بدأت المملكة بتنفيذ المرحلة الأخيرة من التزاماتها أمام منظمة التجارة العالمية بخفض الرسوم الجمركية على نحو 122 سلعة من ضمنها رسوم الجمارك على سلع الرزنامة الزراعية وعددها 10 سلع. وبناء على ذلك فإن الحماية الجمركية على هذه السلع، أثناء موسم إنتاجها ، سوف تنخفض من 25% إلى 15%. وبانتهاء هذه المرحلة يكون إجمالي ما أعفته أو خفضته المملكة في جميع المراحل قد وصل إلى 816 بندا جمركياً.

من ناحية أخرى فإن أسعار السلع قبل انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية لم يشهد مثل هذه الارتفاعات الجنونية التي نراها الآن في الأسواق. فلقد كانت الأسعار فيما مضى شبه مستقرة ونسبة التضخم معتدلة جداً. وكان المأمول أن يؤدي انضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية إلى مزيد من انخفاض الأسعار وتوفير السلع والخدمات بسعر تنافسي لا إلى هذا الغلاء الفاحش.

فما الذي يؤدي إلى سير الأمور في اتجاه معاكس لما يفترض أن تكون عليه؟

من الواضح أن هناك خمسة عوامل على الأقل قد أدت إلى التقليل من الآثار الإيجابية لانضمام المملكة إلى منظمة التجارة العالمية.

العامل الأول هو تطور اقتصادنا خلال السنوات الأخيرة وظهور ملامح بعض السمات الاحتكارية عليه. فارتفاع أسعار الخضار في الأيام الأخيرة إلى 100% يتم في ظل وفرة المعروض منها. مما يعني أن العلة ليست في المعروض بل في العارض لتلك السلع. فبعض الموردين ربما فضلوا الاتفاق فيما بينهم على رفع أسعار الخضروات منتهزين موجة البرد ونزول الثلج في بعض البلدان المصدرة للمملكة.

الأمر الثاني هو غياب الرقابة على الأسعار. وهذا أمر مستغرب في ظل التطور الالكتروني الذي نشهده. فوجود الحاسب الآلي وشبكة الإنترنيت بامكانهما أن يوفرا على الجهات الرقابية جيشاً من المفتشين. إذا حتى ان المسافرين بالطائرة يمكنهم اليوم معرفة مستوى الأسعار في أسواق المطارات التي سوف يمرون بها مهما بعدت فما بالك بالأسعار داخل البلد. ان موظف واحد في أي جهة من الجهات المعنية بالحد من التلاعب بالأسعار يمكنه اليوم مراقبة الأسعار في كافة السوبر ماركات الكبيرة دون الخروج من مكتبه إذا ما وضع النظام والتجهيزات المناسبة لذلك.

الأمر الثالث هو غياب جمعيات أهلية لحماية المستهلك وضعف مؤسسات المجتمع المدني. فنحن نحتاج إلى تطور جمعيات قوية لحماية المستهلك توازي التطور الذي يشهده القطاع التجاري. وذلك للحد من تفرد هذا الأخير بالمستهلك. ففي بلدان عدة مثل الولايات المتحدة وأوروبا تضطلع جمعيات حماية المستهلك المستقلة بدور بالغ في حماية حقوق المستهلكين.

الأمر الرابع عدم تطور الجمعيات التعاونية. ففي الكويت مثلاً هناك الأسواق التعاونية التي تخدم الاحياء السكنية. فإذا كان المستهلك هو نفسه عضو الجمعية التعاونية التي تبيع عليه ما يحتاجه فإن ذلك من شأنه أن يؤدي إلى حصوله على السلع بأسعار معقولة. كما أن المنافسة بين الأسواق التعاونية وغير التعاونية من شأنه الحد من غلو الأسعار في كافة أسواق البلد.

أما الأمر الخامس فهو الأزمة الاقتصادية العالمية وما ترتب عليها من تراجع في معدلات النمو في العديد من البلدان الصناعية وخاصة الولايات المتحدة. حيث تلجأ هذه الأخيرة، بهدف تحفيز الاقتصاد، إلى اتباع سياسة نقدية توسعية أبرز معالمها خفض الفائدة على الدولار واللجوء إلى طباعة النقود غير المغطاة بالسلع والخدمات ضمن سياسة التيسير الكمي. وكلتا هاتين الأداتين الماليتين تؤديان إلى انخفاض سعر صرف الدولار. الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع سعر صرف عملات شركائنا التجاريين في العالم من ناحية وارتفاع أسعار النفط والمواد الخام من ناحية أخرى. وهذا بدوره يساهم في ارتفاع أسعار السلع التي تصدر إلينا.