الاستقبال الحافل الذي لقيه صاحب السمو الملكي الأمير بندر بن سلطان بن عبدالعزيز، الأمين العام لمجلس الأمن الوطني، لدى عودته الميمونة إلى أرض الوطن سالماً غانماً بعد رحلته العلاجية التي تكللت بالنجاح ولله الحمد، عزز العديد من الإشارات والمضامين التي تعكس موقع الأمير بندر الاستثنائي في أدواره المتعددة التي ظل يمارسها ضمن دبلوماسية شخصية ومواهب كاريزمية مميزة رافقتها نجاحات مدوية رسخت صورة الأمير بندر كمواطن جدير بالاحترام راهن دوماً على حزمة من الأفكار التي جعلت اسم المملكة يتصدر مواقع الجدارة والامتياز، وطبع حضورها بتأثير متواصل لا تخطئه العين على كافة الأصعدة منسجماً مع خيارات العصر وثقافته، وهو الأمر الذي أسهم عميقاً في كسر الصورة النمطية المتداولة خارجياً عن المملكة وشعبها تلك التي لم تكن تتعدى فكرة الصحراء الشاسعة المقفرة وقطيع الإبل المتناثرة.

لقد عكس الأمير بندر بن سلطان الذي تخرج في الكلية الملكية للقوات الجوية في كرانويل بانجلترا وانضم بعدها لسلاح الجو السعودي في عام 1968 طياراً مقاتلاً لبضع سنوات، حضوراً لافتاً على المشهد الدولي وفضاءاته ليدشن بذلك ما يمكن أن نطلق عليه حملة إعادة تعريف بالمطامح والقدرات والمكاسب المعتبرة ليس للمواطن السعودي فحسب، بل ولموقع الإنسان العربي، تبتعد به عن صورته السلبية المسبقة في الأدبيات الغربية بما يعيد لهم اعتباراً خاصاً وتقديراً لائقاً..

خلال الفترة من 1968م إلى 2005م عمد الأمير بندر بن سلطان إلى تسجيل حضور إنساني وسياسي شديد الذكاء، وهي المرحلة التي تبوأ فيها أعباء العمل الدبلوماسي سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى واشنطن، ليضفي على الدرس الدبلوماسي مزيجاً من القدرات الشخصية والمهارات الخلاقة لعصر حفل بالعديد من الانعطافات السياسية، ترافقت معها تحديات اقتصادية وسياسية، حشد تجاهها سموه الكريم، مواهب رفيعة من الخبرات والمواقف قادته إلى قلب الأحداث ليشتغل على أجندتها بمحفزات ملهمة لفتت الانتباه بما جعله «the supreme diplo mat» كما يشير السفير البريطاني لدى واشنطن بيتر جاي، ليس لجاذبيته الساحرة فحسب، بل لأن بندر هو فنان حقيقي.. وعلى هذا النحو ستتوالى باقة منوعة من الانطباعات الفريدة التي طبعها سموه في أذهان كثير من الشخصيات الدولية المرموقة ذات التأثير الواسع، نثرها المؤلف وليام سيمبسون في كتابه المثير عن (الأمير الأكثر إثارة للاهتمام في العالم)، كتاب يقدم بندر بن سلطان بواقعية مجودة تنأى عن الإضافات التي تسرق العمل بريقه وجماله وتلقائيته، وبين دفتي الكتاب سيتسع فضاء التجارب والمواقف والأفكار والحقائق التي جعلت سموه موضع إعجاب من الجميع، سنلتقي جورج بوش، هنري كيسنجر، روبرت فلاك، مارغريت تاتشر، جيمس بيكر، نيلسون مانديلا، ومحرري كبرى الصحف، وكُتاب الرأي والافتتاحيات، وسيتبارى الجميع بمودَّة خالصة في إضفاء المزيد من الصفات المحببة على سموه، مصطحبين معهم حزمة من الانطباعات الشخصية للمهارات والخصائص التي أتقن سموه، من خلالها، فنون التواصل الذكي وفرت له حضوراً خاصاً بين قادة كبرى الدول والسياسيين، أكسبته احتراماً جديراً بشخصيته كدبلوماسي رائد، وكرجل من عصرنا في مقولة تاتشر وكأحد صانعي السلام في هذا الزمن كما يذكر صديقه نيلسون مانديلا عنه سارداً محتوى فريداً من الصلات الدافئة عكست مزاياه وبراعته وتواضعه وجاذبيته الشخصية.

وفي الولايات المتحدة حيث تحتل الأفكار المنتجة موقع الصدارة وتلعب الميديا دور المسوق السريع لاتجاهات الرأي تعززها خدمات العلاقات العامة، رسخ بندر بن سلطان ذكاءه لاستيعاب آليات الحراك السياسي والاقتصادي في مجتمع ينطوي على تحولات يومية متسارعة شديدة التعقيد، فبات يؤدي أدواراً شديدة الخصوصية عالية التركيز، أضفى من خلال موقعه كعميد للسلك الدبلوماسي معايير جديدة للفاعلية المهنية وموقعها التأثيري، لذلك يقف سيمبسون على قدرات سموه على إدارة الأزمات الطارئة ليصبح (الاسم السعودي الدبلوماسي الأكثر حضوراً في الإعلام الغربي، وفي مراكز القرار في العالم)، وليتولى إدارة العديد من الملفات الساخنة التي ترافقت مع أحداث عاصفة، وفي ذلك يحيلنا وليام سيمبسون إلى عام 1987م حيث (صوّت مجلس الشيوخ 54 صوتاً مقابل 44 صوتاً ضد اقتراح إعاقة عملية بيع الأسلحة ثلاثية الأطراف، وتلك المرة الأولى في التاريخ الأمريكي التي تدافع فيها الولايات المتحدة صراحة عن صداقتها لدولة عربية رغم الاعتراضات الإسرائيلية الحادة)..

في مسيرة الأمير بندر بن سلطان المهنية والإنسانية سنتعرف على مواطن شديد الثراء والتنوع، ومن خبراته ونجاحاته المتحققة سنكتشف الطاقات الكامنة المحفزة إلى كل المبادرات الدافعة لحس الابتكار والإبداع، ومن مواقفه الإنسانية سنستلهم كما هو مهمٌ تواضع الإنسان وقربه من هموم الآخرين، إنه في واقع الأمر يعبر عن خصائص الضمائر الحية التي تزداد ألقاً مع دورة الأيام..

وفي عودة سموه الكريم سالماً معافى إلى حضن الوطن، ودفء المشاعر التي اُستقبل بها، وملامحه المستبشرة التي بثَّت الطمأنينة في قلوب محبيه ما يجعلنا نباهي دوماً بانتمائنا لوطن ينتمي إليه بندر بن سلطان بن عبدالعزيز.