تغيّرت طبيعة المشهد الاقتصادي السعودي الراهن بشكل طفيف بالمقارنة مع حالته قبل ستة أشهر، مع أنّ الاقتصاد العالمي أصبح أكثر هشاشةً وتقلباً جرّاء أزمة الديون السيادية الأوروبية والنقاش المتصاعد حول الديون السيادية ككل. كما أنّ أسعار النفط تحوم حالياً حول السبعين دولاراً للبرميل، بينما بدأ الاستيراد والتصدير في المملكة بالانتعاش، وإنْ بوتيرة منخفضة. ورغم الامكانيات الكبيرة التي تتمتع بها البنوك السعودية الخاصة، ظل معدّل نمو نشاطها الائتماني ضعيفاً. في المقابل، تعاظم زخم التمويل الرسمي لمشروعات توسيع البنية التحتية، ما دفعنا إلى الاعتقاد بأنّ المحفّزات المحليّة المتوافرة حالياً تكفي لتحقيق قدْر معقول من التعافي الاقتصادي خلال العام الجاري، رغم هشاشة الاقتصاد العالمي.

توقعات بنمو الناتج المحلي السعودي خلال العام الجاري بمعدّل 3.9%.. ونمو القطاع العام قد يسجِّل أعلى معدل له منذ ثلاثة عشر عاماً

ونظراً إلى العوامل المحلية المؤاتية ومعدل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في عام 2009، بشقيه العامّ والخاص، الذي فاق التوقعات وفق البيانات الرسمية السعودية، ونتيجةً لارتفاع معدلات النمو الاقتصادي للقطاعيْن غير النفطي والعامّ، ما زلنا نتوقع أنْ يبلغ معدّل نمو إجمالي الناتج المحلي 3.9% في عام 2010، وأنْ يرتفع إلى 4.2% في عام 2011. في الوقت ذاته، خفّضنا مستوى توقّعاتنا لمعدّل نمو القطاع النفطي إلى 3.6% ورفعنا مستوى توقعاتنا لمعدّل نمو الناتج الاجمالي للقطاع العامّ إلى 4.6%، وهو أعلى معدّل من نوعه منذ ثلاثة عشر عاماً، وذلك استناداً إلى الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة السعوديّة لتحقيق جميع أهداف الميزانية العامّة.

ومع أنّ عائدات الصادرات النفطية وغير النفطية سترتفع بشكل طفيف في عاميّ 2010 و2011، إلا أنّ قيمة الواردات السعودية سترتفع أيضاً بسبب اعتماد المملكة المتزايد على استيراد السلع الغذائية وموادّ البناء، كنتيجة طبيعية للانفاق العامّ السخي على المشروعات التوسيعيّة. وترافق ارتفاع قيمة الواردات مع ازدياد كبير في حجم الحوالات المالية للعمّال الوافدين، بالإضافة إلى حوالات أخرى إلى خارج البلاد، ما سيؤثّر سلباً في ميزان الحساب الجاري للمملكة في المدى المتوسط، الأمر الذي دفعنا إلى خفض مستوى توقّعاتنا بشأن الفائض في الحساب الجاري السعودي خلال العام الجاري.


تركي الحقيل

وبعدما تجاوز متوسط سعر برميل النفط حدّ الثمانين دولاراً في شهريّ مارس وأبريل، حامت أسعار النفط حول الخمسة وستين دولاراً للبرميل في شهر مايو فانخفض متوسط سعر برميل النفط إلى أربعة وسبعين دولاراً، ومن المتوقّع أنْ تتقلب أسعار النفط في يونيو أيضاً. لذا، خفّضنا مستوى توقعاتنا بشأن متوسط سعر برميل النفط في العام الجاري من ثمانية وسبعين دولاراً إلى ستة وسبعين دولاراً، لأننا نعتقد أنّ أسعار الخام قد تتقلّب خلال النصف الثاني من العام الجاري. يُشار، هنا، إلى أنّ متوسط سعر برميل النفط الخام خلال الشهور الخمسة الأولى من العام الجاري بلغ تسعة وسبعين دولاراً.

