إذا أضرت على عكس مقولتنا "رب ضارة نافعة".

نحن بحكم ظروفنا الجغرافية والمناخية نصلي طلبا للمطر إذا تأخر، ولكن مسؤولي الأمانة في جدة يدفعوننا إلى الصلاة من أجل حجب المطر، نقبل بضياع الرزق ولا نقبل بضياع الحياة كلها.. ، إلا إذا كان جدة التي هي عروس البحر أصبحت عروسا للمطر، أعجز عن تصور ماحدث، ففي العام الماضي امتلأت صفحات بالشكوى والاعتراض والاتهام أيضا حين أغرقت الأمطار شوارع جدة، وقال الناس جميعا هذا لن يتكرر أبدا، لأننا بلد استطاع أن يصنع واجهات مضيئة بكل اتجاه وبكل موقع ، لا يتناسب مع تلك الواجهات بنية أساسية بسيطة ، بالغة البساطة لصرف المياه، وكأننا عدنا إلى زمن مجرى السيل ، فحين كانت تعمل مجاري السيول لم نكن نرى ذلك المشهد .. كنت أقول إن الناس لم يتوقعوا أن تتكرر الظاهرة، وبعد أن تكرر الأمر يبدو أن بعض المسؤولين يسمعون ويكذبون، فالتصريحات التي خرجت عقب تلك الهجمة كانت تؤكد أن كل الأخطاء قد أصلحت، وأن كل شيء قد أصبح على التمام والكمال وإذا بنا اليوم نكتشف أن شبكة الصرف لا تغطي إلا عشرة 10% من مساحة جدة ، هل بوسع أحد أن يتصور ذلك ، وهل نحن دائما بحاجة إلى تشديد العقاب من أجل الإصلاح وفي بلدنا نماذج رائعة تعطي دون أن يطلب إليها ، أم بأي أدوات الخيال يمكننا أن نستوعب هذه المرة أيضا ؟! .

هل علينا أن نجتهد بالنبش عن الأسباب التي لا يمكن أن تكون منصفة لأحد، لأنها لن تخرج عن الكذب والتضليل والإهمال والبلادة، وربما السرقة والاختلاس وغير ذلك، ها نحن نغوص في مياه شوارع جدة فلا نخرج بسمكة بل باتهام .