"كلود مونيه والتجريد" عنوان المعرض الذي يقام حالياً في متحف "مارموتان" في باريس. ومن المعروف عن هذا المتحف أنه يملك أكبر مجموعة من أعمال الفنان التشكيلي الفرنسي مونيه. المعرض الجديد يقام بالتعاون مع متحف "تيسان" الاسباني في مدريد والهدف منه التعريف بالأثر الكبير الذي تركته الأعمال الأخيرة للفنان على الفنانين التجريديين وخصوصاً في النصف الثاني من القرن العشرين.

اشتهر مونيه في فرنسا وأوروبا كأحد رواد الحركة الانطباعية التي كانت أول حركة فنية رائدة في القرن التاسع عشر إذ تمرّدت على القيم الكلاسيكية والأكاديمية التي تبنّاها الفنانون الأوروبيون منذ القرن الخامس عشر مع هيمنة القيم الفنية لعصر النهضة الإيطالية وهي قيم التزمت مبدأ تجسيد الأبعاد الثلاثة ومحاكاة الواقع الملموس في الأعمال الفنية وركّزت على المواضيع المستوحاة من الأساطير القديمة والتراث الإغريقي الروماني.

أسّست الانطباعية لجمالية جديدة تجسّدت في أمور كثيرة منها التركيز على تدرّجات الألوان والضوء، وقد ألغت الحدود التي تفصل بين اللون والرسم. كذلك خرج الفنانون الانطباعيون إلى الطبيعة والهواء الطلق بدلاً من العمل في المحترفات الفنية ورسموا مشاهد مستوحاة من الحياة اليومية ومن تحوّلات الطبيعة. واستوحى النقاد الفنّيون اسم الحركة الانطباعية من لوحة أنجزها مونيه عام 1872 وكان عنوانها "انطباع شمس مشرقة".

غير أن أهمية كلود مونيه - وهذا ما يكشفه المعرض الجديد بصورة جليّة-، لم تكن محصورة فقط في كونه رائداً من رواد الحركة الانطباعية إلى جانب مبدعين آخرين ومنهم رونوار، وإنّما أيضاً في قدرته الكبيرة على التجدّد الفنّي مشفوعاً بعمله الدائم الذي لم يتوقّف على الرغم من تقدمه في السن، وكذلك بانفتاحه على الحضارات والفنون غير الأوروبية ومنها الشرق- أوسطية واليابانية، وبطرحه أسئلة أساسيّة حول معاني الفن وحول الإضافة التي يمكن أن يقدمها كمبدع عاش حتى الربع الأول من القرن العشرين وعرف التحوّلات الاجتماعية والثقافية الكبرى التي ساهمت في نشوء حركات الحداثة الفنية والفكرية.


«كلود مونيه

لقد أدرك الفنانون الأوروبيون والأمريكيون الذين جاؤوا من بعد مونيه أنّه كان سبّاقاً لعصره وهو الذي فتح آفاقاً جديدة للحداثة التشكيلية ومن الذين مهّدوا للتجريد. من هنا جاءت إعادة قراءة نتاجه وبالأخص لوحاته التي أنجزها، كما سبق أن أشرنا، في السنوات الأخيرة من حياته، واكتشف الفنانون والنقاد على السواء كيف أنّ نتاجه، في جزء كبير منه، يمثّل تراثاً فنّياً نادراً يتميّز بجرأته الكبيرة في التعاطي مع قضايا الألوان والأشكال غير المرئية. نحن هنا أمام لوحات ألغت كل ما يشير إلى العالم المحسوس والواقعي وركّزت بأسلوب متين على لعبة الأشكال والألوان الصافية مستعيدة تحوّلات الطبيعة بأبهى صورها.

يبيّن المعرض أيضاً أنّ الفضل في إعادة اكتشاف دور مونيه كأحد رواد المدرسة التجريدية يعود إلى مجموعة من الفنانين الرواد وفي مقدمتهم الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي الذي تعرّف ولأول مرة على نتاج مونيه في معرض مخصص للفن الفرنسي في موسكو عام 1895 فانبهر بنتاجه وكتب عنه في تأملاته الفنية مؤكداً أن اكتشافه للفنان الفرنسي أثّر في مساره الفنّي وساعده على صياغة لوحته التجريدية الأولى مطلع القرن العشرين.

إلى ذلك، يشير المعرض إلى تأثّر عدد من الفنانين الأمريكيين بمونيه ومنهم، على سبيل المثال، جاكسون بولوك الذي كان من روّاد تيار التعبيرية المجرّدة في نيويورك وقد ابتكر أسلوباً جديداً يقوم على التنقيط ورشّ الأصبغة أثناء صياغته لأعماله التجريدية، وتأثر بمونيه في تركيزه على المساحات الشاسعة في لوحاته. هناك أيضاً الفنان الأمريكي من أصل ليتواني مارك روتكو، وكان هو الآخر من روّاد التعبيرية المجرّدة وقد عبّر عن إعجابه بمونيه خاصة في أسلوب تعاطيه مع عناصر الطبيعة وتحولاتها.

تتنوّع الأعمال المعروضة في متحف "مارموتان" في باريس وتبيّن أثر مونيه على عدد كبير من كبار مبدعي القرن العشرين الذين انتموا إلى مدرسة باريس للفن التجريدي في النصف الثاني من القرن العشرين ومنهم الصيني زاووكي الذي أقام في العاصمة الفرنسية، والفرنسي أندريه ماسون، والبرتغالية فييرا دا سيلفا، والروسي نيكولا دو ستال... وهكذا فإنّ أبرز ما في المعرض تركيزه على مجموعة من الأعمال التي رسمها كلود مونيه وتركت بصماتها على الفنّ الحديث، كما كشفت عن موهبته الكبيرة وحضوره المتوهّج إلى اليوم.