• انت الآن تتصفح عدد نشر قبل 1635 أيام , في الخميس 19 رجب 1431 هـ
الخميس 19 رجب 1431 هـ - 1 يوليو 2010م - العدد 15347

الرمزية العربية أو الصفحة المنسية في سيرة الحداثة الشعرية

جهاد فاضل

جهاد فاضل

    يعود الدكتور محمد فتوح أحمد في كتاب جديد له (الحداثة الشعرية) الأصول والتجليات/ دار غريب بمصر) إلى بدايات الحداثة الشعرية العربية في الثلاثينيات من القرن الماضي، وهي مرحلة يتجاهلها الحداثيون المتأخرون (أدونيس وجماعة مجلة شعر وشعراء قصيدة النثر عموماً).

يلاحظ بداية أن الرمزية عُرفت في تلك المرحلة المبكرة عندنا.

فقد نشرت «المقتطف» سنة 1928 قصيدة ذات مسحة رمزية. من شعر إدمار فارس تحت عنوان: (الخريف في باريس) وهي من أوائل قصائد هذا المذهب في مصر إن لم تكن أولها. ثم أخذت «المقتطف» منذ بداية الثلاثينيات تفسح صفحاتها لترجمات رمزية من شعر بودلير وفيرلين وفاليري وسواهم، وقد برز فيها من مترجمي هذا الشعر علي محمود طه وبشر فارس وخليل هنداوي. ثم أخذت «الرسالة» تنشر دراسات حول المذهب الرمزي تأخذ شكل الحوار الفكري والنقاش المتعدد الأطراف. وكان طه حسين من هؤلاء الذين شاركوا فكتب دراسة عن قصيدة فاليري «المقبرة البحرية» وما تمتاز به من غموض اصطرع حوله النقاد الفرنسيون.

ويتوقف الباحث عند فرع نشط للرمزية هو الفرع اللبناني. يقول انه ككل شأن أدبي يبدأ جنينا غائم الملامح ثم تتضح معالمه وقسمات وجهه بمرور الزمن، ظل الاتجاه الرمزي في لبنان يعاني آلام التكون حتى نضج أو كاد. فمنذ سنة 1936 أخذت نماذجه تغمر السوق الأدبية حتى اننا نلحظ أن مجلة «المكشوف» اللبنانية لم يكد يخلو منها في هذه الفترة من نموذج شعري رمزي «إلى أن أصدر سادن الرمزية في لبنان سعيد عقل قصيدته المطولة «المجدلية» (سنة 1937) مقدماً لها بدراسة تحليلية عن اللاوعي ودوره في الابداع الشعري، وعن الأصوات وقيمتها الايحائية، وعن جوهر الشعر وصلته ببقية الفنون، وهي قضايا كانت جديدة لحينها بقدر ما كانت غريبة. ومن ثم اعتبرت هذه المقدمة بمثابة إعلان رسمي عن وجود المذهب في الشعر العربي.

على أن الفرع الرمزي في مصر كان نشطاً بدوره. فمنذ بداية سنة 1934 تتابعت على صفحات «المقتطف» في مصر نماذج رمزية للشاعر الدكتور بشر فارس فظهرت له قصائد (الذكرى) 1934 ثم (السم) 1935، ثم (الخريف في برلين) 1936 ثم (في جبال بافاريه) 1937. وإذا كانت الرمزية في لبنان على أقلام سعيد عقل وأقرانه، وفي مصر على يد بشر فارس، قد نزعت منزعاً أقرب إلى المذهبية الواعية، فلقد اقترنت بها وواكبتها محاولات أخرى استمدت من الرمزية بعض وسائلها الفنية، وقصرت جهدها على الإفادة من تلك الوسائل في إغناء التعبير الشعري، وإن بقيت بعد ذلك خارج حدود الرمزية بمعناها الفني الخالص «ونحن نقصد بذلك بعض شعراء أبولو وقليلًا من شعراء لبنان وسوريا ممن أُتيحت لهم فرصة الاطلاع على نماذج من الشعر الرمزي في لغته الفرنسية أو مترجماً، أو قرأوا عنه، على أقل تقدير منهم حسن كامل الصيرفي ومحمود حسن اسماعيل ومحمد عبدالمعطي الهمشري وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي، على تفاوت في درجات تأثرهم ونوعية ذلك التأثر ومداه».


