• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1440 أيام , في الجمعة 11 محرم 1432 هـ
الجمعة 11 محرم 1432 هـ - 17 ديسمبر 2010م - العدد 15516

المفاهيمية.. مدرسة الفوضى غير الخلاّقة في ساحة الفن التشكيلي!!

من أعمال أيمن يسري

النــاقــد :هشـــام قنـــديـــل

    أخشى أن يأتي وقت تضيع فيه المعايير فيصبح لا فرق بين (المبدعين والمدعين) ذلك أن حالة غريبة من السيولة والأحكام النقدية شجعت كثيرين كانوا يفكرون ألف مرة قبل أن يدلوا برأيهم في لوحة على أن تمتد أيديهم للعبث بالألوان ويمارسوا حالة من الاجتراء على الفن معتبرين أنفسهم مبدعين ومبدعات ورائدات.ومن المؤسف أن حياتنا الثقافية ابتليت بما يمكن أن نسميه (الفوضى غير الخلاّقة) اهتزت فيها المعايير ودخلنا في حالة من شعوذة المصطلحات ودجل المفاهيمية! الفن الرديء، فن الأرض، التشكيل في الفراغ، الفن التركيبي، فن الفيديو، التشخيص المرتبك، الطوطمية الجديدة، ما بعد الرمزية.أُطلقت مسميات كبيرة على أوهام صغيرة نُفخ فيها وتضخمت حتى باتت تتصدر المشهد.

ويبدو أنه في عالم الإبداع تتوالد الأوهام وتتناثر كالطحالب في زمن وجيز.. ومن الغريب أن هذا لم يكن ليحدث لولا أن النقاد الحقيقيين الذين هم حماة الفن وحراسه سكتوا واكتفوا بمراقبة عبث الصغار حتى نما وتحول إلى واقع بالقوة.ومن ذلك ما حدث في الشعر حين ابتليت الساحة بما يسمي (قصيدة النثر) التي لا يتورع المنظرون لها والمبشرون بها عن الإعلان بصراحة أنها صرخة ضد البلاغة العربية القديمة و"القديمة" هنا تعني الأصيلة بل إن بعضهم لا يتورع عن القول إنها انقلاب على العربية!وقريباً من ذلك راح بهلوانات اللعب بالمصطلحات في ساحة الفن التشكيلي ولم يألوا جهداً في الالتفاف على مصطلحات واشتقاقات نقدية رصينة مثل الفن المفاهيمي والمصطلح في حد ذاته لا غضاضة فيه بل هو استلهام لجوهر العمل التشكيلي بمعنى أن الفن ليس منتجاً جمالياً بقدر ما هو منتج فكري، لكن في زحمة اللعب بالألفاظ أسقطوا حرف الباء من كلمة المبدعين ليرفع الستار عن هجمة لجحافل المدعين متمسحين في شعار الفن المفاهيمي ونحن لسنا ضده بالطبع لكننا ضد استخدامه جسراً لمرور المدعين.قديماً كان الفنان التشكيلي يفكر ألف مرة قبل أن يقدم على إقامة معرضه الشخصي حيث كانت اللوحة تستغرق وقتاً طويلاً وكان الأمر في الفن الواقعي أكثر وضوحاً والنقد تحديداً محكماً إلى المقارنة الدقيقة بين الطبيعة وما نقله الفنان منها حيث كان الفنان أول ناقد لنفسه إذا خرجت معاييره غير متطابقة لمعايير الواقع.


هشام قنديل

التاريخ يذكر لنا أن فنانين كبار أفنوا حياتهم في الفن دون أن يقدموا على هذه الخطوة وإن أقدموا عليها فإنهم يقدمون عليها بعد فترة طويلة جداً من المشاركات الجماعية وإثبات الذات في هذه المعارض.