وإذا فاق المتوسّط السنوي لسعر برميل النفط حدّ السبعين دولاراً، فإنّ المملكة مرشّحة لتسجيل فائض مالي خلال العام الجاري، مع أنّ هذا الفائض قد لا يصل إلى المستوى الذي توقّعناه في شهر يناير وقدره 77.9 مليار ريال سعودي، أو ما يعادل 4.8% من إجمالي الناتج المحلي. أما في حال بقاء هذا المتوسط السعري فوق الخمسة وسبعين دولاراً، فإن الدخل العام قد يتجاوز حجم الانفاق العام المتوقّع بشكل كبير نسبياً. وفي حال انخفاض المتوسّط السنوي لسعر برميل النفط إلى ما دون هذا المستوى، سيكون من المحتمل أنْ تكافح الحكومة السعودية لأجْل التقريب، قدر المستطاع، بين الانفاق العام الحقيقي والميزانية المعلنة البالغة 540 مليار ريال سعودي. وقد يزداد حجم الانفاق العام الحقيقي بسبب ضرورة دعم المشروعات الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والمرافق والنقل، بعدما انسحب شركاءٌ مهمون من بعض هذ المشروعات، كانسحاب شركة كونوكوفيليبس (ConocoPhillips)، مثلاً، من مشروع مصفاة تكرير النفط في يُنبع. لذا، نرجّح أنْ يبلغ الفائض المالي خلال العام الجاري 3% فقط من إجمالي الناتج المحلي.

معدّل نمو سريع لإجمالي الناتج المحلي الحقيقي في عام 2009 بعد التعديل.

ما زلنا نتوقع أنْ يبلغ المعدّل السنوي لنمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي السعودي 3.9%، رغم إمكانية انخفاض معدّل نمو القطاع النفطي إلى ما دون المستوى الذي توقعناه في وقت سابق من العام الجاري، حيث إنّ معدّل الانتاج النفطي قد يصل إلى 8.35 ملايين برميل يومياً. ومن المستبعد أنْ ترفع منظمة أوبك سقف إنتاجها خلال العام الجاري بل يبدو أنها قد تُخفّض هذا السقف إذا تراجع سعر برميل النفط إلى ما دون الخمسة وستين دولاراً لفترة طويلة. لكنّ انخفاض سعر البرميل من مزيج غرب تكساس بواقع خمسة عشر دولاراً منذ مطلع شهر أبريل يمثّل تصحيحاً صحّياً لأسعار النفط المتضخّمة، نظراً إلى ضعف المقومات الأساسية للاقتصاد العالمي. ومن المحتمل أنْ يتأرجح ميزان العرض والطلب على النفط حتى نهاية الربع الثاني من العام الجاري.

سيساهم القطاع غير النفطي، بشقيْه العام والخاص، بمعظم النمو الاقتصادي في عام 2010. وطبقاً لأحدث بيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، فإنّ الحكومة السعودية رفعت المعدّل الحقيقي لنمو إجمالي الناتج المحلي في عام 2009، من 0.2% إلى 0.6%، علماً أنّ الاقتصاد العالمي انكمش بمعدّل 0.6% خلال العام الماضي. وإلى جانب المملكة، سجّلت بضع دول فقط من مجموعة العشرين نمواً اقتصادياً في عام 2009: الأرجنتين (0.9%) وأستراليا (1.3%) والصين (8.7%) والهند (5.7%) وكوريا الجنوبية (0.2%).

وفي الواقع، أشارت توقعاتنا الأولية إلى أنّ اقتصاد المملكة سينكمش في عام 2009، جرّاء تخفيضات أوبك لسقف إنتاجها، بالإضافة إلى عدد من العوامل الأخرى، لا سيما تراجع النشاط الاستثماري لشركات سعودية قياديّة، مثل أرامكو وسابك، وضعف أداء القطاع الخاصّ المحلي والمعدلات المنخفضة لنمو الاقراض المصرفي. وطبقاً لأحدث البيانات الرسمية، انكمش القطاع النفطي بمعدّل حقيقي قدره 6.7% في عام 2009، ليفوق بذلك معدّل الانكماش المتوقّع وقدره 6.4%.

لكنّ معدّل النمو الحقيقي للقطاع الخاصّ فاق التقديرات الرسمية الأولية بنقطة مئوية كاملة ليبلغ 3.5% في العام الماضي، طبقاً لبيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات. وجاء هذا التغيير نتيجةً لتسجيل القطاع الخاصّ نمواً حقيقاً أعلى من المتوقع في عام 2009، بالإضافة إلى مراجعة معدل نمو إجمالي الناتج الحقيقي لهذا القطاع في عام 2008؛ إذ خُفّض من 5% إلى 4.6%؛ الأمر الذي يفسّر ارتفاع مستواه الحقيقي في عام 2009.

