شعرية المرض

قصائد على السرير الأبيض

بداح السبيعي


محمد الشرهان

يُطلق الناقد الدكتور جابر عصفور مصطلح (شعرية المرض) على تلك القصائد التي كتبها الشعراء "عن الأمراض التي عانوا منها، والتي أودت بحياة بعضهم"، ويضرب مثلاً على ذلك بقصيدة المتنبي الشهيرة (الحمى)، إضافة إلى قصائد أخرى لبدر السيّاب وقصائد محمود درويش عن جراحات القلب التي خضع لها، ويقوم بتركيز دراسته على أربع قصائد للشاعر أمل دنقل أبدعها وهو على فراش الموت أثناء صراعه مع مرض السرطان، ويرى عصفور في دراسته حول (أنسنة الموت) بأن مثل تلك القصائد ما هي إلا "قصائد مُقاومة هدفها الأول نزع البراثن القمعية عن غول الموت الرهيب، وتحويله إلى كائن مُستأنس، تنقلب صورته الوحشية إلى صورته الإنسية بسحر الشعر الذي يؤنسن الموت ليجعله كائناً مألوفاً، قابلاً للتأمل والتفكر والتدبر، بعيداً عن الرعب الذي يلازمه، والخوف الذي يُثيره ولا ينفصل عنه".


مرشد البذال

والحقيقة أن القصائد التي يكتبها الشعراء في مثل هذه الحالة كثيرة جداً وغالباً ما تتسم بالصدق الذي تستدعيه حالة التجاذب بين عاطفتي الحب للحياة والخوف من الموت في نفس الشاعر، وسبق وأن عرضنا في هذه الصفحة لقصيدة الشاعر الكبير مرشد البذال رحمة الله التي قالها وهو يُنازع الموت في غُرفة الإنعاش، واليوم نعرض لقصيدة أخرى أبدعها الشاعر فهد بن عبدالعزيز الفايز وهو على السرير الأبيض بسبب آلام أصابت قلبه، وقد نشرها الراوية المعروف محمد الشرهان في (سالفة وقصيدة) تحت اسم قصيدة (المغذّي)، ويستهل الشاعر قصيدته بأبيات بديعة يتأمل فيها برعب شديد القطرات الرتيبة التي تهبط من أنبوب محلول التغذية الوريدية الذي غُرز في ظاهر يده ويصورها تصويراً دقيقاً:

شفت المغذّي فوق راسي ينقط

نقطه ورا نقطه ينقّط نقوطي

ليّه يروّع مثل دابٍ مرقط

والا مثل كفٍّ يلوّح بسوطي

والإبرة بكفي مثل ريشة الخط

والا مثل مصّاص في وسط قوطي

فالأنبوب لا يُذكر الشاعر وهو في هذا الموقف إلا بالثعبان المُخيف أو بالسوط المؤلم في يد الجلاد، ومُحيط الشاعر في غرفة المُستشفى لا يستدعي في العادة إلا صورة الموت القاتمة، وقد أوحى المُحيط الأبيض للشاعر أمل دنقل أيضاً بالموت فقال في قصيدته ضد من:

(في غرف العمليات

كان نقاب الأطباء أبيض

لون المعاطف أبيض

تاج الحكيمات أبيض أردية الراهبات

الملاءات

لون الأسرة أربطة الشاش والقطن

قرص المنوم أنبوبة المصل

كوب اللبن

كل هذا يشيع بقلبي الوهن

كل هذا البياض يذكرني بالكفن)،

وحتى الزهور التي قد تحمل دلالة على الحياة بما فيها من أمل ورومانسية وصحة، لم توحِ له إلا بالموت فقال وهو يتأمل باقات الزهور حوله:

(تتحدث لي الزهرات الجميلة

أن أعينها اتسعت دهشةً

لحظة القطف

لحظة القصف

لحظة إعدامها في الخميلة

كل باقة

بين إغماءة وإفاقة

تتنفس مثلي بالكاد ثانية ثانية

وعلى صدرها حملت راضيةً

اسم قاتلها في بطاقة"!.