أما الآن فأصبح هناك استسهال كبير في إقامة هذه المعارض وفي ظل هذه الفوضى العارمة استطاعت فنانة شابة أن تقيم ثمانية معارض شخصية خلال عامين فقط بواقع معرض كل ثلاثة شهور هذا غير المعارض الثنائية والثلاثية والرباعية.. بالله عليكم كيف يستقيم هذا الأمر؟ هل هذا يعقل وسط السكوت المريح من المثقفين أو حتى أدعياء التنظير؟

في الوقت الذي نجد فيه فنانين ومبدعين كباراً قد يقضون شهوراً عدة في مشاركة لوحة واحدة تستعصي عليهم حتى تسلم نفسها بعد جهد جهيد.

راحت هذه الشابة النابغة العبقرية تمطر جمهور الفن التشكيلي بوابل من اللوحات كل ثلاثة شهور بل إن بعض الجهلاء يهللون لهذه الظاهرة المريبة (والبركة في المدرسة التجريدية والمفاهيمية) التي أعطت الفرصة لكل من هب ودب أن يتطفل ويتنطع على الفن التشكيلي دون أدني امتلاك للموهبة.. أعرف كثيرين كانت أقصى آمالهم زيارة المعارض ثم تحولوا بقدرة قادر إلى فنانين بل يشاركون في فعاليات خارجية ويوهموا أنفسهم بأنهم أصبحوا عالميين لمجرد أن شارك في معرض في باريس أو ايطاليا..


السلم المقوب لبكر شيخون

وهذا بالطبع ليس تهكما من الفن التجريدي الذي أعشقه أو الفن المفاهيمي - فن ما بعد الحداثة - الذي يعاني من فقدان الضوابط والمعايير الموضوعية التي تفرق بين الادعاء والأصالة مما أتاح الفرصة لمدعي الفن أن يصولوا ويجولوا (نعم ويقدموا أعمالاً لا تمت بصلة إلى الفن وخرجوا من روعة الفن إلى هلوسة الفنان ودخلنا في عالم من التهاويم والطقوس السحرية والفهلوة اللونية والدجل المفاهيمي والضحية الأولى في هذه المتاهة هو المتلقي الذي يجهد نفسه ليصل إلى مفهوم يقنعه بجدوى إقامة هذه المعارض التي تشوش على ذواتنا وتشوه منطقة الحس الراقي والتذوق الهادئ وقد نجح هذا الاتجاه في إغواء كثير من الفنانين خصوصاً الشباب منهم بالنهب مما تفرزه الحياة الإبداعية في أوروبا من غرائب وعجائب ومن شاهد تلك المعارض الأخيرة يدرك فداحة الضياع الذي تتجه إليه الحركة الإبداعية في زمن لا يراد فيه لهذا الوطن العربي الكبير إلا أن يكون تابعاً ولا يراد لثقافته إلا أن تكون إمعة وصدى باهتا للفن الغربي.الأعمال المفاهيمية تعتمد أكثر على الفكرة وتتطلب ثقافة موسوعية في كافة المجالات الأدبية والعلمية ناهيك عن امتلاك الموهبة، فمن الغرابة أن نجد فناناً زخرفياً يقدم لنا أعمالاً ديكورية نراه فجأة ينقلب على عقبيه ليقدم لنا أعمالاً مفاهيمية ولايفهم معنى المفاهيمية أو فن التجهيز في الفراغ. إنني أوقن أن كل فن جديد محارب وصراع القديم مقابل الجديد صراع أبدى حتى عندما ظهر الفن التعبيري والانطباعي كان يُهاجم على أنه فكرة غريبة عن الفن السائد آنذاك ولست هنا كذلك أرفض المفاهيمية فهي فن يضاهي روح العصر المعقدة والمستعصية التي أصبحنا نعيشها في مجالات أخرى غير الفن وهو رد فعل للواقع السياسي لكننا نهاجم المدعين المتنطعين الذين وجدوه مسرباً سهلا للولوج إلى عالم الشهرة والوجاهة دون بذل أقل مجهود للمشاركة في مفهوم الفن الجديد الذي نعرفه أنه فن ينتهي بمجرد انتهاء الحدث وهو فن غير تجاري إطلاقاً لايباع ولا يشترى ولكنه هنا يباع ويشترى! وحتى لا نُتهم بإهالة التراب على ما ينضج من براعم وحتى لا يخرج علينا أحد بالقول إننا ضد التجديد والتطوير نعلنها مرة أخرى أننا لسنا ضد الفن المفاهيمي ومن ذلك لم تخل الساحة من فنانين قدموا نماذج وأعمالاً رائعة تحت لافتة الفن المفاهيمي ومن هؤلاء بكر شيخون ونايل ملا ومهدي الجريبي وعبدالله إدريس وهاشم سلطان وأيمن يسري.فليكن الفن مفاهيميا أو غير مفاهيمي.. وغير مألوف وغير عادي وغير معروف وغير متكرر المهم أن يكون فناً في الأساس.



