يُشكر أميرنا النبيل خالد الفيصل - أمير منطقة مكة المكرمة - على إحيائه مأثرة من مآثر العرب (سوق عكاظ) وبذله الجهد والبحث لبناء ذلك السوق العريق القديم في مكانه وعلى صفاته.. فمنذ العصر الجاهلي و(سوق عكاظ) ملتقى ومنتدى، ملتقى لقبائل العرب ومنتدى لشعرائهم ونقادهم ومعرض لمنتوجاتهم يتم فيه إلقاء الخطب والأشعار والاستماع إلى كبار النقاد، كما يتم فيه تبادل البضائع وعرضها وشرائها وتعارف الرجال بالرجال ومحاورة الشعراء مع النقاد.

وشبيه به ما يقام الآن كل عام في (الجنادرية) بالرياض حيث يدعى الشعراء والأدباء والمفكرون من أنحاء العالم وتلقى فيه المحاضرات والندوات والشعر الفصيح والشعبي، وتعرض فيه (الحرف اليدوية) التي كانت سائدة في المملكة، حيث يراها الجيل الجديد على الطبيعة يمارسها المسنون أمام عيونهم ليعرفوا تراث وحرف آبائهم وأجدادهم، ويصلوا حاضرهم السعيد بماضيهم، ويدركوا مدى النعمة التي أنعم الله جل وعلا بها عليهم..


خالد الفيصل

وقد ورد في كتاب (سوق العرب ص٢١٧) أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حضر سوق عكاظ وعرض دعوته على عدد من القبائل قبل هجرته - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - إلى المدينة، حيث كانت سوق عكاظ بقرب الطائف ومكة المكرمة..

قال الأصمعي (عكاظ نخل في واد بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال «على المطايا» وبه كانت تقوم سوق العرب بموضع يقال له الأشداء) وقال البكري (عكاظ بضم أوله وفتح ثانيه صحراء مستوية لا عَلَم بها ولا جبل، وكانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقاً لمكة في الجاهلية، وعكاظ تقع على دعوة من ماءة قال لها نقعاء.. بها بئر لا تنكف، واتخذت سوقاً بعد الفيل بخمس عشرة سنة، وتركت عام خروج الحرورية مع المختار بن عوف سنة ١٢٩).

وقال ابن بليهد (ومن كل ذلك ثبت عندي أن موضع عكاظ يبعد عن مطار الحوية مسافة عشرة كيلو مترات تقريباً من الجهة الشرقية منه، وعن الطائف مقدار أربعين كيلومتراً، وذلك عند المكان الذي يلتقي فيه الواديان وادي شرب ووادي الأخيضر، شرقيه ماء يقال له (المعبوث) وجنوبيه أكمة بيضاء يقال لها (العبلاء) من العهد الجاهلي إلى هذا العهد، وشماليه هو الفاصل بين وادي شرب ووادي قِران المعروفين بهذين الاسمين إلى هذا العهد).


محمد السديري

النابغة الناقد

ورد في كتاب الأغاني ٣٤٠/٩ (وغيره من كتب الأدب) أن النابغة الذبياني كانت تضرب له قبة من أدم يسوق عكاظ يجتمع إليه فيها الشعراء فدخل عليه حسان بن ثابت وهو شاب، وعنده الأعشى وقد أنشده شعره، فتقدمت الخنساء وأنشدته قولها:

«قذى بعينيك أم بالعين عوار

أم ذرفت إذ خلت من أهلها الدار؟»

حتى انتهت إلى قولها:

«وإن صخراً لتأتم الهداة به

كأنه علم في رأسه نار

وإن صخراً لمولانا وسيدنا

وإن صخراً إذا نشتوا لنحار»

فقال: لولا أن أبا بصير (أي الأعشى) أنشدني قبلك لقلت إنك أشعر الناس، أنت والله أشعر من كل أنثى، قالت: والله ومن كل رجل!..

قال حسان رضي الله عنه:

وكنت شاباً فقلت: أنا والله أشعر منك ومنها!