ولا يختلف الحال كثيراً مع شاعرنا الفايز، إذ ينتقل خياله في الأبيات التالية من تأمل ما يسميه عصفور "لوازم الموت الدالة عليه" إلى تذكر ما هو أكثر رعباً من المرض وهو الموت والقبر ولكن بلغة أقرب للغة الكلام العادي:

مع الهواجس رحت في شيلٍ وحط

أخاف من قلبٍ يصيبه هبوطي

ذكرت موتٍ قاعد لي على الخط

والمغسلة فيها الكفن والحنوطي

ومساحة أرضٍ ما رسمها مخطط

ببلاش لا صكٍ ولا به شروطي

ويدخل صوت الطبيب في الأبيات الأخيرة من القصيدة ناصحاً الشاعر بالهرب بتفكيره خارج حدود غرفة المرض الضيقة، وطرد هاجس الموت ومُقاومته بتناول الأدوية، وكذلك بتلاوة القرآن الكريم أو الترويح عن نفسه بقراءة الأشعار وتصفح الكتب الأدبية:

وجاني طبيب وقال كلش مضبط

إرتح وخذ لك هالعلاج مخلوطي

وانسى الهموم وخلّها لا تسلط

وافتح كتاب الله وشرح السيوطي

واقر دواوين الشعر كود تنشط

والا لطه حسين والمنفلوطي

ترا حلاة العمر ساعة بها بسط

والله غفور ولا يصيبك قنوطي

ويُلاحظ أن الأبيات التي يتحدث فيها الشاعر عن الموت لم تحمل ذلك الحزن العميق الذي تُلامس به قصيدة البذال وجدان المتلقي نتيجة لاختلاف أبعاد التجربة بينهما، لكنها تفوقت بشكل كبير في قوة اللغة وجزالتها، وتفوقت أيضاً في جانب التصوير الدقيق والبديع لرعب الشاعر المريض نتيجة تخيله بأن اتصاله بأنبوب "المغذي" ما هو إلا شكل من أشكال اتصاله بعالم الأموات.






مواد ذات صله

Image

يقول من عدى علـى راس عالـي

Image

ما زال قلبي طير ويعوج الأرقاب

Image

قطوف من تراثنا الأدبي وموروثنا الشعبي

Image

عقب سيله العشب يِتْعلاّ نبابه فوق

Image

صادق الـقـلب







التعليقات

دكتور خل العلاج والتطبب والاطباب
طب النفس عند خالقها الرب راعيها
لاباس بالطب عند الضروره ماخاب
من صلى وصام وحج وأعتمر عمرها

2

 النوخذه

 2010-11-04 20:12:21

مايداوى علتى بدواه ديم
لو يداوى قدر ستين عام
والحب طبه عسير
وأعجز هريسون وديم
(محمد الفيحانى)
هريسون /ديم
أطباء انجليز كانو فى مملكة
البحرين قديما 0

3

 النوخذه

 2010-11-04 20:01:21

د كتور لا تكشف على قلبى أرجوك
أ خاف تلقى صورته فى الاشاعه
(؟)

4

 بدراباالعلا

 2010-11-04 19:31:38

مب كل من زار الطبيب علته عضويه
الخطوره من في الخاطر فقدان حبه
لا دواء ينفع ولا أشاعه تكشف العله

5

 النوخذه

 2010-11-04 17:43:11

تر ا حلاة العمر ساعة بها بسط
والله غفور ولا يصيبك قنوطى
(فهد الفايز)
لاتشغل البال بماضى الزمان
ولا بأتى العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس فى طبع الليالى الأمان
وعيشنا طيف خيال , فنل
حضك منه قبل فوات الشباب
(عمر الخيام)

6

 دانة البحر

 2010-11-04 17:14:50

صحيح أن الصحة تاج على رؤوس الأصحاء

7

 ساهريه

 2010-11-04 16:45:28

الله عليكم ياكبار
الله يرفع عنكم

8

 بدر وبس

 2010-11-04 16:29:44

موضوع جميل جدا ,,
اشكر الكاتب على صياغته ,,

9

 عاشق الرومانسية KSA

 2010-11-04 13:17:12

توسدت ذراعي بغفي وهم بعد ارتاح..طرالي طيفك ودمعت عيني لذكراك..مثل المريض حالتي بدونك كلها اوجاع..ياااكثر ماني مشتاق لشوفتك ولقياك.. ابحضنك وبنسى معك شقى وحزن الايام..وبضمك لين انسى بعدك وفرقاك..





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع