زادت حدة التوتر بين فريقين متضادين حول آلية ترشيد استهلاك المياه في الزراعة وبات على المزارعين الاستمرار في تفعيل الوسائل الهادفة إلى الاستخدام الأمثل للمياه بما فيها " الترشيد المتوازن وبما يتفق والظروف الراهنة بالنظر إلى المخزون المائي ".

ولذا فان النقاشات والأطروحات لن تتوقف عند حد معين بين معارض ومؤيد في " إحدى المسائل الجديرة بالطرح سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي ولكل منهم وجهة نظر وتبريرات ومسببات مختلفة ".

وكان وزير الزراعة د.فهد بالغنيم وخلال تصريحات نسبت إليه فان " الأمن المائي أهم من الأمن الغذائي ".

وبدورها كثفت منظمة الأغذية والزراعة جهودها ومساعداتها إلى الرعاة ومُربّي الماشية في بعض المناطق المصابة بالجفاف ونقص في المياه " وسط أزمةٍ غذائية متفاقِمة نَجَمت عن شح الأمطار في غضون السنة الماضية فيما استتبع هبوطاً حادّاً في الإنتاج الزراعي وأدّى إلى جفاف تربة المراعي الطبيعية "

ورأت المنظمة الدولية " المقدَّر أن ثمة 9.8 ملايين شخص يواجهون اليوم خطر الجوع الحادّ في بلدين فقط هما النيجر وتشاد ، بالإضافة إلى آلافٍ آخرين يقعون تحت طائلة هذا التهديد في مناطق شمال بوركينا فاسو وشمالي شرق مالي".

وتواجه الجهات العلمية تحديات أخرى فضلا عن شحها تتعلق بتكوينات المياه وما يخالطها من مواد تؤثر على جودتها ووفق الأمم المتحدة وعبر دراسة شاملة نشرتها وخلال بحثها في بعض المواقع حيث " يتواجد عنصر الفلوريد في معظم المياه الجوفية كما يتواجد المياه الغنية بعنصر الفلوريد، غالبا في المياه الجوفية الفقيرة في الكالسيوم في العديد من مسطحات المياه السفلية مثل الغرانيت والصوان في طبقات المياه الجوفية وفي بعض أحواض الترسيب. توجد المياه الجوفية التي تحتوي على تركيز عال من عنصر الفلوريد في مناطق عديدة في العالم، تشمل أجزاء كبيرة من أفريقيا والصين و الشرق الأوسط وجنوب آسيا ( الهند وسيريلانكا ) ويمتد أكثر الأحزمة شهرة ذات التركيز العالي للفلوريد ، بطول الشق الشرقي لأفريقيا من إرتريا إلى ملاوي . وهناك حزام آخر يمتد من تركيا مارا من خلال العراق وإيران وأفغانستان والهند وشمال تايلاند والصين . كما توجد أحزمة مماثلة في الأمريكتين واليابان".

وفي السياق ذاته وعلى الصعيد المحلي لازال متخصصون يبحثون ترشيد استهلاك المياه في المحاصيل الزراعية (ما عدا القمح والأعلاف الخضراء) باستخدام أساليب الري الحديثة وتحقيق الاستهلاك إلى ما يقل عن 3 بليونات متر مكعب سنوياً والذي سبق الإشارة إليه وفي ثنايا مبادرة من صندوق التنمية الزراعية ( الممول الرئيسي للأنشطة الزراعية ) ضمن مبادرات سبع.

وفي الاطار نفسه ورأينا التوقف عنده كواحد من الأمثلة الحية وكتوجه من الوزارة فقد ابرم وزير الزراعة رئيس مجلس إدارة هيئة الري والصرف بالاحساء الدكتور فهد بن عبدالرحمن بالغنيم "عقد تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع تحويل القنوات مع شركة الأعمال المدنية المحدودة بمبلغ قدره ( 149.559.873).

وتشتمل أعمال العقد تمديد أنابيب تتراوح أقطارها مابين 250-1200 مليمتر وبطول إجمالي يصل إلى 123كيلومترا وكذلك تركيب محابس آلية ونظام تحكم ( SCADA ) وأجهزة قياس كميات المياه وتشمل المنطقة المخدومة في هذه المرحلة 3335 حيازة زراعية بمساحة إجمالية تصل إلى 1214 هكتار كما يشمل المشروع إنشاء محطات الضخ اللازمة بقدرة تصريف 1800متر مكعب في الساعة وتبلغ مدة تنفيذ المشروع 36 شهرا".

إن هذا المشروع يعد بحجم تكلفته وما يقدمه من مزايا لأعمال الري إضافة نوعية لجهود هيئة الري والصرف بالاحساء لتوفير المياه اللازمة للري وترشيد استخدامها والعمل على تحقيق الاستدامة الزراعية في المنطقة ضمن المنظومة الزراعية الشاملة في بلادنا والعمل على دعم توفير المياه من المصادر غير التقليدية كالاستفادة من محطات معالجة المياه المنقاة ثلاثيا ولابد من الإشارة إلى دعوة الوزير للمزارعين " التفاعل مع فكرة المشروع وأهدافه والتحول إلى نظم الري الحديثة"

وكان لافتا للنظر البيان الصادر من اللجنة الوطنية الزراعية بمجلس الغرف السعودية وتلقت (الرياض) نسخة منه والذي تباينت ردود الفعل تجاهه وكانت إشاراته واضحة في الرد على الحملات الإعلانية لوزارة المياه والكهرباء والذي يبرز في احدها الاستنزاف الخاص بالمياه للزراعة وبشكل خاص القمح.

فتلك الوزارة ترى " أن المملكة ليس لديها مخزون مائي يفي لأغراض زراعية ولذا كان التوجه بالتقليص من زراعة القمح تدريجيا والتوجه إلى استيراده خارجيا وهذا ماتم تطبيقه حاليا منذ مواسم سابقة حتى يتم الوصول لما تم رسمه فضلا عن إجراءات اخرى تخص ترشيد المياه ".

فاللجنة الوطنية الزراعية أبرزت " تأكيدها على تجاوب القطاع الزراعي العام والخاص في المملكة مع سياسة ترشيد استهلاك المياه من منطلق المسئولية الوطنية وانتهاجه أساليب علمية واستفادته من تجارب الدول العالمية في هذا المجال ومن ذلك تعاقد وزارة الزراعة مع شركة (نادك) لاستخدام تقنيات متطورة ووسائل لترشيد استهلاك مياه الري ونشرها بين المزارعين إضافة لما قدمه صندوق التنمية الزراعية ضمن مبادراته من حوافز لتحول مزارعي النخيل إلى أنظمة وتقنيات الري الحديثة والتي تخفض الاستهلاك لأكثر من 70بالمائة مقارنة بالري عن طريق الغمر".

وهنا تبدو مبررات الجهة الاقراضية الحكومية لطرح إحدى مبادراتها المتعلقة بالمياه في الآتي :- 1- التحدي الذي تواجهه المملكة في مجال توفير المياه للاستخدامات الزراعية والصناعية والمدنية والمجالات التنموية الأخرى، والحاجة لتنظيمها. 2- الحاجة إلى تخفيض الاستهلاك من المياه في القطاع الزراعي الذي يستهلك حوالي 80% من المياه المستخدمة بالمملكة وبحجم يقدر حالياً بما يقارب 17بليون م3 تستهلك المحاصيل الأخرى منها (عدا القمح والأعلاف الأخرى) ما يقارب (5 – 6) بليونات متر مكعب سنوياً. 3- حاجة المملكة لقطاع زراعي مستدام تستلزم التعامل مع قضية استهلاك المياه بشكل حاسم وجاد وتخفيضها إلى رقم يتلاءم مع الإمكانيات المتاحة للموارد المائية في المملكة. 4- ضرورة المحافظة على القطاع الزراعي لأسباب اجتماعية واقتصادية وتنموية نظراً لكونه مصدر دخل لقمة عيش شريفه للكثيرين.

ولنشر الآراء المختلفة عبر (الصفحة الزراعية بالرياض) فقد أضافت اللجنة في سياق تبريراتها:-

" بأنه مع هذا التجاوب الكبير الذي أبداه القطاع مع سياسة ترشيد المياه إلا أن اللجنة لاحظت وجود حملة إعلانية مكثفة تتبنى فكرتها ورعايتها إحدى الجهات المختصة تركز على مسألة الاستهلاك الزراعي بشقيه النباتي والحيواني للمياه مشيرة إلى انه رغم تقدير اللجنة التام للجهود التي تبذلها مختلف الجهات بما في ذلك وزارة الزراعة ووزارة المياه والكهرباء لتعزيز ثقافة الترشيد فإن اللجنة ترى بأن مثل هذه الإعلانات قد تؤدي لنتائج سلبية تؤثر على المواطن وتثير مخاوفه على مستقبل المياه بشكل مبالغ فيه وربما تدفعه عن غير قصد لشراء المنتجات الغذائية المستوردة وهو ما يتعارض مع مصلحة الاقتصاد والوطن والمواطن "

وذهبت اللجنة إلى القول " إن من منطلق المسئولية المهنية فأنها تود توضيح بعض الحقائق حول موضوع استهلاك المياه ومن ذلك بأن متوسط استهلاك الإنسان اليومي للشرب هو 1.5 لتر ماء بينما متوسط استهلاك غذائه اليومي هو 1500 لتر وهذه المعدلات الطبيعية مبينة انه على صعيد مستوى المملكة وظروفها المائية فإن المصدر الدائم المتجدد لمياه الشرب الآدمي هو تحلية مياه البحر وهو الخيار الاستراتيجي المعمول به فعليا والمياه الجوفية المستخدمة بالزراعة بالمملكة تكلفه تهيئتها واستخدامها للشرب بالمدن ليس الأجدى اقتصاديا ولا استراتيجيا كما أن الانخفاض الحاصل في مساحات زراعة القمح الذي تجاوز 30بالمائة لم يزد من مياه الشرب للمواطنين على حد قولها".

وبدورها ناشدت اللجنة " الجهات المختصة إلى التركيز على جهود البحث العلمي والتطوير في مجال توفير المياه بكميات كبيرة وتكاليف محدودة ومن ذلك من مياه الأمطار والسيول المهدرة ووضع إستراتيجية طويلة المدى للاستفادة منها وكذلك إعادة استخدام مياه الصرف الصحي سواء حول المدن في المسطحات الخضراء وفى المدن الصناعية حيث لا تزال عملية الاستفادة من هذه المياه بطيئة جدا و تعتبر المملكة من أقل دول العالم استفادة منها مع حاجتها الماسة لذلك".

وأضافت اللجنة وبدفاع واضح عن القطاع الزراعي :-

" إن التركيز على الاستفادة من المصادر المهدرة للمياه أولى من الحض على تحديد الاستهلاك في القطاع الزراعي والحيواني حيث إن القطاع له مساهماته الفاعلة في الاقتصاد الوطني حيث اظهر تعاوناَ كبيرا مع الجهات المعنية في سياسة الترشيد والتركيز يجب أن ينصب حسب اعتقادها في اتجاه وضع استراتجيات طويلة المدى للاستفادة من مصادر المياه المهدرة وتكثيف جهود البحث العلمي وتوظيف التقنيات الحديثة لتوفير مصادر جديدة وترشيد استهلاك المياه ".

ويتوقع المراقبون أن تبادر وزارة المياه بالرد على تلك الرؤية للجنة. إلى ذلك ووفق تقرير اليوم العالمي للمياه بعنوان " المياه غير الصحية " قال برنامج الأمم المتحدة للبيئة " إن مليوني طن من النفايات التي تلوث أكثر من ملياري طن من المياه يوميا قد خلفت مناطق ميتة ضخمة تخنق الشعاب المرجانية والأسماك وغيرها من الأحياء البحرية ".


النقاشات حول المياه باتت غير مجدية