توحيد المملكة لم يكن أمراً عادياً لا في توقيته، ولا خياره، ولا في نتائجه العظيمة، وهو عمل نادر في القرن على مستوى الأمة العربية كلها، إن لم يكن على مستوى العالم..

فالجغرافيا الصعبة، والموارد البسيطة ، وتناحر الإمارات الصغيرة، والأمية الضاربة، لم تمنع الموحد العظيم الملك عبدالعزيز أن يجعل من إرادته ما يتعدى المألوف إلى الخارق، ولعل الأجيال أدركت كيف بدأت الخطوة الأولى، إلى أن أُعلن اسم المملكة ، وكيف كان ميلاد دولة بشخصية فذة باعتراف دولي وضع الملك عبدالعزيز على لائحة شخصيات القرن..

الآن ونحن ننعم بهذه الوحدة، كيف أصبح دورنا في الداخل بمسار التنمية الشامل في كل المجالات البشرية، والاقتصادية والصناعية، عندما تحوّل التعليم إلى ضرورة، قلّص مستوى الأمية ورفع مستوى الإنسان ليصل إلى الباحث وأستاذ الجامعة والطبيب والمهندس وغيرهم، وكيف أصبحت الوظائف العليا في المصارف والشركات والمصانع تدار من قبل أحفاد لآباء كانوا لا يفكون الحرف، ويجهلون مدنهم الساحلية والصحراوية والجبلية؟

المملكة خرجت من العوز إلى الاكتفاء الذاتي من خلال موردها النفطي ، وقد قدمت قروضاً ومعونات من عام ١٩٩١م وحتى ٢٠٠٨م قُدرت بمئة وعشرين مليار ريال، وهو رقم مسجل في المنظمات العالمية، ولم يكن غريباً أن تصل إلى عضوية العشرين دولة التي تقود الاقتصاد في العالم..

على المستوى السياسي الدولي، هناك اعتراف بأنها رقم مهم في محيطها العربي، والإسلامي، والدولي، وقد انتهجت دبلوماسية مرنة، بعيدة عن مصادرة الحقوق ، منفتحة على كل الثقافات وداعية لحوار الأديان والحضارات بمبدأ الإنسانية المتسع، لا الأفق الضيق الإقليمي أو المذهبي، وليس من باب المبالغة أن نصبح الدولة الأكبر ببعوثها للخارج واستثماراتها المنتشرة في كل العالم متفوقة على جميع الدول المحيطة بها، ولعل الأمر الأهم أن بلداً خطا بشعبه ليخرج من الأمية السياسية والثقافية والتعليمية، ليتطلع للعالمية وفق خطط ارتقت به من السلالم المتخلفة إلى العليا، لا يجد في وطنه أنه النموذج داخل عواصف الخلافات والحروب والتمزق الداخلي..

ومثلما فعل أبناء المؤسس الكبير، وكيف تتالت الإنجازات، رغم المصاعب والتحولات السياسية والاجتماعية في المنطقة التي أخذت مسارات متناقضة، فإن الملك عبدالله الذي يقود مرحلة التنمية الشاملة، والانفتاح، والإصلاحات الشاملة، وضع المملكة على خط جديد، أي التكامل في كل شيء، وهي مهمة من يملك الإرادة ويضع في حساباته جميع الاحتمالات، ويكفي أن قيادة اقتصادنا أمام أزمة عالمية، وعدم تأثره بالعوامل التي عصفت بقوى كبرى، تعطينا اليقين بأننا نسير في الاتجاه الصحيح، ويتطابق ذلك مع مشاريعنا العملاقة التي تجعل ذكرى هذا اليوم قيمة معنوية ومادية لنا جميعاً..