لا ريب في أنّ نمو القطاع الخاصّ السعودي في العام الماضي تأثّر سلباً بإحجام هذا القطاع عن الاقتراض، وبتوقّف الاقراض المصرفي عملياً وبتراجُع الواردات. لذا، لم يتمكّن هذا القطاع من تحقيق معدّل النمو العامّ الوارد أعلاه والمرتفع نسبياً إلا بفضل الخطة الرسمية لتحفيز الاقتصاد المحلي، التي دعمت بصورة غير مباشرة جميع الشركات الخاصّة التي شاركت في إنجاز المشروعات الاستراتيجية. وهذا ما يقودنا إلى إعادة تقييم العلاقة القائمة بين الاقراض المصرفي والانفاق الحكومي ونمو القطاع الخاصّ. ففي عام 2008، نما الاقراض المصرفي في المملكة بمعدّل 27%، لكنّ معدّل نمو القطاع الخاصّ في تلك السنة لم يتجاوز المستوى الذي سجّله في عام 2009، إلا بواقع 1.2%، مع أنّ حجم القروض المصرفية التي مُنحت إلى القطاع الخاصّ تقلّص في عام 2009.

ويتمثّل أحد العناصر الرئيسية لتفسير هذه الظاهرة بإدراك طبيعة الدور التمويلي المكمّل الذي أدّته الكيانات الائتمانية الرسمية خلال الشهور الثمانية عشرة الأخيرة، عندما شحّت القروض المصرفية. فمن خلال هذه الكيانات، دفعت الدولة السعودية إلى المقاولين مقدّماً 20% من قيمة عقودهم، الأمر الذي قلّص الحاجة إلى الاقتراض من البنوك.

وخلال الشهور التسعة الأولى من عام 2009، ضخّت مؤسسات الائتمان الرسمية سيولة مالية قدرها 24.9 مليار ريال سعودي بالمقارنة مع 30.6 مليار ريال سعودي في عام 2008، حيث بلغ حجم هذه السيولة حوالي ضِعف مستواها في عام 2007. وتدفّق حوالي 52% من هذه الأموال عبر صندوق الاستثمارات العامّة، بينما تدفق 21% منها عبر البنك السعودي للتسليف والادخار و16% منها عبر صندوق التنمية العقارية و9% منها عبر الصندوق السعودي للتنمية الصناعية، وتدفّقت النسبة المتبقية من خلال البنك الزّراعي العربي السعودي. وتجلّى لنا أنّ المشروعات تضاعفت، بالدرجة الأولى، بفضل تمويلات صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية العقارية والصندوق السعودية للتنمية الصناعية.

وأشارت البيانات الرسمية الأخيرة أيضاً إلى أنّ القطاع العامّ غير النفطي سجّل نمواً حقيقياً ملحوظاً قدره 4.4% في عام 2009، فتجاوز مستوى التوقعات الأولية البالغ 4%. وتبدو نتائج عملية مراجعة البيانات معقولة نظراً إلى الاستثمارات الضخمة التي قامت بها الحكومة السعودية في عام 2009، حيث تجاوز إجمالي الانفاق العام الحقيقي حجم الميزانية المعلنة بنسبة 16% منها. ولن نتفاجأ إذا رُفع معدّل نمو هذا القطاع في عام 2009، بعد إجراء مراجعة ثانية للبيانات ذات العلاقة في وقت لاحق من العام الجاري. وفيما تقلّص صافي رأس المال الذي ولّده قطاع النفط والقطاع الخاصّ في العام الماضي بمعدّليّ 11% و2.2%، على التوالي، نمت الاستثمارات الرأسمالية الرسميّة بنسبة 8.9%.

زخم التمويل الرسمي

إنّ تسجيل المملكة لمثل هذه المستويات الإيجابية من معدلات النمو الاقتصادي خلال سنة اتسمت بالركود الحادّ في الاقتصاد العالمي، والانخفاض الملحوظ في أسعار النفط والطلب العالمي عليه؛ مؤشّرٌ واضح على أنّ برنامج الإنفاق الحكومي لتحفيز الاقتصاد المحلي (بما في ذلك استثمار 400 مليار دولار خلال خمس سنوات) نجح، إلى حدّ ما، في دعم بعض أجزاء القطاع الخاصّ السعودي. وهذا ما يجدّد الثقة بفاعلية عملية إعادة تدوير الأصول المالية، من ناحية، وبالسياسة النقدية وإدارة الاستثمارات الأجنبية، من ناحية أخرى.

