قبل أسابيع اتهمت الولايات المحتدة الامريكية مجموعة من الرعايا الروس المقيمين فيها إضافة الى موظفين آخرين وموظفات يحملون الجنسية الامريكية بالتجسس لمصلحة روسيا، والتجسس هنا ليس محصورا في القضايا العسكرية والامنية لكن يشمل التجسس على صناعة التقنية، وكيفية الوصول لاسرار العديد من الصناعات الأمريكية الدقيقة، وظاهرة التجسس التقني كما هو معروف بدأت قديما ليس في أمريكا، وإنما في العديد من الدول الشرقية والغربية.

فمثلا اليابان وبعد هزيمتها المرة واستسلامها وضعت القيادة اليابانية نصب عينها التوجه نحو الاهتمام بالتقنية وتسخير كل ما من شأنه يخدم هذا التوجه فكانت أن أرسلت العديد من الشباب للدراسة في الدول الاوربية خصوصا المانيا وفرنسا وبريطانيا لسبر غور! التقنية في هذه الدول ومحاولة معرفة أسرارها مهما كان الأمر.. المهم الوصول الى الأهداف.

بلدان شرقية تسعى إلى اللحاق بالتكنولوجيا الغربية

وهكذا بدأت عملية التجسس التقني وتوظيف المكتسبات والمعارف التي حصل عليها شباب اليابان لخدمة التقنية اليبانية الواعدة.. ونفس الشيء قامت به الصين قبل أربعة عقود وكذلك بعدها كوريا، والهند، ودول أخرى آسيوية، وخلال إعدادي هذا التقرير عن التجسس التقني بحثت في أرشيف مكتبة الجامعة التي ادرس فيها ببنسلفانيا واكتشفت ان العاملين في الولايات المتحدة عام 1982م وجهوا اتهامات الى شركتين يابانيتين معروفتين – هيتاشي وميتسوبيشي بسرقة أسرار تجارية من شركة "اي بي ام" ونقلها الى اليابان. وقد أوقف ستة مديرين في كاليفورنيا وصدرت مذكرات توقيف غيابية في حق أكثر من عشرة آخرين والمذهل في الأمر ان الشركتين المتورطتين في هذه القضايا هما من الشكات البارزة، وان القضايا التي تورطت فيها هي على جانب كبير من الضخامة. وبحسب قول احد المدعين العامين تقدر قيمة المعلومات التقنية المسروقة من شركة "اي بي ام" بملايين الدولارات. وقد اتهمت وزارة العدل الأمريكية شركة "هيتاشي المحدودة" بدفع مبلغ 622 ألف دولار للحصول على المعلومات وشركة (ميتسوبيشي) للأدوات الكهربائية بدفع 26 ألفاً.

اعترفت الشركتان اليابانيتان بهذه الدفعات، لكنهما زعمتا أنهما لم تعرفا ان المواد مسروقة. في المقابل زعم المدعون العامون الأمريكيون أنهم سجلوا محادثات هاتفية تظهر ان رجال الأعمال اليابانيين كانوا يدركون أنهم متورطون في أعمال غير مشروعة.


التجسس الصناعي يشكل تهديدًا خطيرًا للإبداع والتحديث

هذه القصة ليست فريدة، وفيض القضايا التي كشفت أخيرا يدل على ان التجسس التقني في تصاعد، خصوصا من جانب بلدان شرقية تسعى إلى اللحاق بالتكنولوجيا الغربية، غير ان ظاهرة التجسس التقني ليست مقتصرة على الصناعات التقنية العالية، بل تتعداها لتشمل مستحضرات التجميل، والدمى، ومساحيق التنظيف، والحلوى والمعجنات. وقد حكم على مستخدم مفصول في شركة (ماذر كايك اند كويكز) في كاليفورنيا بدفع غرامة مقدارها 600 دولار، مع العمل في الخدمة العامة لمدة 200 ساعة من دون مقابل وذلك من جراء محاولته بيع وصفات الى شركة (بيبا ريدج فارم) للخبز والمعجنات. وكانت هذه اتصلت بتلك ونبهتها الى الأمر.

قد يكون الانتقام هو الذي حمل المستخدم المفصول على هذا العمل إلا ان الدافع الأساسي في كثير من الحالات هو الجشع فحسب، فلماذا تدفع شركة ملايين الدولارات على الأبحاث، في حين يمكنها ان تسرق حصيلة جهود شركة أخرى؟ وكما نشرته مجلة رايدر دايجست ومجلة التقنيه الامريكيه لنتعرف كيف بدأت القصة؟

مهما يكن الحافز، فان التجسس الصناعي يشكل تهديدا خطيرا للإبداع والتحديث، ويقول المدعى العام الأمريكي "جوزيف روسونيالو" الذي يلاحق القضايا اليابانية :(اذا كنا غير قادرين على حماية ابحاثنا واختراعاتنا، فهذا يعني أننا فقدنا ميزتنا في التقدم).


