لا ريب أن لديك رغبة جامحة في الوصول إلى مرحلة (العقل المستنير)؛ بمعنى أن يكون بمقدورك رؤية الأمور كما هي وعلى حقيقتها، وأن تسيطر على نفسك لتسخرها وتوجهها نحو ما يفيدك ومجتمعك، وعندما تقلب صفحات النصائح والوصفات المرشدة إلى تحقيق ذلك؛ حتما ستجد في مرحلة ما بأنها تتقاطع جملة مع تعاليم وتوجيهات الإسلام.

إن ما يثير الاهتمام في هذا المجال ما تتناوله المدارس الروحية الشرقية؛ التي ترى بأن على الإنسان السعي إلى تحقيق الانسجام فيما بين البعدين الجسدي والروحي ليصل لمرحلة نور العقل؛ ويكون ذلك من خلال التوجيه السليم لخمس نقاط للطاقة في الجسم البشري –يطلقون عليها ( الشاكرا)-.

وقد سلطت سلسلة (القادمون) على اليوتيوب الضوء على هذا الموضوع بشكل مثير وفي قالب إسلامي، وكان من جملته؛ أن النقطة الأولى هي (العجزية) والتي تمثل الطاقة الجنسية، فهذه الطاقة إذا وجهت نحو الزنا مثلا فإن صاحبها سيكون مرتكباً لكبيرة من الكبائر، فقد قال تعالى في وصفه للمؤمنين:"والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين". –صدق الله العظيم-، وقد وصف جل جلاله من ابتغى وراء ذلك بأنه من "العادون"، وقد قال بعض البلغاء : "خير الناس من أخرج الشهوة من قلبه".

وأما النقطة الثانية موقعها منطقة السرة، وتمثل الصحة والقوة الشخصية؛ وهذه الطاقة توجيهها السليم يكون بالأكل الحلال ومن المال الحلال، بحيث أن من اعتاد على غير ذلك فإن نفسه تكون مريضة، وقال تعالى:" إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما، إنما يأكلون في بطونهم نارا". -صدق الله العظيم-، كما ان الإسلام حرم الربا، وأوضح ضوابط وأصول كسب المال الحلال.

والنقطة الثالثة فهي القلبية، وتمثل الحب والعطف والاحترام للآخرين، وهذا ما حث عليه الإسلام؛ ولكنك قد تجد من داس على كل ذلك والسبب ما سيُذكر لاحقا في الخلاصة من هذه النقاط الخمس هنا، وأما النقطة الرابعة فهي الحلقية وتمثل التعبير عن الذات والتواصل مع الآخرين، فمن الجميل أن توجّه هذه الطاقة بما يدعوك إلى التسامح مع الآخرين والصدق معهم ونصحهم وتذكيرهم بما يعينهم على دينهم ودنياهم، وأما الأخيرة (التاجية) والتي تمثل القوة العقلية وهي الهدف المنشود؛ حيث تعني رجاحة العقل والحكمة؛ وقد قال تعالى : " ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا" –صدق الله العظيم-.

ولكن المثير في موضوع نقاط (الشاكرا) أن مفتاح توجيهها نحو الطريق السليم لا يتحقق إلا من خلال النقطة الأولى (العجزية)؛ أي بطريقة تراتبية وتصاعدية من الأسفل إلى الأعلى، بمعنى أن من لم يحفظ فرجه؛ فإنه قد لا يجد في نفسه حرجاً من أن يأكل من الحرام؛ كأن يغش ويتعامل بالربا ونحو ذلك، وقد لا يحب للآخرين ما يحبه لنفسه بل قد يحقد عليهم ويحسدهم، ولن يجد لنفسه طاقة بأن يصلهم ويصدقُهُم ويعينهم، وبذلك حتما لن يصل لرجاحة العقل التي ينشدها، فقد قال صلى الله عليه وسلم:"اجتنب محارم الله، وأدّ فرائض الله تكن عاقلا، ثم تنفل بصالحات الأعمال تزدد في الدنيا عقلا وتزدد من ربك قربا وبه عزا".

وفي نهاية المقال؛ لم أجد خاتمة لائقة وقيّمة يمكن أن أسدل فيها الستار على الموضوع مثل درر وُفقتُ لسماعها تعود إلى فضيلة الشيخ صالح بن عواد المغامسي –حفظه الله-، والتي أوردها فضيلته في محاضرة له تحدث فيها عن قصة (طالوت وجالوت ) الواردة بالقرآن الكريم، وتحديدا عن ابتلاء الله -عز وجل- لجنود طالوت بالنهر كما قال تعالى : (إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) . وان هذا الابتلاء من العزيز الحكيم كان لحكمة عظيمة؛ ومغزاها أن يصطفيَ لطالوت من ينتصرون على رغبتهم الباعثة إلى شربهم من ماء النهر لأنهم بذلك يكونون الصابرين والمؤمنين حقا؛ والذين سيجد طالوت فيهم العون بعد الله لتحقيق النصر على عدوهم، ومن هنا فإن من أراد الفوز العظيم والتوفيق في أموره؛ وأن ينفع نفسه ومن حوله؛ فعليه أولا أن يقاوم الفتن التي تعصف به وينتصر على نفسه؛ لتكون له رؤية الأمور على حقيقتها وبكل أبعادها؛ فيزيده ذلك إيمانا بالله؛ ولينال حظا عظيما بإذنه، فرأس الحكمة مخافة الله.