سعيد عقيل

ويتوقف الباحث أيضاً عند الشاعر اللبناني صلاح لبكي الذي وإن كان يقول شعره لا يندرج تحت أي نظرية شعرية، إلا أنه تأثر بالمذهب الرمزي. ذلك ان الوضوح النسبي أو التظليل الشعري الذي يسم قصائده، والذي يقع في نقطة بين الوضوح الكامل والغموض المعتم لا يطعن في انتمائه إلى الأصول الرمزية العامة، ولا ينفي تأثره بها «فليس حتماً أن يكون مسار المذهب في شعرنا المعاصر مطابقاً تماماً لمساره في الآداب الأوروبية. فالشعر الرمزي لم يكن على درجة واحدة من حيث الوضوح والإبهام حتى يمكن استخلاص مقياس ثابت في هذا الصدد يكون الخروج عليه خروجاً على مبادئ الرمز. كان فيرلين رمزياً ولكن شعره لم يكن من الغموض بمكان شعر مالارميه أو رامبو».

ويتوقف الباحث أيضاً عند شعراء كبار كشوقي أمير الشعراء وخليل مطران.

يرى الدكتور محمد فتوح أحمد أن مجرد التفات شوقي لكتابة المسرحية الشعرية دليل على رغبته المخلصة في التجديد، ولم يكن ليتسنى له ذلك لولا رحيله إلى فرنسا وملاحظته لازدهار الحركة المسرحية فيها. وإذا راعينا ان الحداثة الرمزية في أواخر القرن التاسع عشر - وهي الفترة التي شهد شوقي طرفاً منها في فرنسا - كانت تسيطر على أقدم الكثيرين من الكتّاب والشعراء الفرنسيين وتلهج بها الألسنة والمنتديات الأدبية، لم نستبعد أن يكون شوقي قد سمع عنها أو قرأ خلال رحلته مما أتاح له التأثر بنماذجها تأثراً جزئياً عابراً.

ويورد الباحث نصاً من مسرحية شوقي «مصرع كليوباترة» ليكشف عنها قوة افتراض تأثر شوقي بالرمزية من الناحية الفنية. والنص هو «نشيد الموت» الذي يتغنى به «إياس» - شادي الملكة - في الفصل الرابع من المسرحية بعد مصرع أنطونيو:

يا موت مل بالشراع

واحمل جريح الحياة

سر بالقلوع السراع

الى شطوط النجاج

شراعك الفضي

في لجه التبري

كالحلم في الغمض

يجري ولا يجري

في ظل ليل ساج

أقسم لا يسري

مغلل الديباج

مطيب الستر

في يقظة يظهر لي

أم أرى حلما

فلك من الجوهر

يخترق الظلما

على الدجى لماح

تحسبه نجما

ليس به ملاّح

يسلكه اليما


أحمد شوقي

فما يظهر في هذه الأبيات من موسيقى متموجة شفافة، وصور ظليلة يلجأ فيها الشاعر إلى تشخيص المعنويات، وخلق مدركات بصرية وهمية، يذكرنا بمحاولة الشاعر الرمزي الفرنسي رامبو خلق تيارات صورية متحررة من مواضعات المنطق والعادة. فالموت في نظر شوقي، أو كليوباترة، زورق، ولكنه زورق غريب ينّد عن كل تصور طبيعي أو عرفي، فهو من الجوهر وشراعه من الفضة ولجته من التبر. ثم هو زورق تجريدي لا يمكن تحقيقه إلا فيما يشبه الرؤيا. فهو «كالحلم يجري ولا يجري».