الحصول على شيفرات البرامج من أساسيات التجسس

والواقع ان القلق من السرقة المادية وتقليد قطع الغيار الالكترونية – وليس قضية التجسس الصناعي – هو الذي حدا مكتب التحقيق الاتحادي على القيام بالعملية التي ادت ادانة شركتي (هيتاشي و متسوبيشي) في سبتمبر (أيلول) 1981، تدبر مكتب التحقيق الاتحادي افتتاح مؤسسة "غلنمار" وهي في ظاهرها مؤسسة استشارية، في قلب منطقة (سلكون فالي) التي تمتد مسافة 50 كيلومتراً جنوب سان فرانسيسكو ويقطنها صانعو الأجهزة الالكترونية وتجارها والمستشارون في شؤونها. وتسلم المفوض آلان غارتسون إدارة مؤسسة (غلنمار) المزعومة واتخذ اسما مستعارا وانتقل الى شقة استأجرها له مكتب التحقيق. وقدمت شركة (أي بي أم) مساعدة فنية للمشروع بتدريب موظفي مكتب التحقيق و(تغطية) خلفياتهم المهنية كمستخدمين سابقين لديها.

وتقول الحكومة الأمريكية ان القضية ابتدأت حين تلقت مؤسسة (بالين) وهي شركة استشارية محترمة في سيليكون فالي برقية من (هيتاشي) تفيد ان لديها نسخا من كتيبات خاصة بالأدمغة الالكترونية التي تصنعها شركة (أي بي أم) وأنها ترغب في الحصول على المزيد منها. وكان سبق لرئيس شركة (بالين) ماكسويل بالي ان شغل وظيفة مستشار مع (هيتاشي) وقبل ذلك لدى شركة (أي بي أم). فأدرك ان الكتيبات تحتوي أسرارا تجارية.

وهو فيما بعد اخبر بيت كاري المحرر في صحيفة (مركوري نيوز) في سان خوسية (كاليفورنيا) انه اتصل بشركة (أي بي أم) ثم التقى ريتشارد كالاهان المستشار الأمني فيها. وشاء كالاهان ان يتوسع في التحقيق، ووافق بالي على التعاون. وفي أكتوبر (تشرين الأول) سافر الرجلان مع احد شركاء بالي الى طوكيو. وهناك اجتمع بالي وشريكه بالمدعو كنجي هيتاشي، وهو مهندس رفيع المركز في (هيتاشي)، وتأكدا من انطباعهما الأول بان هيتاشي كانت تسعى الى الحصول على مواد سرية من شركة (أي بي أم) وفي أواخر ذلك الشهر عاد الثلاثة الى الولايات المتحدة وابلغوا مكتب التحقيق الاتحادي بالأمر، فوافق على التدخل في القضية.

خطة الإيقاع:

في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 1981، في مدينة لاس فيغاس، عرّف بالي السيد هيتاشي الى كالاهان الذي قدمه بدوره الى غارتسون،. وبحسب رواية مكتب التحقيق، المحفوظة بين وثائق المحكمة، عرض هيتاشي ان يدفع لغارتسون مبلغ 10الاف دولار في مقابل تامين الكتيبات الإضافية وإتاحة الفرصة لمهندس آخر من (هيتاشي) لمعاينة الدماغ الاليكتروني (3380) الرائج الذي تصنعه (أي بي أم).

وبعد مضي أسبوع ذهب غارتسون برفقة مهندس من هيتاشي يدعى جون ناروس في زيارة سرية الى مصنع (برات وهويتني) في هارتفورد (كونتكيت) لمعاينة الدماغ الالكتروني (3380) الذي استأجره المصنع من (أي بي أم) وكان غارتسون رتب الزيارة سرا مع شركة برات وهويتني. وفي موقف السيارات أمام الشركة حصل غاريتسون على شارتي التعريف في مقابل (رشوة) لرجل مجهول. واخذ ناروس يلتقط صورا للدماغ الالكتروني (3380) داخل المصنع. وبعد ذلك عاد وغاريتسون الى الفندق حيث أعطاه 3000 دولار في مقابل تدبيره الزيارة، مع وعد ب 7000 دولار أخرى حين تسليم الكتيبات وتسلم بقية المبلغ.

