الفروسية في الوجدان العربي وارتباطها بالحب

الفروسية في الأصل فن ركوب الخيل (الفرس) ومعناها الحرفي مشتق من (الافتراس) الذي هو القتل ببراعة وشجاعة في الحروب، ولكن معناها الحقيقي أشمل وأجمل من ذلك بكثير، فهي تعني قيماً أخلاقية راقية كالشهامة والنبل ونصرة الضعفاء والترفع عن الدنايا والتحلي بمكارم الأخلاق.وفي مأثورنا الشعبي مثلان أو قولان الأول يقتصر مدلوله على الفروسية بمعناها الحرفي - بل الدوني الوحشي - وهو قولهم:

«كن ذئبا»

والثاني يدل على الفروسية بمعناها الأشمل والأجمل وهو قولهم:

«كن رجلاً»

والله لابوج لها الطريق لعيون براق النحر (راكان بن حثلين)

والفارق بين القولين في وضوح الشمس، فالأول يدعو للظلم والاستلاب ويمجد القوة بالحق والباطل، والثاني يدعو للتحلي بمكارم الخلال والأخلاق وفي مقدمتها الشجاعة والشهامة والعدل والانصاف والمروءة والوفاء.. حتى في الحروب هناك قواعد وشروط للفروسية كاحترام العدو وعدم التقليل من شأنه، والوفاء بالعهد والوعد والبعد عن الغدر، والعفو عند المقدرة، وعدم التعدي والجور والظلم، والا تكون الغنائم المادية هدفاً للفروسية والفرسان بل هو الدفاع عن العرض والنفس والأوطان بكل بسالة وشهامة وشجاعة.. مع عدم التفريط في أصول الأخلاق حتى والدماء تسيل. والعرب يمجدون الفروسية تمجيداً بالغاً، ويرونها سنام المجد والسؤدد، فهم بطبعهم وتأثير ببيئتهم القاسية أشداء أقوياء لا يصبرون على الظلم ولا يقبلون الضيم ويكرهون العار ويحرصون على الأخذ بالثأر (قبل ان يوحدهم الإسلام ويجعلهم على الشريعة الغراء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلاّ هالك فيها الحدود والفروض والواجبات بما ينظم المجتمع) وقد حض الإسلام على مكارم الأخلاق ونبل النفوس والعزة والوفاء بالعهود والوعود والرفق بالضعفاء والانتصار من الظالم - بالعدل - وحرم الظلم والاعتداء ونظم الحياة الراقية كما لم يحدث من قبل ولا من بعد.

وكثيراً ما ترتبط الفروسية في الشعر العربي والشعبي بالمرأة والحب لتتكامل صورة (فارس الأحلام) في ذلك الزمان، وفي كل زمان، وان كان زماننا هذا (فارس الأحلام) فيه هو من يقدم على طبق من ذهب لا على فرس أبيض وخلق شهم.. مع الأسف. ومن أجمل شعر الفروسية قول عنترة بن شداد (من معلقته الشهيرة):

«أثني عليّ بما علمت فإنني

سمح مخالطتي إذا لم أظلمِ

فإذا ظلمت فإن ظلمي باسلٌ

مر مذاقته كطعم العلقمِ (١)

هلا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ

إن كنتِ جاهلة بما لم تعلمِي

يخبرك من شهد الوقيعة أنني

أغشى الوغى وأعف عند المغنمِ

فأرى مغانم لو أشاء حويتها

فيعيدني عنها الحيا وتكرّمي

ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها

قيل الفوارس ويك عنتر أقدم

لما رأيتُ القوم أقبل جمعهم

يتذامرونَ كررتُ غيرَ مذممِ

يدعون عنتر والرماح كأنها

اشطان بئرٍ في لبانِ الأدهمِ

مازالتُ أرميهم بثغرةِ نحره

ولبانه حتى تسربل بالدمِ

فازور من وقع القنا بلبانهِ

وشكى إليّ بعبرةً وتحمحمِ

لو كان يدري ما المحاورة اشتكى

ولكان لو علمَ الكلامَ مكلمي»

وقول عمرو بن معد يكرب:

«ليس الجمال بمئزرٍ

فاعلم وان رديتَ بردا

ان الجمالَ معادن

ومناقب اورثنَ مجدا

اعددتُ للحدثانِ سا

بغةً وعداءً علندا(٢)

نهداً وذا شطبٍ يق

دَ البيضَ والأبدانَ قدا

كل امرئٍ يجري إلى

يوم الهياج بما استعدا

لما رأيتُ نساءنا

يفحصن بالمعزاءِ شدا (٣)

وبدت لميس كأنها

بدر السماء إذا تبدى

وبدت محاسنها التي

تخفى وكان الأمر جدا

نازلت كبشهم ولم

أر من نزال الكبش بدا»

وللشاعر الفارس راكان بن حثلين ، أشعار كثيرة في الفروسية ولكننا نكتفي - في هذه العجالة - ببيتين له سارا في موروثنا ورددهما كثيرون.

«يا سابقي ما من صديق

جميعن والثالث بحر

والله لابوج لها الطريق

لعيون براق النحر» (٤)

أما الشاعر بداح العنقري فكان من أمراء (ثرمداء بالوشم) عام 1119م وجاء مقطان البدو حول ديرته (حيث يقطن البدو في عز الصيف بجانب الحضر بحثاً عن الماء والتمر ويبيعون السمن والاقط، وكان بداح طويلاً جميلاً فنظرت إليه فتاة بدوية وأعجبها شكله ثم قالت بصوت سمعه (زين الحضر تصفيح) أي مجرد مظهر، فتبسم ولم يقل لها شيئاً، ثم أغار قوم على حلال هؤلاء البدو المجاورين له وسلبوه فحلقهم الفارس بداح العنقري برجاله وأدبهم وأعاد لجيرانه البدو حلالهم وقال: (ويقال انه تزوج فيما بعد تلك الفتاة التي وجه لها الأبيات):

«الله احد ياما غزينا وجينا

وياما ركبنا حاميات المشاويح

ويا ما على اكوارهن اعتلينا

وياما ركبناهن عصير ومراويح

وراك تزهد يا اريش العين فينا

تقول خيال الحضر زين تصفيح

الطيب ما هو بس للظاعنينا

مقسمٍ بين الوجيه المفاليح

البدو واللي بالقرى نازلينا

كلن عطاه الله من هبة الريح»


(١) باسل هنا: كريه (٢) علندا: قوي ضخم (٣) المعزاء الأرض الصخرية (٤) أبوج: أشق