** ليس هناك تعارض ألبتة.. بين أن يكون لنا (أمر بالمعروف ونهي عن المنكر) وبين أن يكون تعامل رجال الهيئة مع الناس (برفق) .. وبالستر.. والتزام ما جاء في سيرة ( الرسول صلى الله عليه وسلم)..

** بل على العكس من ذلك تماماً.. فإن من أوجب الواجبات على رجال الحسبة أن يكون تعاملهم مع عباد الله .. هيناً .. ليناً.. ومثالياً.. لأن كلمة (بالمعروف) دالة.. وشاملة.. وموحية بهذا النوع الراقي من السلوك.. لأداء هذه المهمة الكريمة على أحسن وجه..

** وعندما أوضح الأمير الجليل (سلمان بن عبدالعزيز ) هذه النقطة وركز عليها خلال الحفل الختامي لمعرض وملتقى (خير أمة) الذي نظمته الرئاسة العامة للهيئة ممثلة في فرعها بمنطقة الرياض يوم الاثنين الماضي.. فإن سموه جسد أمامنا حقيقة الرسالة النبيلة التي يقوم بأدائها منسوبو الهيئة في مجتمع مسلم بدولة قامت في الأساس على كتاب الله وسنة رسوله الكريم..

** ولو أدرك هذا الأمر كل مواطن.. وكل فرد من منسوبي هيئة الأمر بالمعروف في المملكة .. لما حدث ما حدث في أكثر من مدينة من مدن المملكة من ممارسات لا تمت بصلة إلى طبيعة المهمة التي يضطلع بها منسوب الهيئة.. ولا إلى الأفراد الذين ينتمون إلى بلد القرآن .. ومجتمع الرسالة المحمدية.. وبنية الإسلام الأولى..

** والسبب في ذلك راجع إلى أن (ثقافة التعاون) بين رجل السلطة في أي موقع .. وبين المواطن.. مازالت ضعيفة.. ويحكمها شعور لا مبرر له من قبل الطرفين..

** فرجل الهيئة.. أو رجل الأمن.. أو موظف هيئة الرقابة.. لابد وان يكون على درجة قصوى من الأدب.. والذوق.. والسماحة في التعامل مع الطرف الآخر.. سواء أكان مواطناً أم مقيماً.. لأن وظيفته تحتم عليه أن يؤدي واجبه بكل سلاسة.. وليس بصورة استفزازية .. وبفوقية كريهة.. ترفضها النفس البشرية ولا تتقبلها الكرامة الإنسانية أيضاً..

** في الوقت الذي يتوجب على الإنسان الآخر أن يتفهم طبيعة دور ومسؤولية.. وواجب رجل الحسبة.. أو الأمن.. أو الرقابة.. أو من في حكمهم.. وأن يتعاون معه.. ويعينه على أداء مسؤولياته بكل هدوء.. ودون استعلاء أيضاً..

** لكن ما يحدث هو .. ان كلاً من رجل الحسبة والمواطنين لدينا – على وجه التحديد– لا يحسنون التعامل مع بعضهم البعض.. بل وينظر كل منهم إلى الآخر وكأنه (خصمه) وبالتالي فإنه يتصرف معه بصورة (جافة).. في ظل غياب حسن النية المسبق.. وعدم الاستلطاف التلقائي.. ونظرة كل منهما نحو الآخر بشيء من (الريبة) و (الشك) وعدم (الارتياح)..

** وما يساعد على هذا هو نقص الوعي لدى الطرفين.. فالمواطن لا يحسن الظن برجل الهيئة.. لأن هذا المحتسب يتعامل معه بخشونة.. وبحكم مسبق يغلب عليه سوء الظن.. وتسيطر عليه نشوة التسلط ومنطق ( التجريم) حتى قبل أن يتعرف على حقيقة الوضع الذي دفعه إلى استيقاف هذا الإنسان.. ومحاسبته وبالتالي فإن هذا المواطن يكون – ومنذ اللحظة الأولى- فظاً غليظاً مع رجل الهيئة بدلاً من أن يكون هادئاً.. وواثقاً من سلامة وضعه.. ومتفهم لطبيعة وظيفته..

** أما رجل الهيئة نفسه.. فإن تصرفاته – في بعض الأحيان- تدل على قصور في الوعي وفي الإدراك لطبيعة وظيفته .. وكذلك لحقوق الإنسان الطبيعية.. وضرورة مراعاته لهذه الحقوق.. وعدم اللجوء إلى تعنيفه بالقول الجارح.. أو الفعل المنكر..

** وهكذا يؤدي غياب ثقافة التعاون إلى توتير الموقف وتصعيده بينهما في معظم الأحيان.. وإلى زعزعة الثقة بين الطرفين.. وإلى تأزم العلاقة على الدوام..

** تلك هي المشكلة الأساسية في حساسية العلاقة بين المواطن ورجل الهيئة..

** لكن الأكثر خطورة.. وتأزيماً لهذه العلاقة يحدث عندما تختفي قاعدة (الستر) وينعدم حسن النية.. ويغلب الشر.. ولاسيما حين يقتحم بعض رجال الهيئة بيوت الناس.. أو يتعدون على بعض الأفراد في الأسواق والأماكن العامة.. أو يتصرفون بشكل غير لائق وخارج حدود صلاحياتهم ثم يحاولون أن يلبسوا هذا المجني عليه تهمة من نوع آخر.. كما لاحظت من الكثير من الشكاوى المنشورة بالصحف.. وكل هذه تصرفات رفضها نظام الحكم .. ولا تقبل بها شريعة الله السمحة ولا توجبها مسؤولية رجل الهيئة.. ولا يقبلها كبار المسؤولين لدينا..

** وكم أتمنى أن تتسع جهود التوعية وذلك بالتركيز على نشر ثقافة التعاون القائم على الثقة وحسن النية أولاً وأخيراً.. إذا نحن أردنا أن نكون (خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر) وليس أمة استهداف وتلصص .. وتقصَّد لعباد الله.

×××

ضمير مستتر:

**[ السلطة – عند العقلاء- لا تعني التسلط.. والرحمة والرفق بعباد الله .. لا تعنيان إسقاط الواجب والحق.. أو التقصير فيه