أما شعر خليل مطران فهو بنظر الباحث محاولة أمينة للتجديد في فلسفة الشعر وصياغته. فكثير من قصائده في الطبيعة تجارب وجدانية يخلطها بنفسه ويسقط عليها من مشاعره، وكأن الطبيعة عنده كائن حي يتمتع بكل خصائص البشر من خوالج وأحاسيس. وقد كان لهذا المنهج الجديد في إدراك الشعر وبناء القصيدة أثره في كثير من الشعراء عاصروا مطران وتتلمذوا عليه وعلى شعره، وبخاصة بعض شعراء أبولو ممن تجلت في نتاجهم نزعة رمزية مبكرة. ومحاولة الخليل وإن كانت قد ارتكزت في الأصل على أساس من الاحتفاظ بقيم اللغة وأساليبها، فإن نظائرها في الشام وفي المهجر السوري اللبناني بالأمريكيتين قد انطلقت إلى حد ما من قيود اللغة. وكان من نتيجة ذلك أدب بدأ يفرض سيطرته على العالم العربي في أعقاب الحرب العظمى، حتى إذا انهارت «الرابطة القلمية» وانتثر عقد زعماء المدرسة العربية بأمريكا، قامت في الشام ومصر محاولات شعرية هي وسط بين اتجاه مطران والاتجاه الهجري، وتمثلت في آثار عمر أبوريشة وعلي الناصر بسوريا، والياس فياض وأمين نخلة والدكتور حبيب ثابت وسعيد عقل وصلاح لبكي وخليل زخريا ونقولا بسترس في لبنان، وحسن كامل الصيرفي وبشر فارس في مصر وفي شعر بعضهم تجلّت سمات رمزية.


خليل مطران

وفي رأي الباحث ان شعر جبران خليل جبران لم يكن رمزياً بالمفهوم الدقيق لهذه الكلمة، وحري بمن تأثر به أن يكون مثله في عدم الالتزام بالمعنى الفني للرمزية. ومن أبرز الأدلة على ذلك ان كثيراً من شعر أبي ماضي، الذي قد يبدو للوهلة الأولى رمزياً، ليس كذلك على الحقيقة، بل هو من باب الكناية أو الاستعارة الرمزية».

ويكاد يكون مقرراً عنده أن أول شرارة رمزية في الشعر العربي المعاصر كانت على يد الشاعر اللبناني الدكتور أديب مظهر الذي كتب سنة 1928 قصيدة بعنوان: «نشيد السكون» ما لبث أن اتبعها بطائفة من القصائد المماثلة تعتبر باكورة هذا الاتجاه في الشعر العربي المعاصر، ومنها:

أعد على نفسي نشيد السكون

حلوا كمّر النسم الأسود

واستبدل الأثاث بالأدمع

واسمع عزيف اليأس في أضلعي

فالليل سكران وأنفاسه

تلقح أجفاني وأحلامي

تنساب حولي زفرة زفرة

حاملة أكفان أيامي

بالله! هلا نغم قاتم

على بقايا الوتر الدامي

فإن في أعماق روحي صدى

مثل دبيب الموت بين الجفون



عفواً هذه الخدمة متاحة للأعضاء فقط... يرجى تسجيل الدخول أو اضغط هنا للتسجيل
احصل على رابط الخبر عبر رمز الإستجابة السريع QRcode


التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر، وللإبلاغ عن أي تعليق مخالف يرجى الضغط على زر "التنبيه" أسفل كل تعليق ..

عدد التعليقات : 1
ترتيب التعليقات : الأحدث أولا , الأقدم أولا , حسب التقييم
عفواً ترتيب التعليقات متاح للأعضاء فقط...
سجل معنا بالضغط هنا
  • 1

    هذا كله كلام قديم مكرر كتبه الدكتور محمد فتوح أحمد في كتابه:" الرمز والرمزية في الشعر العربي المعاصر" وقد صدر الكتاب عن دار المعارف بالقاهرة أواخر سبعينيات القرن العشرين وكان مقررا على طلبة كلية دار العلوم جامعة القاهرة، وقد قرأت هذا الكتاب أكثر من مرة منذ 25 عاما.

    عبدالله السمطي (زائر)

    UP 0 DOWN

    12:19 مساءً 2010/07/01



مختارات من الأرشيف

  • اطفال على عتبة الموت!

    طفلة صغيرة تمشي في الصباح الباكر متجهة الى مدرستها التي تبعد عن منزلها مسافة طويلة , تتعرض للسيارات والطرق في ...