وينبغي أيضاً وضع تغييرات عام 2009، في الإطار الأوسع لعمليات مراجعة معدّلات النمو المحلية التي جرت حتى ديسمبر 2009. ففي منتصف عام 2008، خُفّض معدّل نمو إجمالي الناتج المحلي لعام 2007، من 4.3% إلى 3.1%، ثمّ أُعيد خفض هذا المعدّل إلى 2% في ديسمبر الماضي. وإثر مراجعته في أواخر عام 2009، رُفع معدّل نمو إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لعام 2008، من 3.4% إلى 4.2%. وبالمقارنة مع بافي دول المنطقة، نرى أنّ حجم الاقتصاد السعودي، وخصوصاً قطاعه الخاصّ، ليس ممثلاً بصورة صحيحة في الحسابات الوطنية.

خلافاً للعديد من الدول الأخرى، ظل مستوى الدين العام الداخلي للمملكة منخفضاً في عام 2009؛ إذ بلغ 16% من إجمالي الناتج المحلي. هنا، نتوقّع أنْ يتراجع هذا المستوى إلى 13% خلال العام الجاري بفضل انتعاش الاقتصاد الاسمي وارتفاع صافي الديون التي سوف تسددها الدولة السعودية. وتتمتع المملكة باحتياطيات مالية ضخمة بفضل أصولها الخارجية (1.55 تريليون ريال سعودي في أبريل)، التي ستمكّنها من دعم المشروعات التوسيعيّة في المدى المتوسط. ونتوقّع أنْ تصل قيمة الأصول الخارجية للمملكة إلى 1.62 تريليون ريال مع نهاية العام الجاري، وذلك بفضل عائدات النفط، بالدرجة الأولى، وليس نتيجةً لأرباح المحفظة الاستثمارية التي تديرها مؤسسة النقد العربي السعودي.

ومع أنّ معدّل التضّخم العامّ في المملكة مرتفعٌ بالمقارنة مع دول الخليج العربية الأخرى، إلا أننا نستبعد أنْ يشكّل التضخم أيّ خطر على الاقتصاد السعودي في المدى المتوسط. وتنجم الضغوط التضخّمية حالياً عن عوامل محلية فقط، كارتفاع الإيجارات وأسعار السلع والخدمات. أما العنصر التضخمي المستورَد، فهو غائب تماماً في المرحلة الراهنة بفضل قوّة الدولار الأمريكي الذي يرتبط به الريال السعودي. ففي مطلع يونيو، سجّل سعر صرف الدولار أعلى مستوى له منذ خمسة عشر شهراً مقابل مجموعة من العملات الرئيسية الأخرى، ما عزز القدرة التنافسية للسلع التصديرية الأوروبية التي تساهم بنحو 30% من إجمالي واردات المملكة. ولا يمكن معالجة التضّخم في المرحلة الراهنة بواسطة أدوات السياسة النقدية، كتعديل أسعار الفائدة، مثلاً؛ لأنّ الضغوط السعرية محليّة، بالأحرى، وتنجم عن الخلل في ميزان العرض والطلب على العقارات وعدم خفض الأسعار المحلية عندما تتراجع الأسعار العالمية، والمرونة المحدودة للأسعار وسلوك المستهلك السعودي.

انخفاض معدّل نمو القطاع النفطي وازدياد مساهمة القطاع العامّ

نظراً إلى قوّة المقومات الأساسية للاقتصاد السعودي، ما زلنا نتوقّع أنْ ينمو إجمالي الناتج المحلي للمملكة بمعدّل 3.9% في عام 2010، مع أنّنا نتوقّع الآن أن ينمو القطاع النفطي بمعدل 3.7%، أي بأقل من تقديرنا السابق (4.1%)، وذلك استناداً إلى حجم الاستثمار في قطاعيّ الغاز والنفط، وليس بسبب تغيُّر معدّلات الانتاج. في المقابل، يعاني القطاع الخاصّ حالياً من الاحجام عن الاقتراض واهتزاز الثقة العالمية وتراجع أداء أسواق الأسهم العالمية والمحليّة وشُحّ التمويل المحلي والدولي. ومع أننا ما زلنا نتوقع أنْ ينمو الناتج الاجمالي للقطاع الخاص بمعدّل 3.7%، قرّرنا رفع مستوى توقّعاتنا لمعدّل نموّ الناتج الاجمالي للقطاع العامّ خلال العام الجاري من 4.1% إلى 4.6%.

