قبل خمسة عشر عاماً من اليوم وطأت قدماي مبنى وزارة المعارف قبل أن يتم تسميتها وزارة التربية والتعليم ، في مباني التطوير التربوي الثلاثة والتي تشكل حلقة حول مسجد مخصص لتلك المباني فكان المكان مخيفا لي بعض الشيء فكل ما حولك صامت وكل الأبواب مغلقة ، ولا تعلم من وراء تلك الأبواب.

مباني التطوير التربوي تبدو وكأنها مدارس عتيقة ولكن هذا لا يهم فقد تنتقل الوزارة إلى مبانيها الجيدة قريبا كما سوف تنتقل الكثير من مدارسنا إلى مبانيها الجديدة قريبا، وللعلم فكلمة قريبا في قاموسنا الاجتماعي غير خاضعة للرقم في الأيام أو السنوات فنحن نقول قريباً لكل مسافة قلت عن الخطوة وزادت على ألف ميل ولكل زمن قل عن الدقيقة وزاد على القرن.

أعود إلى المباني التي ادخلها للمرة الأولى وكان في احد تلك المباني مبنى لإدارة المناهج يحاط في ذلك الوقت بشيء من التعظيم فقد كان الزمن منتصف التسعينيات الميلادية وكانت الصحوة في ذلك الزمن تتربع على عرش المنبر الاجتماعي، وكان (لاأحد يجرؤ على الكلام) وهي في أوج قداستها الاجتماعية في ذلك الزمان، كان موظف المناهج يعامل وكأنه من القضاة وليس المشرفين التربويين وكانوا يطلقون على بعضهم صفة للمناداة (الشيخ فلان) حتى وإن كان مشرفا تربويا لمادة الخط والإملاء.

في ذلك الزمان كنت أخشى الذهاب إلى تلك المباني فقد رويت لي الأساطير عن سكان مبنى المناهج بشتى أنواعها وأشكالها وقد أشار احد أصدقائي علي بأن أذهب مع صديق آخر ليمرّ بي عبر تلك الممرات دون خوف أو وجل من سكانها.

حاولت الاقتراب يوما من تلك المباني وكان فوق رأسي عقال كما كل أبناء المجتمع ولكنني فوجئت بأناس لم تكن على رؤوسهم ما يسمى بالعقال ففي ذلك الوقت كان العقال بدعة كبيرة ومرتدوه يُشك في أمرهم، وقد اخبرني صديق مقرب أن كثيرا من معارضي لبس العقال فوق رؤوسهم في ذلك الزمان تغيرت مواقفهم ولبسوا العقال اليوم، فلله درك يا سبتمبر كم أنت شهر عظيم.

أتمنى أن تكون تلك الحال قد تغيرت اليوم وتم فتح إدارة المناهج وأبواب العاملين فيها للزوار والباحثين عن الآثار ولكن الفكرية، حيث كانت السمة الغالبة على أبواب ذلك المبنى أن تبقى مغلقة طول الوقت.

عشت هذا بنفسي ذلك الزمان البعيد الذي لا أتمنى عودته أبدا حيث كانت الأقفال مهمة على تلك الأبواب التي تحتوى أسرار المناهج وكأنها أسرار مفاعل نووي، كنت أسأل دائما هل كل مناهجنا تطبخ وتقدم في هذه الإدارة؟ لقد كان الجواب غامضا.

التقيت مرة في ذلك الزمان بمعلم كان يتهمني بأني ليبرالي غربي ولم تكن صلاتي معه في المدرسة كل يوم تشفع لي، فكان يريد كما يبدو وحياً من السماء يخبره بأني من المسلمين، لم يكن يعرف الفرق بين الكلمات التي يستخدمها عندما يصف المخالفين له وكانت المدارس في نهاية الثمانينيات الميلادية تشكل معاقل كبرى للصحويين المتشددين وللحق لقد كان هناك أناس مخلصون لعقيدتهم وهم فقط من لم تغيرهم الأحداث، لقد كانت تصادر الآراء والأفكار بمجرد مخالفتها لمنهج المتشددين وقد كان بعض المعلمين يشتكي لي أن هناك من يستمع خلف الأبواب عندما كان يشرح الدروس، فقد كانت القبضة محكمة على كل شيء العقول والفصول والبشر.

في ذلك الزمان الذي مضى إلى غير رجعة بإذن الله رأيت محاكم التفتيش بنفسي حيث أقيمت في ذلك الزمان للقضاء على كل معلم أو طالب يختلف مع المتطرفين وسوف أكتب يوما ما رواية عن تلك المرحلة بأسمائها ورموزها، ولا يسعنى هنا سوى أن أقول رحم الله كل معلم تم فصله أو تحويله إلى عمل إداري بسبب محاكم التفتيش تلك.

