تباينت الآراء حول تقييم صورة المرأة في مناهجنا التعليمية، ومدى مواكبتها للعصرالحالي، بما يمثله من تطورات في المنجزات النسائية في مجتمعنا السعودي المعاصر، فهل هناك فجوة ملموسة بين صورة المرأة في الواقع، وبين صورتها في مناهجنا تحتاج إلى تغيير وتطوير، أم أن ذلك مجرد إدعاء لا أساس له؛ باعتبار أن المناهج تخضع لتطويرات وتحديثات مستمرة؟، وما المقترحات المقدمة في حال وجود قصور وتباين واضح في هذا الشأن؟

فرضية ليست محسومة

يوافق «د. جبرين علي الجبرين» - استاذ الدراسات الاجتماعية بكلية الآداب بجامعة الملك سعود - على أن الحديث عن الحاجة إلى تطوير صورة المرأة في المناهج يعني ضمنياً أن صورة المرأة في المناهج تحتاج إلى تغيير، وهذه فرضية -حسب رأيه- ليست محسومة، وتصطدم بوجهة نظر مغايرة يرى أنصارها عدم الحاجة إلى ذلك.

وعلى افتراض القبول بالتطوير، يتساءل «د.جبرين» هل هو استجابة لمتطلبات العصر أم أنه تصحيح لخطأ ظل متوارثا لعدة سنوات؟، وهل تطوير هذه الصورة في المناهج فقط أم أنه يجب أن يمتد ليشمل عناصر أخرى مثل الإعلام والخطاب الاجتماعي والثقافي والديني؟.

ثم يجيب «د.جبرين» بنفسه على الأسئلة التي طرحها، مؤكداً على أن إعطاء المرأة مكانتها الطبيعية ومنحها كامل حقوقها الشرعية والإنسانية أصبح مطلباً لا يملك أحد الحق في رفضه؛ لكنه من جهة أخرى يقرّ بأنه ليس متفائلاً بالتأثير المتوقع من المناهج الدراسية، والسبب في ذلك يعود إلى الفصام الكامل بين التنظير والتطبيق في مجتمعنا على كل المستويات، فنحن نتعلم شيئاً ونطبق شيئاً آخراً، ونؤمن بشيء ونطبق عكسه، ونردد شعارات معينة بدون قناعة ونتخلى عنها في أول موقف؛ ولذلك سوف يتحول جميع ما كتب في المناهج حول تطوير صورة المرأة إلى مجرد طقوس نحفظها ونرددها لنجتاز المادة دون أن يحدث تغيير حقيقي.


د. جبرين الجبرين

إهمال وليس اتهام!

أما المشرفة المركزية بالإدارة العامة للتوعية الإسلامية بوزارة التربية والتعليم «هدى الحمود» فترى أننا عندما نتحدث عن تطوير أو تحسين صورة المرأة في مناهج التعليم؛ فإننا لا نتهم مناهجنا بأنها بُنيت على التقليل من شأن المرأة، أو التصغير منها، ولكننا نلحظ وبنظرة فاحصة أن مناهج التعليم لدينا -مع الأسف- قد أهملت إبراز صورة المرأة وإظهار ما لها من حضور قوي في مجتمعها -منذ عهد الصحابيات رضوان الله عنهن-، فقد سبقت المرأة عامة والنساء المسلمات خاصة في ميادين عدة ومن ذلك، الجهاد، والطب، والتمريض، والفقه وغير ذلك من مجالات الحياة المتعددة، فالباري – عز وجل – كرّم المرأة ورفع قدرها منذ أن جاءت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، وأعطاها كامل حقوقها.

وتوضح «الحمود» وجهة نظرها معتبرة أن المناهج التعليمية، خصوصاً مادة التاريخ، لم تعنى بإظهار الصورة الجلية للمرأة المسلمة عن طريق إفراد فصول أو دروس محددة للتحدث عن بطولات النساء من المسلمات، وما حققنه من جهود رائعة وما لهن من أثر كبير في رسم صورة المجتمع المسلم في ماضيه وحاضره، فبالعودة إلى المناهج القديمة كان هناك كتب للمطالعة الإضافية، ومنه كتاب تحت عنوان «المرأة المسلمة» يطرح لطالبات المرحلة الثانوية، ويهتم بتقديم سير الصحابيات -رضي الله عنهن- للناشئات؛ غير أن هذا النوع من الكتب لم يأخذ ذلك الطابع الاثرائي القوي الذي يسوغ للمتعلمات الإفادة منها.

محض افتراء

وينفي الباحث في السياسة الشرعية «د.سعد بن عبدالقادر القويعي» اتهام مناهج التعليم الأساسي لدينا بتكريس الصورة النمطية للمرأة، معتقداً أن التركيز على ذلك هو محض افتراء.