وهناك أسباب واضحة لهذه الزيادة الكبيرة في المعدّل المتوقع لنمو الناتج الاجمالي للقطاع العام. فالحكومة السعودية هي التي تتحمّل أعباء عملية إنعاش الاقتصاد المحلي وتؤدي دور الممول الرئيسي للمشروعات الاستراتيجية، بينما لا يزال معدّل نمو الاقراض المصرفي إلى القطاع الخاصّ متواضعاً، كما أوضحنا في تقارير سابقة. وفي عام 2009، ساهم القطاع العامّ بِ23.1% من إجمالي الناتج المحلي ونتوقع أنْ ترتفع هذه النسبة قليلاً في العام الجاري لتصل إلى 23.3%، كما نتوقّع أنْ تنخفض مساهمة القطاع الخاصّ بشكل طفيف إلى 47.9%. وتشير تقديراتنا أيضاً إلى أنّ قطاع النفط سيساهم بِ27.7% من إجمالي الناتج المحلي.

عكست ميزانية عام 2010، التوجّه التوسيعي للحكومة السعودية بقوّة لأنها قررت زيادة الانفاق العام بنسبة 13.7% فوصلت الميزانية العامة إلى مستوى قياسي تاريخي مرتفع، قدره 540 مليار ريال سعودي. وفي مايو، أشار وزير المالية السعودي، الدكتور إبراهيم العساف، إلى أنّ المملكة تكافح لضمان الالتزام بالميزانية المعلنة قدر المستطاع. وفي عام 2010، وللسنة الثانية على التوالي، خططت الحكومة السعودية لعجز في الميزانية العامة قدره سبعون مليار ريال سعودي. لكنّ توقعاتنا تشير إلى أنّ حجم الانفاق العامّ سيبلغ في العام الجاري 588 مليار ريال سعودي، ما يعني أنّه سيتجاوز الميزانية بنسبة 9% منها. كما أننا خفّضنا مستوى توقّعاتنا بشأن الفائض المالي لعام 2010، من 4.9% من إجمالي الناتج المحلي إلى 3% منه فقط؛ أو ما يعادل تسعة وأربعين مليار ريال سعودي. وقد يبلغ إجمالي إيرادات الدولة السعودية حوالي 637 مليار ريال سعودي.

هذا، ونتوقّع أيضاً حدوث تراجع طفيف في الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال العام الجاري، علماً أنها تراجعت بمعدّل 73% في عام 2009، لتبلغ تسعة وثلاثين مليار ريال سعودي فقط؛ وهو أدنى مستوى لها خلال السنوات الخمس الماضية. وطبقاً للهيئة العامة للاستثمار، استهدف 69% من الاستثمارات الأجنبية المباشرة مشتقات النفط والموادّ الكيميائية والمقاولات والعقارات. وفي عام 2008، تلقّت المنطقة الشرقية 39% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي اجتذبتها المملكة، بينما تلقّت المنطقة الغربية 30% منها، والمنطقة الوسطى 18%، والمنطقتان الشمالية والجنوبية 2.5%.

مراجعات الناتج الإجمالي للقطاع الخاصّ في عام 2009

رُفع معدّل نمو الناتج الاجمالي لقطاع النقل والاتصالات من 6% إلى 6.9%. ونما هذا القطاع، الذي يساهم بِ7.1% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، بمعدّل 12.1% في عام 2008، كما نما خلال السنوات الستّ الماضية بمتوسّط سنوي قدره 9.3%؛ ما يعني أنّ أداءه كان ضعيفاً نسبياً في عام 2009. ويبدو أنّ قطاع الاتصالات ولّد معظم النمو لأنّ استثماراته أدّت إلى زيادة عدد مستخدِمي الهواتف الجوالة بنسبة 177% في عام 2009، كما ازداد عدد مستخدِمي الهواتف الثابتة والانترنت، ونمت عائدات قطاع الاتصالات بنسبة 7.5%. في المقابل، تراجعت مبيعات السيارات بنسبة 4% في العام الماضي، كما تراجع أداء قطاع النقل عموماً، بما في ذلك أداء شركات الطيران المحلية ذات الأسعار المتدنية.

رفعت الدولة معدّل نمو الناتج الاجمالي الحقيقي للقطاع الصناعي من 1.7% إلى 2.3% بالمقارنة مع 6% في عام 2008. وعبر مساهمته ب12.6% فقط من الاقتصاد الحقيقي، تبين أنّ معدّل نمو القطاع الصناعي تراجع في العام الماضي نتيجةً لركود الاقتصاد العالمي الذي دفع منتجي البتروكيماويات والبلاستيك وسواهما، إلى خفض معدّلات الانتاج بسبب تراجُع الطلب.

