تحل اليوم الذكرى الخامسة لمبايعة خادم الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ملكاً على البلاد، ومبايعة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان بن عبدالعزيز ولياً للعهد، وذلك في وقت تشهد فيه المملكة العديد من التحولات والتغيرات على كافة المستويات، حيث ترجم خادم الحرمين الشريفين الملك عبداللّه بن عبدالعزيز - حفظه اللّه - ما تضمنه خطابه التاريخي الذي ألقاه لدى توليه مقاليد الحكم في مثل هذه الأيام قبل خمس سنوات من مضامين هامه إلى اسلوب وسياسة عمل على أرض الواقع منذ الأيام الأولى من بداية عهده - أيده اللّه - حتى الآن.

ميثاق وعهد بين الراعي والرعية يحقق لزوم الجماعة وحماية مصالح الأمة وصلاح البلاد والعباد

وتمثل ذكرى البيعة مناسبة عزيزة على قلوب كافة أبناء هذا الوطن يسترجعون فيها ما شهدته بلادهم من تقدم ونمو وما تحقق من منجزات متواصلة على مدى تاريخ المملكة الذي شهد مبايعات تاريخية متعاقبة لملوك وقادة هذه البلاد.

«الرياض» تستعرض في هذا التقرير مفهوم البيعة وأحكامها وتاريخها ومضامين الخطاب الملكي الضافي الذي ألقاه خادم الحرمين لدى توليه مقاليد الحكم في البلاد بعدالبيعة المباركة والتاريخية التي شهدتها العاصمة الرياض وكافة مناطق المملكة..


الملك عبدالله يلقي كلمته التاريخية لأبنائه المواطنين بمناسبة البيعة

مفهوم البيعة

البيعة هي عقد من طرفين بين الحاكم والرعية، يتضمن التزام الحاكم إقامة الدين وتطبيقه وسياسة الدولة وعقد بالتزام الرعية بالسمع والطاعة، ولكل من الطرفين واجبات وحقوق كفلتها الشريعة الإسلامية، قال الله تعالى: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجراً عظيماً). ويقول ابن كثير في تفسير الآية: أي أن الله ماض معهم يسمع أقوالهم، ويرى مكانهم، ويعلم ضمائرهم وظواهرهم، وللبيعة ثمار على الفرد والمجتمع حيث تحقق لزوم جماعة المسلمين في التزام البيعة وعدم مفارقة الجماعة والمحافظة على المصالح العامة والخاصة إلى جانب أن عقد البيعة فيه صلاح الناس والبلاد ووقاية المسلمين بأنفسهم من الفتن، كذلك دخول المسلمين في ساحة الأمان والنجاة من الوعد الشديد في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية» (رواه مسلم).

الملك عبدالله: أعاهدكم أن أتخذ القرآن دستوري والإسلام منهجي وأن يكون شغلي الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة

والبيعة ميثاق وعهد ووضع اليد في اليد بقصد البيعة هي ميثاق غليظ، وعهد مسؤول: «إن العهد كان مسؤولًا» وهي واجبة على الرعية كلها، من باشرها بوضع اليد فقد أعلن وباشر، ومن لم يمكنه ذلك فبايع باللسان أينما كان، ومن لم يمكنه ذلك فيعقد النية في قلبه على ما بايع عليه جماعة المسلمين، ليدخل تحت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة أئمة المسلمين، ولزم جماعتهم، فإن الدعوة تحيط من ورائهم» (أخرجه الترمذي).

البيعة في التاريخ الإسلامي

وبالعودة لتاريخ البيعة كانت أول بيعة في تاريخ المسلمين هي بيعة الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية وبيعة الشجرة، ولكن تلك المبايعات كانت لنصرته صلى الله عليه وسلم وليست للخلافة، أما أول بيعة للخلافة فهي مبايعة أبي بكر الصديق بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأول تطبيق لنظام البيعة في العصر الحديث كان على يد الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب عندما اتفقا على تأسيس الدولة السعودية الأولى انطلاقاً من تجديد الدين وإقامة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة الإسلامية.

وفي تاريخ البيعة في المملكة العديد من النماذج والمحطات المهمة التي شهدها تاريخ هذه البلاد، ويقدم الدكتور عبداللطيف بن محمد الحميد الأستاذ المشارك بقسم التاريخ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية نماذج حية من تاريخ المملكة في سلاسة انتقال الحكم.. ففي عام 1179ه / 1765م توفي الإمام محمد بن سعود رحمه الله، وبويع ولي عهده الإمام عبدالعزيز بن محمد، وجرت البيعة من قبل الخاص والعام حاضرة وبادية، وبعد استشهاد الإمام عبدالعزيز بويع ابنه الإمام سعود سنة 1218ه /1803م، ويقول المؤرخ ابن بشر في هذا الصدد: (فقام الناس فبايعوه خاصتهم وعامتهم وعزوه بأبيه، ثم كتب إلى أهل النواحي نصيحة يعظهم ويخبرهم بالأمر ويعزيهم ويأمرهم بالمبايعة وكل أهل بلد وناحية يبايعون أميرهم لسعود)، وبعد وفاة الإمام سعود سنة 1229ه /1814م بويع ولي عهده ابنه عبدالله من جميع الرعايا البادية والحاضرة ووفدوا عليه من كل حدب وصوب.