فقال النابغة: يا ابن أخي إنك لا تحسن أن تقول:

«فإنك كالليل الذي هو مدركي

وإن خلت أن المنتأى عنك واسع»

قلت: بل أنا أشعر حيث أقول:

«لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحا

واسيافنا يقطرن من نجدة دما

ولدنا بني العنقاء وابني محرق

فاكرم بنا خالاً وأكرم بنا ابنما»

فقال النابغة: إنك شاعر لولا أنك قلتَ (الجفنات) لكان أكثر، وقلت (يلمعن في الضحا) ولو قلت (يبرقن بالدجا) لكان أبلغ في المديح لأن الضيف بالليل أكثر طروقاً، وقلت (يقطرن من نجدة دما) فدللت على قلة القتل، ولو قلت (يجرين) لكان أكثر لانصباب الدم.. وفخرت بما ولدت ولم تفخر بمن ولدك!»

قال حسان: فعلمت أنه داهية في الشعر فقمت من عنده خجلان!»

ابن خميس يصف سوق عكاظ

ومن أبلغ ما قرأت في وصف سوق عكاظ قول الشيخ عبدالله بن خميس: «ما هو عكاظ؟.. أعظم معرض في جزيرة العرب للتجارة والصناعة والفن، وأعظم مؤتمر للرأي والسياسة والاجتماع، وأعظم منتدى للشعر والخطابة والبلاغة، لم تبلغ المعارض الدولية اليوم - على ما بها من تنسيق وتنظيم وابتكار - ما بلغه سوق عكاظ من حيث كثرة الرواد وتعدد الأهداف واستيعاب القبائل وحرارة اللقاء.. يلتقي فيه اليمني والعراقي والعماني والشامي بالنجدي والحجازي والهجري.. وتؤمه تجار الفرس والأحباش وغيرهما من الأمم فتجد لطيمة كسرى مجالاً تنفق فيه هنالك، كما تعرض فيه بضائع العراق وهجر وبصرى وعدن وبلاد الشام.. والبرود والأدم وأنواع الطيب والسلاح والحرير والحذاء والزيوت والزبيب والسيوف والرماح والحلل والخيل الأصيلة ونجائب الإبل وغير ذلك مما تعددت أجناسه.

وتكون بين قبائل العرب وجيرانهم مصارمة ومنافرة وحروب وثارات وتقبل كل قبيلة تحمل مشكلتها وتهيئ حجتها وتعد العدة لمقارعة الحجة بالحجة وكسر حدة الخصم..

وتنصب المنابر لحكماء العرب، أو يقفون على جمالهم يخطبون ويعظون..

وتضرب قبة من أدم بهذا السوق يتربع بها نابغة بني ذبيان حكماً أول، لينتظم حوله عقد الشعراء من كافة القبائل ويعرضون عليه حصاد عامهم ذلك مما هذبته القرائح وأبدعته الأفكار».

كتاب المجاز بين اليمامة والحجاز ص ٢٤٣ - ١٤٤ باختصار.

وللشاعر الكبير محمد بن أحمد السديري من قصيدة طويلة بعنوان (ملحمة عكاظ):

«يا عكاظ العرب ميدان الأدب

يا مزار أهل المهار الصافنات

يا مزار أهل الرجولة والحسب

يا عرين لليوث الضاريات

يا مواطن نخبة المجد الرفيع

يا مقر أهل البنود الخافقات

يا منابر مصدر الشعر البديع

مفردات الشعر منهم خالدات

يا مناخ الهجن عجلات الفديد

يا مداج للمهار المرهمات

فوقهن صيد يضدون الحريب

بالرماح وبالسيوف القاطعات

في ظهور العيس جوها من بعيد

يقطعون افجوج نجد الموحشات

من ديار الشام واديار اليمن

واهل هجر ومن سكن شط الفرات

ابعثوا ذكرى هل الفعل الجميل

راكبين العيس هي والعاديات»

وهي ملحمة طويلة رائعة قد نعرضها كاملة في مناسبة أخرى إذا أراد الله..