رُفع معدّل نمو الناتج الاجمالي لقطاع البناء في عام 2009، من 3.9% إلى 4.7%. وجاء هذا التغيير نتيجة لخفض معدّل نمو الناتج الاجمالي لهذا القطاع في عام 2008، إلى 1.5%، بعدما بلغ 4.5% في عام 2007. أما السبب الرئيسي للنمو السريع لقطاع البناء في عام 2009 الذي يساهم بِ7.2% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي فهو مشروعات البناء الضخمة التي نفّذتها الحكومة. ففي عام 2008، بلغت دورة تجارة العقارات ذروتها وارتفعت تكاليف أعمال البناء، ما كبح رغبة القطاع الخاصّ في تنفيذ مشروعات معمارية جديدة. أما في عام 2009، فإنّ مبيعات الاسمنت ازدادت بنسبة 16% ولم يُصدَّر إلا 3.2% منها فقط. كما أنّ تكاليف مشروعات البناء التي استأنفتها الحكومة وتكاليف البناء ككل انخفضت، ما يُرجّح امكانية حدوث انتعاش نسبي في قطاع البناء.

نما قطاع زراعة الذي يساهم بِ4.8% من الاقتصاد الحقيقي بمعدل 0.6% في عام 2009 أي بنفس المعدل الذي سجّله في السنة السابقة. ونجم هذا النمو المحدود عن مراجعة الأولويات الزراعية، كعملية وقف إنتاج الحنطة، مثلاً. ورُفع معدّل نمو هذا القطاع من 0.2% إلى 0.6% إثر تصحيح بيانات عام 2008.

رُفع معدّل نمو الناتج الاجمالي لقطاع المال والعقارات والتأمين الذي يساهم بِ12.9% من إجمالي الناتج المحلي من 1.8% إلى 3.7%. ونجم بعض هذه الزيادة عن خفض معدّل نمو الناتج الاجمالي لهذا القطاع في عام 2008، من 2.8% إلى 2.4%، فضلاً عن تحديث بيانات أدائه في عام 2009. ويبدو أنّ الجزء الأكبر من هذه الزيادة ارتبط بتحسّن إنتاجية القطاعات التي تدعم إيجاد فرص عمل جديدة للمواطنين السعوديين.

رُفع معدّل نمو قطاع المطاعم والفنادق والبيع بالجملة وبالتجزئة الذي يساهم بِ8.7% من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي من 2% إلى 2.5%، لكنّه ظلّ أدنى بكثير من مستواه في عام 2008، البالغ 6.5%. ويُعزى هذا التدنّي إلى ضعف الطلب على السلع الاستهلاكية وتراجُع حجم وقيمة الواردات والسياحة، بالإضافة إلى اهتزاز ثقة المستهلك.

رُفع معدّل نمو الناتج الاجمالي لقطاع الخدمات الاجتماعية من 3.6% إلى 4%، ما يُعدّ نمواً متسارعاً بالمقارنة مع معدل عام 2008، البالغ 2.4%. وقد يكمن سبب هذا النمو الملحوظ في تنامي طلب السكان المحليين على هذه الخدمات.

نموّ الحوالات المالية للعمّال يضغط على فائض الحساب الجاري

في بعض دول الخليج التي تعتمد بشكل كبير على العمالة الوافدة، لا سيما الإمارات العربية المتحدة، أرغمت الأزمة الاقتصادية العالمية العديد من العمال الوافدين على الرجوع إلى أوطانهم بعدما فقدوا وظائفهم. لكنّ البيانات الأولية حول الحوالات المالية للعمالة الوافدة الناشطة في المملكة تعكس حالة مختلفة عن حالة دولة الإمارات العربية المتحدة، لأنّ الخطّة الرسمية السعودية لتحفيز الاقتصاد المحلي مكّنت البلاد من تفادي الركود الاقتصادي وتسريح أعداد كبيرة من هؤلاء العمال. وفي الحقيقة، ازداد حجم حوالات العمال الوافدين الناشطين في المملكة إلى أوطانهم في عام 2009، بمعدل سنوي قدره 20.3% فوصل إلى 94.5 مليار ريال سعودي، طبقاً لأحدث بيانات مؤسسة النقد العربي السعودي.