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 7
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    انا معك يا فنان واؤيدك فى الرأى فعلا شباب كتير يدخلون عالم الفن بدون اى خبرة فقط لانه يريد التعبير عن فكرة معينة دون ان يمتلك ادوات اتقان العمل ليعبر عن فكرته فنانين كثيرين نجد اعمالهمالتجريدية وغيرها دون ان نشاهد خبراتهم او تجاربهم فى الفن الواقعى ولكن لابد ان نترك الحرية للفنانين لخلق فرصة للابدا

    الفنان جليليو (زائر)

    UP 0 DOWN

    11:25 صباحاً 2010/12/17

  • 2

    المفروض في الاعمال المفاهيمية ان يكتب الفنان فكرته في نص مكتوب او يتحدث عنها..
    عندها نعرف اذا للعمل قيمة ام انه خبط عشواء..
    وعندها نستطيع ان نقيّم الفكرة،
    جيدة - مقلدة - مبتكرة - صادقة ,,,الخ

  • 3

    هذا هو واقع الساحة التشكيلية وقد شخصت العلة بدقة متناهية إستاذ هشام فوصلت الفكرة حتى للمصاب بقلة الفهم وضعف الإستيعاب.
    أرجو أن يتحلى الجميع بروح المسئولية.

    أحمد قعيش (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:33 مساءً 2010/12/17

  • 4

    مقال رائع بمعنى الكلمة استاذ هشام
    انا اقف معاك ان الساحه الفنيه بحاجه لغربله لانها اصبحت تعج بالفنانين وبالمتطفلين ولكن للا سف الشديد سيدي الا ترى ان اللوم يقع على الفنانين والمسؤلين عن صالات العرض وخاصة عندما تدخل تاء التانيث في الموضوع فالجميع يصفق حتى لو كان مايعرض امامه لا يمت للفن بصله

    awatif (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:35 مساءً 2010/12/17

  • 5

    تساؤل وهل فن الفكرة ( المفاهيمية ) هو من أسقط حرف الباء من كلمة أومصطلح ( مبدع ) ؟؟؟
    يا اخ هشام الاشكالية أزلية منذ أن وفد الفن التشكيلي ( فن اللوحة المسندة ) كان الانسلاح والتقليد المتبلد.. إذا أردنا الوصول إلى جوهر الحقيقة علينا أن نتتبع جذوز هذه الإشكالية من الأساس.

    احمد طيب منشي (زائر)

    UP 0 DOWN

    07:05 مساءً 2010/12/17

  • 6

    الحقيقه تاهة اخي العزيز هشام وأصبحنا في مجتمع تشكيلي يسوده الفوضي والأسي... يعطيك العافيه علي هذه المقاله وفعلا لمست الجرح... تحياتي

    عبدالرحمن المغربي فنان تشكيلي (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:57 صباحاً 2010/12/18

  • 7

    أستاذ هشام
    ان للموضوع جوانب عدة... لنا ان ندرسها و نتحقق من منبعها... فلأمر ليس بالهين... ولكن ارى ان العالم كله يحصل لها نفس الامر ولكن... التدخل من المسؤليين و الأكاديمين والمثقفين أقوى "سد" لموجة المتطفلين

    ناهد (زائر)

    UP 0 DOWN

    02:04 صباحاً 2010/12/18



مختارات من الأرشيف