ويقول مكتب التحقيق الاتحادي انه وبعد انقضاء أسابيع تلقى غاريتسون طلبات تتعلق بمواد سرية من (اي بي أم) وسرعان ما غدا مضيفا يستقبل بعثة صغيرة من المهندسين اليابانيين في مكتبه في (غلنمار) وهو ذهب في زيارتين الى هونولولو ليلتقي زبائنه، كما تبادل بضع رسائل مع هيتاشي، وقدم غاريتسون للشركة دفعات من المواد "السرية" التي هيأتها (أي بي ام 9 كجزء من خطة الإيقاع و في مقابل مال دفعته (هيتاشي).

وتدفقت الطلبات من اليابان لمزيد من المعلومات، ويقول جون غياكينتون احد كبار مفوضي مكتب التحقيق الذي اشرف على العملية: ان لائحة مطالبيهم الأخيرة كان من شانها تدمير شركة (أي بي أم) تجاريا لو هم نالوا ما ورد فيها. وقد وافق غاريتسون على تلقى مبلغ 525 ألف دولار في مقابل تامين ما ورد في اللائحة على ان يدفع له 30 ألفاً سلفا ويسدد الرصيد عند التسليم. وفي 22 يونيو (حزيران) وصل ممثلون لشركة هيتاشي الى (غلنمار) حاملين إشعارا مصرفيا بتحويل مبلغ 495 ألف دولار الى حساب (غلنمار) وكان الزبائن يجمعون البضاعة التي اشتروها حين دهمهم رجال مكتب التحقيق واعتقلوهم.

ولا غرابة في ان تروي هيتاشي القصة على نحو مغاير. ويقول بيتر فلمنغ الابن، احد محامي هيتاشي، في المستندات التي قدمت الى المحكمة في خريف 1982، ان الحقوق القانونية للمدعى عليهم (انتهكت ونقصت) لان دعوى الحكومة قامت على محاولة شركة (أي بي أم) إيذاء (هيتاشي) بدافع المزاحمة بينهما.

ويزعم فلمنغ ان الدفعة الأولى من الكتيبات التي تسلمتها هيتاشي جاءات دون طلب منها . كما يزعم ماكسويل بالي، المستشار الذي اعتمدت عليه الشركة. للتأكد من تقيدها من قوانين الولايات المتحدة.

كان يزودها بهذه المواد على ارض الولايات المتحدة، لذلك لم يكن لدى هيتاشي أي سبب يدعوها الى الظن بأنها كانت تطلب أسرارا تجارية حين أرسلت تلك البرقية الى مؤسسة (بالين) وحتى بعد ذلك، بحسب اللائحة القانونية التي قدمها فلمنغ، نصح بالي هيتاشي بما يجدر ان تطلبه من معلومات إضافية عن طريق (غلنمار) وهكذا فعندما علمت الشركة بالنصيحة، كانت تعتقد إنها إنما تطلب معلومات مشروعة .

في النهاية ستقرر المحكمة ما اذا كانت هيتاشي مذنبة او ضحية عملية إيقاع وبغض النظر عن من يكون الرابح في الدعوى، فان هذه القضية لا تزال تشكل مثالا للاتجار بالأسرار الصناعية عن قصد او من غير قصد.

هندسة عكسية:

أما محامو ميتسوبيشي فيقدمون دفاعا مماثلا ويدعون ان الشركة ما كانت تتورط في عمليات يُزعم إنها غير مشروعة لو لم تصلها مؤسسة (بالين) التي ظلت لأمد طويل مستشارة لها بمؤسسة (غلنمار) ويعتبر محامو (ميتسوبيشي) ان تعاون (بالين) مع مكتب التحقيق يشكل سلوكا فاضحا من قبل وزارة العدل يكفي لصرف النظر عن القضية.

وكانت مشتريات ميتسوبيشي من معلومات (أي بي أم) من طريق غاريتسون اقل كثيرا من مشتريات هيتاشي، بحسب ما جاء بدعوى الحكومة، والمفاوضات التي كانت جارية لشراء المزيد توجب قطعها.

عندما انتهت عملية هيتاشي وبعد وقت قصير من صدور مذكرات التوقيف أقفلت مؤسسة (غلنمار) أبوابها.

وفي حين أثارت دعاوي هيتاشي وميتسوبيشي البلاد الأمريكية فان سكان سيلكون فالي كانوا تذوقوا من قبل طعم التجسس الصناعي على نطاق واسع في محاكمة بيتر غوبال عام 1981 وكان هذا مستشارا في سانيفال، كاليفورنبا . في شهر سبتمبر (أيلول) 1978 التقى لورنس وورث، وهو مدير كبير في شركة سيموكندا كتور الوطنية، عارضا بيعه معلومات كاملة عن أساليب تصنيع ستة منتجات من رقائق الذاكرة الخاصة بشركة إنتل للأدمغة الاليكترونية، وذلك في مقابل مليون ونصف المليون دولار. وكان غوبال يعتقد ان تلك الشركة ستقبل العرض لان وورث كان فوتح بالأمر سرا عن طريق احد شركاء غوبال، أما ما لم يعرفه غوبال فكان ان وورث اطلع المدير الأعلى لشركته على ما يجري، وهذا نبه (انتيل) الى الأمر.