وبين عامي 2005 و2009، ازدادت حوالات العمال الوافدين في المملكة إلى أوطانهم بنسبة 84%، وهو ما ينسجم مع الزيادة الكبيرة في عدد تأشيرات العمل الجديدة. ففي عام 2009، أصدرت السلطات السعودية 1.54 مليون تأشيرة عمل جديدة، طبقاً لبيانات وزارة العمل، أي حوالي ضعف عدد تأشيرات العمل الجديدة التي مُنحت في عام 2004. وحدثت هذه الزيادة نتيجةً للنمو الكبير في حجم القوة العاملة في القطاع الخاصّ بعدما وظّفت الشركات السعودية الخاصّة، أعداداً متزايدة من العمال الوافدين على مدى العديد من السنوات السابقة.

انخفاض فائض الحساب الجاري

يتمثّل أحد تداعيات هذا الكم الهائل من الحوالات المالية بالأثر السلبي الذي يتركه على ميزان المدفوعات السعودي. فخلافاً للعاملين السعوديين الذين يحتفظون بمعظم ثرواتهم داخل المملكة وينفقون الكثير من أموالهم داخلها، يُحوّل الوافدون، في الغالب، جزءاً كبيراً من مداخيلهم إلى الأوطان الأم بغرض الادخار وتأمين معيشة أُسرهم. وتمثّل الحوالات المالية مصدراً مهماً للعملة الصعبة بالنسبة للدول المستوردة للنفط، مثل الهند وباكستان ومصر، كما تُعتبر أحد المصادر الخارجية للتنمية ومكافحة الفاقة. لكنّ الحوالات المالية الضخمة التي تخرج من المملكة تؤثّر في المستوى العامّ للفائض في حسابها الجاري.

يعكس ميزان المدفوعات ما تدفعه دولة ما إلى الدول الأجنبية لقاء الواردات، بالإضافة إلى الأموال التي تُنقل إلى خارجها، كما يقارن بين مجموع هذه المبالغ ومجموع إيرادات الدولة التي تأتيها من الخارج، بما فيها عائدات التصدير وتدفّق رؤوس الأموال والذهب. وإذا كان مجموع الأموال التي تدخل إلى بلد ما أكبر من مجموع الأموال التي تخرج منه، فإنّ هذا البلد يسجّل فائضاً في حسابه الجاري وهذا يحدث في المملكة العربية السعودية عموماً بفضل صادراتها الضخمة من النفط الخامّ.

إلى حدّ ما، ستُوازي فاتورة الواردات المتزايدة عائدات صادرات النفط والبتروكيماويات. كما أنّ الأموال المتدفّقة إلى الخارج (خصوصاً الحوالات المالية للعمّال) تنمو بمعدلات مرتفعة. إذاً، مع أنّ التصدير سيكون قوياً نسبياً في عاميّ 2010 و2011، نرى أنّ هناك عوامل عديدة تؤثّر سلباً في ميزان الحساب الجاري السعودي، خصوصاً أننا نتوقع أنْ يربو حجم الحوالات المالية للوافدين على عشرة مليارات ريال سعودي سنوياً خلال السنتين المقبلتيْن.

بالتالي، قرّرنا خفض مستوى توقعاتنا لحجم الفائض في الحساب الجاري السعودي في عام 2010، إلى 120.72 مليار ريال سعودي، أو 7.5% من إجمالي الناتج المحلي، بينما نتوقع أنْ يرتفع هذا الفائض في 2011، إلى 139.55 مليار ريال سعودي، أو 7.6% من إجمالي الناتج المحلي. وهذا الفائض أكبر بكثير من مستواه في عام 2009 (85.37 مليار ريال سعودي) الذي خفّضته مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في أبريل بعدما كان تسعة وتسعين مليار ريال سعودي. ويُشير هذا التعديل إلى أنّ تكاليف الواردات فاقت المستوى المتوقع أصلاً.

تقلبات النشاط التجاري وافتقار الواردات إلى الزخم في الربع الأول

بلغت قيمة الواردات السعودية في العام الماضي 324 مليار ريال سعودي، ما يُمثل تراجعاً بواقع 14% بالمقارنة مع مستويات عام 2008، وارتفاعاً بنسبة 6% بالمقارنة مع مستويات عام 2007، طبقاً لبيانات مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات. وتشير البيانات الأولية لمصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات حول النشاط التجاري في عام 2010، إلى أنّ الواردات تتحسّن بحذر، مع أن شهر فبراير سجّل انخفاضاً بنسبة 5.7% بالمقارنة مع نفس الشهر من العام الماضي، بينما سجّل شهر مارس نمواً نسبياً ضئيلاً قدره 1.2%.

