لم أحب يوما أن أقتطع جزءاً من مساحة خصصتها صحيفة كبيرة كهذه الصحيفة التي أكتب فيها عمودا أسبوعيا ثابتا منذ أكثر من خمسة عشر عاما لأحولها لموضوع خصوصيته أكثر من عموميته، لكن عذري أنني وقعت بين أمرين أحلاهما مر: إما الكتابة عن الحدث الذي أعيش فيه وسيطر على مشاعري وأحاسيسي، أو ترك المساحة التي تعوّد القراء الكرام رؤيتي فيها عبر كلماتي كل أربعاء فارغة، لم أشأ قطع حبي الذي أرسله لهم، من وافقني أو من خالفني في ميولي الرياضي فحسب، عزائي أن اختلاف الرأي في الرياضة زبد يذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض، علمتنا أخلاقنا أن نجعل المجتمع الذي نعيش فيه مجتمعا متراحما، ومسوغي أن كثيرين مثلي مر بهم نفس الحدث أو قريبا منه، فهي تعبر عنهم أيضا.

في مجلس العزاء جاء موعدي مع إرسال هذه المقالة إلى الزملاء في الصفحة بعد يوم واحد من دفن والدي رحمه الله، أصافح المعزين بيد، وأكتب المقالة باليد الأخرى، حبر أكتبه بمداد من دم، يخرج من قلب يعتصره الألم، فراق من له الفضل بعد الله في وجودي، رجل ارتبطت به طيلة عمري، عينيّ بعينيه، كلماته بأذني وكلماتي بأذنيه، جسدي يلامس جسده، أنفاسي تختلط بأنفاسه، وإحساسي يعانق إحساسه، حب نشأ وترعرع، كبر وتفرع، ثم أفاجأ بالحبل ينقطع بلا سابق إنذار حيث موت الفجأة أعاذنا الله وإياكم منه.

لا صوت يعلو على صوت الحزن حينما يتحدث القلب، رسالة الحزن مرارة أشعر بها الآن كثوب يغطي جسدي، ودمعات تحرق خدي، غشاء يكاد يحجب بصري، ورعشة تكاد تسقطني، وعبرة تخترق عينيّ من حولي، ونحيب امتد صداه، وبكاء فجر عيني وفمي، إنه ألم الموت، وهل ثمة أعظم منه ألما؟! ألم جسديّ حيث تقطع الذي يحتضر سكراته، ونفسيّ لأهله حيث يغيب الثرى عنهم من عاشوا معه سنوات طوال قد يكون رابط الحب فيها أقوى متانة من سلاسل الحديد.

ليس أشد وطأة من رؤية من أحب مسجى بلا حراك، كنت أسمع عن مغسلي الموتى وأتساءل: يا لقساوة هذه القلوب! في صباح اليوم الذي سيدفن فيه أبي لم أشأ أن أجعله يستحم استحمامه الأخير لوحده، استجمعت قواي وذهبت إليه تعضدني أيدي أخواني، سألقي عليه النظرة الأخيرة، لأول مرة أراه ولا يراني، قلت في نفسي لعله يتحرك، ربما أنها إغماءة سيفوق منها ولا ينتبه إلى حراكها مُغسّله، ظللت أتابع أطرافه لعله يتحرك، سمعت كثيرا عن حالات مشابهة فاقت حتى بعد دفنها، رجوت من المكفن ألا يشد وثاقه لئلا يؤلمه، ولئلا ترده عن الحركة إن أفاق، لم ينجح إحساسي، ولم أفقد الأمل، تابعته وهو أمام المصلين لعل حركة تأتي من خلف الكفن، راقبته بعيني حتى وصل إلى الحفرة، أيضا لم أفقد الأمل حتى وحفنات التراب تنهال عليه، لم أحمله، ولم أحثُ عليه التراب، أيعقل أن أفعل هذا بأبي؟! بعد اكتمال الدفن رضيت بقضاء الله وقدره واستسلمت لأكف المعزين!

والعزاء قائم أكاد أسأل الحاضرين: لماذا لا يحضر أبي إلى مجلس العزاء، تأخذني سجة فأنسى أنه مات، لعلي أتناسى! أستقبل المعزين وأشياءه حية تعيش بيننا، سيارته، ثوبه، جواله، تحرك فيَّ شعور بوجوده، أسبح معه وكلمات المعزين تهطل على أذني، لا يفيقني سوى يد جديدة أمسكت فيَّ لتصافحني!

قبل شهر من الآن خالطني شعور غريب، أحسست وأنا أقف بين يدي والدي أنه سيموت، هكذا سقطت علي فكرة الموت فجأة، طردتها من ذهني، لكنها ظلت تحوم كطائر فوق رأسي، ذهبت إلى فراشي وأخذت أكتب قصيدة رثاء وبحر من الحزن تحركني أمواجه، كتبت أبياتا من القصيدة ثم استعذت من الشيطان وعدت إلى رشدي، لكن إحساس الموت ظل هاجسا يحضر أحيانا فأعود إلى القصيدة لأضيف إليها بيتا جديدا، اكتملت القصيدة يوم اكتمال أيام أبي في هذه الحياة!!

كان رحمه الله مرحا، لا أذكر أنه اغتاب أحدا طيلة حياته، لم يحمل غلا على أحد، قال ذلك المعزون أيضا، كان متفائلا، في الأشهر الأخيرة كلما عرضت عليه تنفيذ حاجة له يرد علي: "ما أبيها، خلها أباخذها في الجنة" عرف أن أجله قريب فرفض ملذات الدنيا.

رحم الله جميع موتى المسلمين