يتضمن تاريخ الشعر العربي القديم وأخبار الشعراء العرب مواقف وأحداثاً عديدة تحمل دلالات نقدية جميلة تدعو المُطلع عليها للتأمل والإعجاب والاستشهاد، لاسيما إذا ما وضعت تلك المواقف إزاء مواقف وأحداث أخرى معاصرة على سبيل الموازنة فيما بينها، من تلك المواقف ما كان يفعله بعض الشعراء في بداية مسيرتهم الشعرية حين يتوجه الشاعر الناشئ إلى شاعر أكبر منه أو إلى ناقد خبير بالشعر وفنونه ليطلب منه الإذن بنظم الشعر، وممن فعلوا هذا الأمر الشاعر الأموي عبدالله بن قيس الرقيات (ت 75ه)، حيث يُروى بأنه أتى إلى طلحة بن عبدالله بن عوف الزهري فقال له: "يا عمي، إني قد قلت شعراً فاسمعه فإنك ناصحٌ لقومك، فإن كان جيداً قُلت، وإن كان رديئاً كففت"، فلما أنشده الرقيات قال له طلحة: "قل يا ابن أخي فإنك شاعر".!

فالشاعر كما نرى في هذه الحادثة يتقدم إلى الناقد "الناصح" وهو على استعداد تام للتخلي عن موهبته إذا حُكم عليها بالضعف والرداءة، فثقته بنفسه هي التي تُشجعه وتدفعه إلى طلب الإذن وكذلك فإن ثقته برأي الطرف الآخر هي التي تُحتم عليه القبول بالحكم الذي سيصدر في حق موهبته؛ وثمة حادثة أخرى في هذا السياق قد يرى فيها البعض شيئاً من المُبالغة مع أنني لا أستبعد حدوثها في زمن كانت القدرة على الحفظ والاستظهار سمة يمتاز بها الشعراء والرواة وعامة الناس، فيُروى أن أبا نواس استأذن خلف الأحمر في نظم الشعر، فقال له: "لا آذن لك في عمل الشعر إلا أن تحفظ ألف مقطوع للعرب، ما بين أرجوزة و قصيدة ومقطوعة، فغاب عنه مُدة .. فلما حضر وأنشده أكثرها في عدة أيام قال له خلف: لا آذن لك إلا أن تنسى هذه الألف أرجوزة كأنك لم تحفظها"، وتقول الرواية بأن أبا نواس قد أبدى صعوبة هذه المهمة لكنه قام بها بعد جهد كبير فقال له خلف بعد ذلك: "الآن انظم الشعر".

كان هذا الأمر في الماضي أما الآن فنجد بأن الوضع قد تغير كثيراً، لأن أول ما يخطر في بال الشاعر المُبتدئ في زمننا هذا عند اكتشاف موهبته أو مجرد ميوله لنظم الشعر هو التفكير في إيجاد طريق سريع للوصول إلى وسائل الإعلام والنشر، أمّا مسألة عرض إنتاجه الشعري على أحد الشعراء المُجيدين أو النقاد المتذوقين لأخذ رأيه فهي على أهميتها القصوى في ذيل قائمة أولوياته أو خارجها، فضلاً عن إمكانية طلب الإذن والإجازة بنظم الشعر...!