من عنوان المقالة أرجو أن لا يفهم القارئ من استخدامي كلمة تطرد انني احمّل العمالة الأجنبية ذنب ابعاد العمالة الوطنية من سوق العمل فهم أيضا يبحثون عن لقمة عيشهم وانما العتب يقع على رجال الأعمال الذين يفضّلون ويستقدمون هذه العمالة لرخصها. وكذلك يقع العتب الأكبر على وجود تنظيم (أو تخطيط) غير سليم لدى الجهات المختصّة يشجّع رجال الأعمال ويبرّر لهم الاستقدام.

الحجج التي يحتج بها رجال الأعمال (وكذلك الجهات المختصّة) هي أن الشباب السعوديين لا يرغبون في العمل وأنهم غير ملتزمين وليس لديهم تدريب كاف يؤهّلهم لأداء ماهو مطلوب منهم أن يقوموا به مقابل مايطالبون به من أجور أعلى من الأجور التي تقبلها العمالة المستقدمة.

والأغرب أن بعض الأكاديميين لدينا (الذين نعتقد أنهم فاهمون) يقولون إن البطالة لدينا اختيارية (ناسيين أن الأجر الذي يأخذه بعض العمال الأجانب لا يكفي مواصلات توصيل العامل السعودي للعمل) وبالتالي يفتي هؤلاء الأكاديميون بأنه لا يوجد لدينا - كما يوجد في العالم - بطالة اجبارية ولذلك فإن الحل هو ترك العاطلين لرغباتهم الى أن يعضّهم الجوع فيضطرون لقبول الأجور السائدة في سوق العمل (أي يقبلون الأجور التي تقبلها العمالة السائبة تحت حرارة الشمس في عز الظهيرة).

سيّدة الأعمال الشيخة safco2000 (المعلق رقم 17 على مقال السبت الماضي) تقول: "أمّن لي عامل ملتزم وبأسعار منافسة وأنا بوظّف كل عمالي وموظفيني من عيال البلد". ثم تضرب مثلا بالمعقب السعودي الذي وظّفته فهرب بفلوسها واعاد لها الورق من تحت الباب.

على افتراض صحّة سالفة سيّدة الأعمال safco2000 (وهي نموذج لمعظم أصحاب الأعمال) فإن لها شرطين من أجل أن توظّف عيال البلد هما: ملتزم، وبأسعار منافسة.

معاها حق في شرط الالتزام (لكن سأوضّح أدناه بعد سطرين من الجاني) أما شرط بأسعار منافسة فيجب أن نعلم أنه لا يوجد عامل في أي بلد من بلاد العالم يمكنه أن ينافس في سوق ألعمل اذا كانت أبواب بلده مفتوحة على مصراعيها لاستقدام أرخص الأيدي العاملة في العالم.

أما شرط الالتزام فيجب أن نحدّد من هم الضحايا ومن هم الجناة (إنها معضلة البيضة والدجاجة) فرغم أنه حقيقة لا أحد ينكر ان بعض (لاسيما بعض موظفي بعض الدواير الحكومية) متسيبون وغير ملتزمين لكن هذا الجيل نحن الذين صنعناه ولم يصنع نفسه.

لا يوجد انسان في شتى أنحاء العالم يولد من بطن امه - على الفطرة - وهو متدرب وملتزم (أي يعرف ويحترم أصول ومبادئ العمل) وانما المجتمع الذي يولد فيه (أي الناس الذين يربّونه) يوجّهونه - منذ الصّغر - أي طريق يختار. امّا أن يكون عاملا نشيطا يعرف أن عليه واجبات يجب عليه أن يؤديها وأن له حقوقا يجب أن يحصل عليها، وأمّا أن يكون عاملا خاملا كسولا يعيش في صغره عالة على والديه ثم عندما يشتد عضده يعلّل النفس بأن يكون عالة يتلقى معونة كالعاجز من الحكومة.

خلال كتابتي هذا المقال رأيت بالصدفة برنامجا على قناةMSNBC عن عمال النظافة في العالم وبأن عمال النظافة في مانهاتن تبدأ أجورهم من 75 ألف دولار في السنة (أي 24450 ريالا في الشهر) فساقني الفضول للرجوع الى سلم رواتب الموظفين الوارد ضمن تقرير بدل غلاء المعيشة في جريدة الرياض الأحد 9 ذي القعدة 1431 العدد 15455 فوجدت أن اّخر مربوط راتب وكيل الوزارة لدينا هو 24000 ريال في الشهر (أي أقل من بداية مربوط الزبّال في مانهاتن).

آسف لوكلاء وزاراتنا فليس القصد مقارنة رواتبهم برواتب الزبّالين وانما فقط أردت أن أسأل الذين يقولون إن البطالة لدينا اختيارية ماذا يحدث لو أن أمريكا سمحت لمقاولي النظافة أن يستقدموا عمالتهم من الدول التي نستقدمهم منها بأقل من الف ريال في الشهر وادّعت أن البطالة لديها اختيارية لأن العاطلين لديها لا يقبلون بأسعار المنافسة.

  • رئيس مركز اقتصاديات البترول

" مركز غير هادف للربح"