لم أكن افهم في ذلك الزمان لماذا يأتي مثل هؤلاء المتشددين ليكونوا مسؤولين عن مناهج أطفالنا ولكني أدركت أن القضية اكبر من ذلك فقد استطاعت الصحوة ورموزها المتشددة أن تخترق معاقل الفكر وتبني فيه حصوناً كبيرة يصعب اختراقها. كل هذا حدث في الزمن الماضي ورحم الله الماضي بكل ما فيه ولكن وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر اكتشفنا ارتباكا كبيرا بين المتشددين المتطرفي،ن هذا الارتباك جعل الكثير منهم يهذون على مسامع المجتمع بأن الدين في خطر، وان هناك من يريد أن يغير الإسلام برمته عبر تغيير المناهج ولم يكن هذا الكلام صحيحا فاليوم وبعد تسع سنوات من أحداث سبتمبر نجد المؤلفين لمقررات أطفالنا الدراسية هم من أصحاب الفتوى الشهيرة والمتشددة والتي وصلت في تشددها إلى اقتراح هدم الحرم من اجل تحقيق الفصل بين الذكور والإناث ولم يكن من بين الأسماء (سميث أو ديفد).

لقد بقيت محتارا في السؤال الذي يجب أن نطرحه حول المناهج وما هو حقنا كآباء في معرفة اتجاهاتها المستقبلية..؟ هذا السؤال مشروع لنا نحن الآباء الذين نرسل أبناءنا إلى المدارس كل يوم ليقضوا فيها عشرات الساعات أسبوعيا.

وبمجرد التقائك ببعض مسؤولي المناهج في تلك الأزمان أي ما قبل الحادي عشر من سبتمبر تدرك الإجابة عن هذا السؤال ولكنك تحتاج إلى سؤال آخر هذا السؤال يقول : ما هو الفرق بين حراسة المناهج وبين تطوير المناهج ...؟

أعتقد أن لب المشكلة بين الأطراف التي تناقش قضية المناهج هو معرفة ما إذا كانت مقرراتنا الدراسية بحاجة إلى عملية حراسة أو تطوير.

ما نمارسه اليوم على المستوى الاجتماعي والذي ننسبه إلى انه ممارسات دينية لا يسعفنا في فهم متطلبات العالم من حولنا، نحن في زمن التغيير والمطلوب قراءة جديدة ومختلفة للواقع الاجتماعي فليست الوهابية أو الحنبلية مسؤولة عن أخطائنا بل نحن المسؤولين عن أخطائنا لأننا لم نستطع أن نتقدم خطوة في سبيل قراءتنا للواقع الاجتماعي فالثبات عند نقطة في تاريخنا الاجتماعي جعلتنا غير واثقين من قدرتنا على تجديد ما بدأه أجدادنا من المصلحين والعلماء.

أما المناهج وهذا مقترح أسوقه إلى مقام وزارة التربية فقد حان الوقت للاستغناء عن إدارة عامة للمناهج ففي دول كثيرة وخصوصا المتطورة توضع الأهداف الرئيسة لكل مقرر دراسي ويتبارى المؤلفون في إنتاج أفضل المقررات التي تحقق الأهداف التي ترسمها مؤسسات التربية ثم تقوم لجان متخصصة من جميع المناطق والإدارات ومسؤولي التربية بمراجعة علمية وعملية وعرضها للمناقشة لاختيار أفضلها لتعليمها لأبنائنا.

المعدل الطبيعي تربويا هو خمس سنوات لكل مقرر دراسي بحيث يعاد طرح فكرة التنافس بين المؤلفين للمقررات كل خمس سنوات وهكذا نضمن التحديث والتطوير ونضمن القدرة على تكييف المستجدات والتحديث في كل مقرر دراسي يعاد تأليفه.

في زمن مضى كنا نسمع عن رغبة جادة لإنشاء مركز للتطوير التربوي مستقل عن وزارة التربية يمارس دورا تقييميا مستقلا ومكوناً من عناصر أكاديمية وخبرات تربوية تستطيع أن ترسم الأهداف الجادة والمفيدة لتعليمنا، هذا المقترح يبدو انه أعيد طرحه من جديد من خلال مناقشات مجلس الشورى التي أتمنى أن تساهم هذه المناقشات في إنشاء هذا المركز وبعثه إلى الوجود.

الذين يناقشون مقرراتنا الدراسية اليوم وما يدور في الساحة حول بعض المؤلفين عليهم أن يتذكروا أن المشروع الشامل للمناهج الذي يطبق اليوم هو حصيلة أكثر من احد عشر عاماً مضت وهذا يفسر وجود المشاركين فيه نحن اليوم نجني ثمرة تلك الأعوام.

احدى الإشكاليات الكبرى التي صبغت القدسية على المناهج في تلك الأزمان وقد يكون بقي شيء منها في هذا الزمن أن فكرة المناهج في عقول كثير من العاملين في هذا المجال خرجت من فكرتها التربوية والتطويرية إلى فكرة أكثر قلقا وتستحضر البعد الذاتي في الإنسان أكثر من البعد التربوي.

قبل أكثر من عقد ولا اعلم اليوم ما هي الحال، كان العامل في إدارة المناهج ينعت بأنه على ثغر من ثغور الإسلام وهذا المصطلح هو الأكثر شيوعا بين الفئات المتشددة خلال زمن الصحوة ، لهذا السبب أعتقد الكثير منهم أنه يعمل محتسباً لصالح المسلمين فصار مرجعه اجتماعياً بينما المفترض أن تكون المؤسسة التي يعمل بها هي مرجعه وهذه كانت الأزمة الحقيقية التي يعرفها من كان مسؤولًا في هذه الوزارة في تلك الأيام.