حتى بداية القرن العشرين لم يكن يُعرف عن بابل (عاصمة ثاني اقدم حضارة في التاريخ) غير أسطورة الحدائق المعلقة وما جاء عن ملكها نبوخذ نصر في التوراة.. ولكن في عام 1899 كشف المنقب الألماني روبرت كولدواي عن أول معالم هذه المدينة.. وكان - كلما توسع في الحفريات - اكتشف عظمة المدينة وروعة تخطيطها وترف مبانيها.

وما يهمنا اليوم ليس المدينة نفسها بل بوابتها الرئيسية المسماة «بوابة عشتار»، فهذه البوابة تُعد بحد ذاتها اعجوبة من عجائب العصر القديم. فقد كانت هائلة الحجم عظيمة الارتفاع لا تضاهيها أي بوابة في عصرنا الحديث.. كانت اشبه بـ «اقواس نصر» الواحد تلو الآخر ولها أبراج ضخمة تُرى من بعيد.. وبالإضافة إلى ضخامتها وشكلها المهيب كانت جميلة إلى حد خرافي، فقد كانت مكسوة بكاملها بالمرمر الأزرق والرخام الأبيض والقرميد الملون. وكانت مزينة بـ 575 شكلاً حيوانياً بارزاً وأسوداً تحيط بطريق المسافرين.. هذه الأشكال كانت تصور معظم الحيوانات المعروفة في ذلك الوقت كالأسود والنمور والغزلان وكلاب الصيد - باستثناء مخلوق واحد غريب لم يكن من المفروض أن يوجد بينها (التنين)!!

فالتنين الموجود على بوابة عشتار هو الحيوان الوحيد الشاذ - بالنسبة لنا على الأقل -. ووضعه ضمن حيوانات معروفة يقودنا للتساؤل إن كان حقيقة أم أسطورة تناقلتها الأجيال. (وإن كان حقيقة فمتى انقرض؟ وإن كان أسطورة فكيف ومتى سمع به البابليون!!؟؟).

.. والبابليون في الحقيقة ليس وحدهم من يملك تاريخاً حافلاً بالتنانين، ففي الصين اليابان وأفريقيا والنرويج وانجلترا والبيرو توجد أساطير مشتركة ومعالم موحدة لهذا المخلوق. وفي الغالب يصور التنين كحيوان متوحش يستطيع الطيران وينفث اللهب من منخريه. وهو (كرمز) يعبر عن القوة والسلطة وغالباً ما يتخذ كشعار خاص للملوك والأباطرة.. ففي الصين مثلاً اتخذ رمزاً للاباطرة الذين كانوا يجلسون على عروش تشبه التنين وينامون على سرر بهيئته ويتنقلون في محفات بصورته. وفي اليابان القديمة كان التنين هو تعويذة النصر للطبقة المحاربة ورمز السلطة لمعظم الاقطاعيين.. حتى في بابل القديمة اتخذه نبوخذ نصر رمزاً له ووضعه على بوابة عشتار لحماية بابل.

  • كل هذه المظاهر المشتركة تدعونا للتساؤل عما إن كان للتنين أصل حقيقي قديم!؟

.. بالطبع ليس من الضروري تبني الفكرة الخرافية التي تصوره كوحش قادر على نفث اللهب من منخريه (إذ يستحيل على أي حيوان توليد حرارة تزيد على درجة حرارة جسمه الداخلية) ولكن لمَ لا يكون للتنين أصل حقيقي لم يعد موجوداً هذه الأيام!!

.. على أي حال هناك بالفعل من يفترض أن التنين نوع من الديناصورات عاشت قبل ملايين السنين. ولكن تصديقنا لهذا الافتراض يضعنا في إشكال إحيائي وجيولوجي حقيقي، فإن سايرنا القول بأن عمر الإنسان على الأرض لا يتجاوز الأربعمائة ألف عام فكيف عرف الإنسان القديم بوجود التنين واتخذ منه صوراً ورموزاً متشابهة.. وبافتراض أنه كان أحد الديناصورات المنقرضة فما الذي يجعلنا نتصور أنه استثني من الكارثة التي أدت إلى هلاك البقية!؟.. أما إن ثبت فعلاً أن أجدادنا عاصروا التنين فهذا - بدون شك - يتطلب إعادة النظر في تاريخ البشر والأزمنة الحقيقية لانقراض المخلوقات القديمة!!