وانتدبت انتيل مهندسا يدعى توم دونلاب لينتحل صفة مدير في شركة (سيموكوندا كتور) ويفاوض غوبال، وفي 26 سبتمبر (أيلول) 1978 تم ترتيب الصفقة الأولى، وهي 100 ألف دولار في مقابل خطط تصنيع رقائق الذاكرة (2114) الشهيرة التي تنتجها (انتيل) وقد أكد غوبال لدونلاب ان المعلومات أصلية.

وفي اليوم التالي أوقف رجال الشرطة غوبال بعد وقت قصير من تسلمه 25 ألف دولار كدفعة أولى من دونلاب . وكشف تفتيش أجرى في مكتبه لاحقا أسرارا تجارية مسروقة تخص انتيل وشركات أخرى . ولا يزال غوبال طليقا بكفالة في انتظار بت استئنافه بعدما دين في أربع قضايا تتعلق بحيازته ممتلكات مسروقة إضافة الى التآمر والرشوة.

ويحاول جون كلارك محامي غوبال، ان يستأنف الحكم مدعيا ان ليس في العملية أسرار تجارية لان المعلومات كانت متاحة لأي شخص يمكنه إجراء "هندسة عكسية" أي تفكيك آلة لكسف أسرار صنعها، والهندسة العكسية ليست عملا غير مشروع، إلا ان النجاح في إثبات هذه النقطة لن يكون سهل، أما غوبال فيدعي انه أُوقع في شرك.

وفي وسع أي شركة ان تعرف بطرائق مختلفة ان أسرارها التجارية سرقت.

ففي قسم (كاست) من مؤسسة (كومباستشن انجنيرنغ) في كليفلاند عام 1981 لاحظ المسئولون ان معدل بيع قطع الغيار لا يجاري نسبة الآلات التي تخرج من المصنع، ما لم تكن قطع هذه الآلات اكتسبت قدرة احتمال عجائبية، فان مزاحما مجهولا لابد وان يكون اجتذب كثيرا من زبائنها، وكشف تحقيق ان ثمة شركة مزاحمة في السوق تصنع تلك القطع وتبيعها. وقد دين اثنان من موظفي الشركة واثنان من الموظفين السابقين بتهمة سرقة الأسرار التجارية واستخدامها في تجارة خاصة.

ان أرباح التجسس الصناعي تكون في الغالب هائلة مما يمكن الجواسيس من دفع رشى ضخمة، وقد عرض رجل الأعمال البلجيكي مارك دي غيتر مبلغ 500 ألف دولار ثمنا للحصول على نظام رموز أساسية يدعى (ادباس)تملكه شركة(سوفتوار) في رستون (فرجينيا) التي تقدر قيمته بعشرة ملايين دولار . أما زبون دي غيتر فكان شركة (تكماسمبورت) وهي مؤسسة تجارية سوفيتية . وقد ارتكب دي غيتر خطا فادحا إذ دفع الرشوة لأحد مفوضي مكتب التحقيق الاتحادي .

ان التجسس الصناعي جريمة خطيرة لأنه يثبط التقدم، فإذا عجزت الشركات عن المحافظة على أسرارها، سواء أكانت هذه أساليب او منتجات فإنها في النهاية تفقد الحافز على أرصاد الأموال للأبحاث والتطوير.

ما الحل؟

يقول روجر ميلغريم وهو مرجع كبير في قانون الأسرار التجارية: الجد والضبط الداخلي والإجراءات الوقائية، فمن المدهش ان شركات كبيرة ومتطورة تنتظر وقوع أسرارها التجارية في أيد غريبة قبل ان تتخذ التدابير المناسبة لحماية مصالحها.

ولا ضرورة لسن قوانين اشد صرامة فالمطلوب هو استعداد أرباب الصناعة التقنية لإبلاغ السلطات بالمخالفات وإحكام الإقفال من القمة حتى القاعدة، وان عمليات كالتي نفذها مكتب التحقيق الاتحادي في الولايات المتحدة تكون حققت غاية نافعة اذا نبهت الشركات الى ان تبقى على حذر.

فالتجسس مازال مستمرا حتى اليوم ومع تزايد الحاجة الى التقنية ونقلها لمختلف الدول.