تابعت عناوين الصحف المحلية وهي تتحدث عن حفل تخريج الدفعة الثانية من برنامج الابتعاث لخادم الحرمين الشريفين والذي اقيم يوم السبت الماضي في واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية ويالها من أيام تجري سريعاً فقد كان لي شرف المشاركة في حفل تخريج الدفعة السابقة كخريج أولا وعضو في لجنة التنظيم الخاصة بالحفل ثانيا. خالجتني مشاعر كثيرة وأنا اتذكر ما كان يدور في خاطري خلال جلوسي على مقعد الخريجين قبل سنة من الآن، واحببت أن ادون تجربتي مع الافكار وتطورها من لحظات التخرج إلى يومنا هذا بعد سنة في أرض الوطن.

 التخرج كان نهاية وبداية في نفس الوقت فهو نهاية المرحلة الدراسية وبداية للمرحلة العملية ومن الطبيعي أن يكون هناك تخوف كبير من هذا التحول. فمن ابرز هموم المرحلة العملية هي مسألة المستقبل المجهول بخلاف الحال في المرحلة الدراسية التي يكمن النجاح فيها في جد الطالب واجتهاده واجتياز للامتحانات الموسمية. هذا الاختلاف بين المرحلتين يسبب حنينا للمرحلة الدراسية وبساطة طريقة المعيشة خلالها سيشعر به كل من تخرج وبدأ مرحلته العملية. الحياة الدراسية بالرغم من معاناتها لا تزال واضحة المعالم من حيث التحصيل العلمي، أما المرحلة العملية فالمسألة مختلفة حيث يبدأ الخريج رحلة البحث عن مستقر ومكان يحقق فيه طموحاته وهي مسؤولية شخصية تحتم على صاحبها اختيار افضل الخيارات المتاحة. وهنا تبرز نقطتان مهمتان للغاية في هذا المجال أولاها أهمية أن يملك الخريج نظرة مستقبلية لما يريد أن يكون عليه حتى يتمكن من اختيار ما يتناسب مع قدراته ويساهم في تحقيق طموحاته المستقبلية فالفعالية والنجاح تكمنان في أن يتوفق الشخص في اختيار ما لا ينبغي عليه أن يقوم به وليس العكس.

قد يتساءل البعض من الخريجين عن ماهية هذه الخيارات ويستغرب قولي هذا لأن لديه نظرة سوداوية تجاه الفرص المتوفرة في المجتمع فالمثبطون يتحدثون ويتكلمون في كل اتجاه ولكني وبعد سنة من العودة من الولايات المتحدة أقول لهم بأني أقر بأن هناك صعوبات تنموية في بلادنا وأننا بحاجة للتطوير في مجالات عديدة لكن هناك عملاً جاداً فعلا لمواجهة هذه الصعوبات وتحقيق التنمية في كافة المجالات العلمية والتقنية والمعرفية ولهذا فالفرص المتاحة للخريج أو الخريجة الراغبين في الانتاج بأرض الوطن كثيرة جدا ولكني اعتقد أن البحث عن الفرص المناسية يحتاج لنظرة ايجابية يؤمن الخريج من خلالها بأهمية وضع لبنة في بناء الوطن ومستقبله تحصد ثمرتها الأجيال القادمة، فالتنمية السريعة التي تمر بلادنا تحتاج لكوادر ذات خبرات وقدرات للمساهمة فيها وهذا يتطلب أن يعمل كل خريج وخريجة على أن يكونوا جزءا من هذا العمل الجاد من خلال تحديد رؤيتهم لمستقبلهم والتعرف على مواطن الابداع في داخلهم. هذه النظرة ستسهل لهم عملية البحث عن الفرص واختيارما يتلائم معها وأود هنا أن أشير لأن العمل المنظم الدؤوب الذي شاهدته في وطننا بعد عودتي إليه اكبر بكثير مما كنت اتصوره اثناء دراستي في الولايات المتحدة.

 تذكر كتب القيادة وطرق التفكير العملي بأن نظرتنا للمجتمع من حولنا هي انعكاس لافكارنا ولما هو في داخلنا وليست انعكاسا للوضع الحقيقي للمجتمع ولذا اعتقد أن من سيركز في نظرته على ارقام البطالة والاشاعات التي لا تعرف صحتها من عدمها سيصبح شخصا سلبيا لا هم له إلا البكاء على اطلال الحياة الدراسية في أمريكا لكن من سيركز على مشاريع التنمية والخيارات الكثيرة المتاحة في شتى المجالات ويحاول من خلال هذا التركيز تنمية قدراته ومهاراته بما يتلاءم معها سيصبح شخصا ايجابيا يصنف تحت من يوقد الشموع في الظلام بدلا من أن يلعنه. سلوكيات كل شخص في النهاية هي انعكاس لطريقة تفكيره ونظرته للأمور ولذا أقول لاخوتي واخواتي الخريجات ألف مبروك على التخرج وبداية طريق الحياة العملية، طال انتظار الوطن لكم ولخبراتكم التي اكتسبتموها اثناء الدراسة فليفكر كل منكم عما يمكن تقديمه للوطن وليكن هو التغيير الذي يريد أن يراه في العالم فالله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

*استاذ مساعد بقسم الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسبات (تخصص طبية حيوية)

جامعة الملك عبدالعزيز بجدة

الطالب الدولي المميز لجامعة بتسبرج بولاية بنسلفانيا للعام 2008

عضو سابق في لجنة الدعم والمساندة للأندية الطلابية في الملحقية الثقافية بواشنطن