ويُعزى انخفاض قيمة واردات شهر فبراير إلى تراجع واردات المكائن والأجهزة الالكترونية، التي ارتفعت بعض الشّيء في مارس بالتزامن مع نمو ملحوظ في واردات السلع الغذائية.

وفي منتصف عام 2009، حيث أحجم التجار عن إعادة تجديد مخزوناتهم، شهدت الواردات تراجُعات نسبية كبيرة بالمقارنة مع السنة السابقة وصل بعضها إلى 25%. لذا، فإنّ بيانات واردات عام 2010، لا تزال قوية بالمقارنة مع بيانات عام 2009، مع أنّها أدنى بكثير من المستويات القياسية لعام 2008.

ميزان المدفوعات

في العام الماضي، أدى انخفاض معدّلات نمو صادرات المملكة ومجمل اقتصادها إلى تراجُع مدفوعاتها إلى الدول الأخرى لتغطية الخدمات بنسبة 3% مع أن الاتّجاهات ضمن هذه الفئة كانت متفاوتة:

تراجعت خدمات النقل بنسبة 28% بسبب الانخفاض العامّ في أعداد المسافرين وعمليات الشحن وحجم الواردات، الذي قلّص المدفوعات التي ذهبت إلى خارج المملكة.

قفزت تكاليف خدمات السفر بنسبة 39% بسبب ارتفاع فاتورة السعوديين المقيمين في الخارج بنسبة 24%. ويمكن إرجاع ذلك إلى تكاليف تعليم ومعيشة الطلاب السعوديين الذين يواصلون تعلّمهم في الخارج في إطار برنامج الملك عبدالله للمِنح الدراسية.

الدخل: تراجعت العائدات الصافية للاستثمارات بنسبة 5.4% في عام 2009، ووصلت إلى أربعة وثلاثين مليار ريال سعودي بسبب انخفاض الاستثمارات المباشرة وتراجع عائدات الكيانات الرسمية والخاصّة بنسبة 35%. أما محفظة الاستثمار في الديون والأسهم، فقد انخفضت قيمة أصولها بنسبة 0.7% فقط بفضل انتعاش أسواق الأسهم العالمية منذ ربيع عام 2009.

حوالات الحسابات الجارية: أشارت بيانات الحسابات الجارية إلى تدفّق الأموال من خارج المملكة إلى داخلها خلال السنوات القليلة الماضية بسبب جلب كميات ضخمة من الأصول الاحتياطية، بالإضافة إلى الاستثمارات المباشرة. كما انخفض حجم الاستثمارات المباشرة التي قامت بها الكيانات السعودية في الخارج إلى ثمانية مليارات ريال سعودي في عام 2009، في مقابل ثلاثة عشر مليار ريال سعودي في عام 2008؛ بينما قفزت قيمة المحافظ الاستثمارية من 6.1 مليار ريال سعودي، إلى 74.1 مليار ريال سعودي في عام 2009. وتتمثّل الاسباب الرئيسية لهذه التطورات بارتفاع قيمة الأصول الخارجية للبنوك ولكُبرى الشركات البتروكيمياوية المحلية ولشركة أرامكو السعودية.

وسجلت المقايضات الأجنبية في إطار محفظة الاستثمار في الديون تدفق 8.3 مليارات ريال سعودي إلى المملكة في عام 2008، وخروج عشرين مليون ريال سعودي منها في عام 2009. واستثمر عملاء البنوك حوالي 36.7 مليار ريال سعودي في الخارج في عام 2009، أي قرابة أربعة أضعاف ما استثمروه في عام 2008. وفي الحقيقة، يوضّح مجموع الأخطاء والأرقام التي تسقط سهواً مجمل التناقضات الاحصائية التي تظهر عند جمع مثل هذه البيانات. ففي عام 2007، بلغ مجموع الأموال التي لم تُحتسب سهواً أو خطأً 58.5 مليار ريال سعودي لكنّ هذا المجموع قفز بأكثر من الضعف في عام 2009، حيث وصل إلى 136 مليار ريال سعودي؛ إلا أننا نتوقّع أنْ ينخفض هذا المجموع بشكل كبير في المستقبل القريب كما حدث بين عاميّ 2005 و2007.