د. سعد القويعي

وقال: مناهج التعليم هي نتاج موروث علمي وشرعي وثقافي، نافياً الحديث عن الصورة النمطية للمرأة دون معرفة التراكم الثقافي والاجتماعي الذي صنع هذه الصورة، وهو جزء منها، وكنا نعيشه عندما كانت المرأة تنبذ -يوما ما- إلى مكان قصي، مؤكداً على أن الأزمة حينئذ كانت أزمة ثقة، وصنعت تنافسات، أو لنقل إن شئنا «توازنات غير نزيهة»؛ خشية أن تتفوق المرأة على الرجل.

ويطرح «د.القويعي» على سبيل المثال كيف أن هذه المناهج شاركت المرأة في كتابتها وتأليفها جنباً إلى جنب مع الرجل؛ فهي -إذن- لها حضور في صناعة المرأة المتزنة والإيجابية، وهذا دليل واضح على تفعيل دورها التخطيطي الإداري والتنفيذي، كما أن التدليل بصور مشرقة في تلك المناهج على مشاركة المرأة للرجال في مناحي الحياة كثيرة، منها: مشاركتها للرجال في الفتوحات الإسلامية؛ من أجل أن تحث الجيش على القتال، وقد تحمل السلاح، وتشارك في مهنة التمريض؛ لمصلحة المجتمع وخدمة الإنسانية، مما يدل على أن التنمية التربوية والتعليمية لا يمكن فصلها عن الواقع.

تقويم مستمر

لكنه في المقابل، يلفت «د.القويعي» النظرإلى أن ما نعيشه اليوم من مواكبة المجتمعات المتطورة وفق استراتيجيات مدروسة؛ كانت صدى لانعكاسات فكرية وتربوية متنوعة الأبعاد والأهداف، وأنجبت أجيالاً قادرة على اللحاق بقطار العلم والاتصال والتواصل، والحصول على أعلى الدرجات العلمية والتعليمية والتربوية؛ لتفعيل عجلة تطور المنجز الحضاري، وتحقيق طموح المرأة كمؤثر فعال، ومطور للمجتمع، وتلك سنة من سنن الله الكونية في البشر.

لكن هذا لا يمنع «د.القويعي» من التأكيد على أننا بحاجة إلى التقويم المستمر للمناهج الدراسية، وبصفة مستمرة؛ من أجل تغذية الأجيال في ضرورة الإبداع، وتنمية مهارات التفكير- لكلا الجنسين-، ومن واقع مواكبة عولمة العصر، بشرط أن يكون ذلك في ظل وعي حضاري، فالبعد العالمي أصبح جزءاً أساسياً من التعليم، ونحن هذا العام نلحظ حركة غير مسبوقة، ونشهد تطويراً مذهلاً في المناهج الدراسية، وفق منظومة متكاملة؛ لصناعة جيل قادر على مواجهة التحديات المستقبلية، ومواكبة المرافق الحيوية، وحتى تتناسب المخرجات التعليمية مع متطلبات سوق العمل.

مقترحات تطويرية

بعد أن أقرّ «د.الجبرين» حاجتنا لتطويرالمناهج؛ طرح مقترحات لهذا التطوير، مؤكداً على أن التطوير ينطلق من قناعة كاملة مع وجوب حسم الأمور، وأي تغيير يراد لصورة المرأة لن يكتب له النجاح ما لم ينطلق من قناعة المربين والمعلمين، وإلاّ سيكون مصيره الفشل، موضحاً أن قناعة الوزارة بضرورة التغيير لا تكفي، وعلى الوزارة أن تحسم خلافها مع بعض المعلمين الذين قد لا يرون ضرورة لتطوير صورة المرأة، ولديهم قناعة بترك الأمور كماهي، مشيراً إلى وجوب التطوير بشكل مختلف عن الطريقة الاعتيادية المستحيلة، والتي تتمثل في تكليف أشخاص يعتبرون جزءاً من المشكلة وليس لديهم قناعة ولا حماس للتغيير المطلوب، ولذلك فإن معظم المحاولات تولد ميتة؛ لأننا مصرون على إصلاح الأخطاء من خلال العقول التي صنعتها وهذا ضرب من المستحيل!.

رؤى مستقبلية

من جهتها تقدّم المشرفة «هدى الحمود» رؤى مستقبلية لتطوير صورة المرأة في المناهج؛ فيما لو أردنا أن نرسم مخططاً تربوياً متروياً لهذا التطوير، وفق عدة خطوات رئيسة، أهمها: أن يكون مصدر التطوير قائماً على بحوث ودراسات ميدانية تهدف إلى تحديد رؤية المجتمع بجنسيه للمرأة، والعمل على تحقيق التعاون بين مؤسسات المجتمع الخدمية وبين وزارة التربية والتعليم في سبيل تقديم مناهج جديدة تتمتع بالأصالة والتطور، كذلك التعاون مع الجامعات في سبيل التعرف على وضع المرأة في مناهجنا وما يجب أن يكون عليه، مع مراعاة إعادة صياغة المناهج من قبل متخصصين على أن تتمتع فرق العمل بالدراية والمران.