كان الهدف الرئيسي للشاعر الكبير ساري عندما كتب أوبريت "وحدة وطن" هو أن يقدم ملحمة وطنية تليق بمهرجان الجنادرية 25 وترسم صورة دقيقة للمكانة الكبيرة التي يحتلها خادم الحرمين الشريفين في قلوب المواطنين. لكن قصيدته الرائعة تمكنت من تجاوز ظرفها الزماني والمكاني واخترقت حاجز الخلود بواحد من أبياتها المميزة والذي اخترناه عنواناً لهذا التقرير ليكون بداية الحديث عن أبيات وطنية تمكنت من حجز مكانها في ذاكرة الوطن لأنها عبّرت بصدق عن إحساس المواطنين.

يقول ساري في بيته الخالد (هذي الزعامة لايقه لك يا ملك ** ما غرّك الملك العظيم أو غيّرك) ليرسم وصفاً بليغاً لمكانة الملك عبدالله حفظه الله وذلك بأسلوب بسيط وعميق في الآن نفسه.. وهذه هي الوصفة الدائمة لتحقيق الخلود وللثبات في ذاكرة الناس، فالذاكرة لا تحفظ إلا ما هو سهل اللفظ، ولا تحترم إلا ما هو مُركب المعنى، وإذا اجتمع الاثنان فسيتحقق الخلود لأي عمل فني. وهذا ما كان لهذا البيت الشعري الذي بات يُستذكر الآن في المناسبات الوطنية حتى غدا رمزاً لمرحلة عظيمة من عمر الوطن يرفل فيها المواطن بالأمن والرخاء.

وإلى جانبه تقف أبيات أخرى من قصائد قديمة وجديدة أبدعها شعراء الوطن في مراحل مختلفة من عمر المملكة العربية السعودية.. ويأتي على رأسها الأبيات الخالدة التي نثرها الشاعر الراحل عبدالرحمن بن صفيان لتكون خير تعبير عن قوة وعزة الوطن:

نحمد الله جت على ما تمنى ** من ولي العرش جزل الوهايب

خبر اللي طامع في وطنا ** دونها نثنى ليا جا الطلايب

يا هبيل الراي وين انت وانّا ** تحسب ان الحرب نهب القرايب

واجد اللي قبلكم قد تمنى ** حربنا لاراح عايف وتايب

وإذا ذكر الخلود في الشعر فلابد أن يذكر الأمير المبدع خالد الفيصل بقصائده الوطنية التي توشّحت باللون الأخضر وحققت خلودها الخاص في تاريخ الأغنية الوطنية السعودية؛ ومن ذلك ما كتبه "دايم السيف" في أوبريت "التوحيد" الذي احتضنته الجنادرية في العام 1414 ه، وقد جاء في مطلعه:

عبدالعزيز.. يا منية الأبطال في اليوم العظيم

عبدالعزيز.. يا دعوة المظلوم في الليل البهيم

يا باعث الأمل البعيد.. يا طلعة الفجر الجديد

يا مسترد الملك والمجد التليد

من يوم التوحيد الأول.. أعلنها دعوة صلاة

من يوم التكوين الأمثل.. أعلنها مبدأ حياه

لا إله إلا الله محمد رسول الله

ويضيف الفيصل مختتماً الأوبريت بأبيات رائعة أصبحت نبراساً وطنياً يسير على خطاه أبناء الوطن:

نبني ونعلّي البنيان ونفاخر كل الأزمان

نبني المعهد نبني المصنع نبني الإنسان

واحتفظنا بالقيم واشتهرنا بالشيم

واكتسبنا من علوم العصر نوعيّه وكم

ما تبهرنا لمعة برق ولا قلّدنا غرب وشرق

المبدأ ثابت إسلامي والمنهج واضح قدّامي

وأصبحنا مصدر إشعاع بالموروث وبالإبداع

يا ملاذ الخايف يا بلادي يا فخار أجدادي وأحفادي

خير ونعمه ورفعة سمعه

وعلى الله توكّلنا ولله توجّهنا

والمانع اللّه والمعطي اللّه

أما مهندس الكلمة الشاعر الأمير بدر بن عبدالمحسن فلا تذكر الأغاني الوطنية إلا وتذكر على رأسها قصيدته الشهيرة "فوق هام السحب" التي لخّصت روح أبناء الوطن بعنفوان عارم قلّ أن نجد له مثيلاً في أي قصيدة أخرى؛ ويقول فيها:

فوق هام السحب وان كنتي ثرى

فوق عالي الشهب يا أغلى ثرى

مجدك لقدام وأمجادك ورا

وان حكى فيك حسادك ترى

ما درينا بهرج حسادك أبد

انتي ما مثلك بها الدنيا بلد

والله ما مثلك بها الدنيا بلد

**

من دعا لله وبشرعه حكم يستاهلك

ومن رفع راسك على كل الأمم يستاهلك

ومن ثنا بالسيف دونك والقلم يستاهلك

نستاهلك يا دارنا حنا هلك

انتي سواد عيوننا شعب وملك

**

من على الرمضى مشى حافي القدم يستاهلك

ومن سقى غرسك عرق دمعاً ودم يستاهلك

ومن رعى صحرا الظما ابل وغنم

يستاهلك.. يستاهلك.. يستاهلك

**

حنا هلك يا دارنا برد وهجير

حنا هلك يا دارنا وخيرك كثير

**

من دعا لله وبشرعه حكم يستاهلك

ومن رفع راسك على كل الامم يستاهلك

ومن ثنى بالسيف دونك والكرم

يستاهلك.. يستاهلك.. يستاهلك

دائرة الخلود شملت أيضاً أبياتاً أخرى أصبحت فيما بعد "لزمات" لفظية يرددها السعوديون في حديثهم الدارج تأكيداً لحضورها الطاغي في وعيهم وتفكيرهم، مثال (وطني الحبيب وهل أحب سواه) التي جاءت مطلعاً للأغنية الوطنية الشهيرة التي تغنى بها الراحل طلال مداح، وأيضاً (أجل نحن الحجاز ونحن نجد.. هنا مجد لنا وهناك مجد) التي كتبها الراحل غازي القصيبي وتغنى بها فنان العرب محمد عبده. ويضاف إلى ذلك مطلع الأغنية التي شدا بها أبو بكر سالم بلفقيه (يا بلادي واصلي والله معاك.. واصلي.. وحنا وراك) ومطلع واحدة من أجمل أغاني الفنان الراحل سلامة العبدالله (مضينا بعزم يفل الحديد.. نقيم البناء لصبح جديد.. أردنا لك الخير يا موطني.. بعزم أكيد ورأي سديد).

ولا يمكن أن يختتم تقرير عن الأبيات الوطنية الخالدة التي تغنت دون المرور على رائعة "مولد أمة" التي أبدعها الشاعر الأمير سعود بن عبدالله والتي كانت أول أوبريت في مهرجان الجنادرية، وقد جاء فيها هذه الأبيات الشهيرة:

هجن وخيل.. عشق مع شوق وأمل

ليل طويل.. لونه مثل لون الكحل

منّه سرى عبد العزيز.. وبعده طلع صبح جديد

وردة ربيع تبتسم.. في يوم مولدها المجيد

في الموعد اللّي تنتظر.. عذرا نخت رجّالها

ما عاد حسّب للعمر.. نادت له ولبّى لها

برد وسموم انحبها

في سلمها في حربها نحبها

ويضيف في الأوبريت أبياتاً خالدة تتحدث عن الرياض:

قلبي تولّع بالرياض.. حب ورثته من الجدود

يا صفحة ناصعة البياض.. زرعتي الصحرا ورود

يا نجد يا أرضي وسماي.. يعجز عن الوصف اللسان

الحب مالي فيه رأي.. وما أظن لي غيرك مكان


الأمير بدر بن عبدالمحسن

غازي القصيبي

الأمير سعود بن عبدالله

طلال مداح

سلامة العبدالله