البيعة ترتكز على قواعد مرعية مستمدة من الشريعة الإسلامية

وفي الدولة السعودية الثانية نماذج أخرى حية لاستقرار الحكم السعودي وثباته وفق أصول إسلامية وتقاليد عريقة فتمت بيعة الإمام فيصل بن تركي سنة 1250ه /1834م بعد استشهاد والده الإمام تركي بن عبدالله في الرياض، وفي اليوم الذي توفي فيه الملك عبدالعزيز رحمه الله سنة 1373ه /1953م بويع ولي عهده الأمير سعود ملكاً على المملكة، ثم في عام 1384ه /1964م اجتمع مجلس الوزراء والشورى برئاسة الأمير خالد بن عبدالعزيز وبايع الأمير فيصل ملكاً للمملكة العربية السعودية استناداً إلى خطاب موجّه من أسرة آل سعود ومن العلماء ثم تتابعت البيعة من أفراد الشعب، وفي عام 1395ه/1975م استشهد الملك فيصل رحمه الله وبويع ولي عهده الأمير خالد بن عبدالعزيز ملكاً على البلاد، والأمير فهد بن عبدالعزيز ولياً للعهد، ثم بويع الأمير فهد ملكاً بعد وفاة أخيه الملك خالد يوم الأحد 21 شعبان 1402ه/1982م، والأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولياً للعهد، وبعد انتقال خادم الحرمين الشريفين الملك فهد إلى رحمة الله في السادس والعشرين من جمادى الآخرة 1426ه، الموافق الأول من أغسطس 2005م بويع ولي العهد الأمير عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله - ملكاً للمملكة العربية السعودية، وبويع الأمير سلطان بن عبدالعزيز - حفظه الله - ولياً للعهد.

ومن هنا يتضح العمق التاريخي الأصيل لمسيرة البيعة وسلاستها في العهد السعودي عبر تاريخنا العربي المعاصر أنموذجاً مثالياً للتعاليم الإسلامية الكريمة تظهر بجلاء سمات البيعة القائمة على أسس عظيمة وقواعد مرعية وأعراف خالدة تستمد العون والرشاد من التعاليم الربانية والسنة النبوية وسيرة السلف الصالح من الخلفاء والملوك والأمراء والولاة على امتداد تاريخنا الإسلامي.

الخطاب الملكي

يجد المتابع لخطابات البيعة لملوك المملكة التأكيد على التمسك بكتاب اللّه وسنة نبيه منهج حياة في كل صغيره وكبيرة، حيث اتسم خطاب البيعة للملك عبداللّه بالتأكيد على السير على النهج الذي سنة مؤسس المملكة واتبعه من بعده أبناؤه الكرم معاهداً اللّه ثم الشعب باتخاذ القرآن دستوراً والإسلام منهجاً وأن يكون شغله الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين بلا تفرقة.

ويظهر خطاب خادم الحرمين خلال البيعة مبادئ الملك عبداللّه في العمل وفي الحكم والسياسة التي سينتجها حيث يرى المواطن في زيارات خادم الحرمين التفقدية للمناطق لتلمس احتياجات أبنائه المواطنين والاطلاع على أحوالهم وفي قراراته التاريخية ومشاريعه التي أطلقها - أيده اللّه - خلال الفترة الماضية ترجمة صادقة وواضحة وسريعه لما حواه خطاب البيعة من تأكيدات وسياسة عمل للمرحلة المقبلة.


قصر الحكم شاهد على مراسم البيعة لقادة هذه البلاد تتجسد فيه معاني الوحدة في أبهى صورها

وفي كلمته - حفظه اللّه - التي وجهها وقال خادم الحرمين الشريفين للمواطنين والمواطنات بمناسبة البيعة:

بسم اللّه والحمد اللّه والصلاة والسلام على رسول اللّه

أيها الاخوة والابناء المواطنون والمواطنات السلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته..

اقتضت ارادة اللّه - عزّ وجل - أن يختار إلى جواره أخي العزيز وصديق عمري خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود - تغمده اللّه برحمته وأسكنه فسيح جناته - بعد حياة حافلة بالاعمال التي قضاها في طاعة اللّه - عزّ وجل - وفي خدمة وطنه وفي الدفاع عن قضايا الامتين العربية والإسلامية.

في هذه الساعة الحزينة نبتهل إلى اللّه - عزّ وجل - أن يجزي الراحل الكبير خير الجزاء عما قدمه لدينه ثم لوطنه وأمته وأن يجعل كل ذلك في موازينه وأن يمن علينا وعلى العرب والمسلمين بالصبر والأجر.

أيها الأخوة..

انني اذ أتولى المسؤولية بعد الراحل العزيز وأشعر أن الحمل ثقيل وأن الامانة عظيمة أستمد العون من اللّه - عزّ وجل - وأسأل اللّه سبحانه أن يمنحني القوة على مواصلة السير في النهج الذي سنه مؤسس المملكة العربية السعودية العظيم جلالة الملك عبدالعزيز آل سعود - طيب اللّه ثراه - واتبعه من بعده أبناؤه الكرام - رحمهم اللّه - وأعاهد اللّه ثم أعاهدكم أن اتخذ القرآن دستوراً والإسلام منهجاً وأن يكون شغلي الشاغل احقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة ثم أتوجه إليكم طالباً منكم أن تشدوا أزري وأن تعينوني على حمل الأمانة وألا تبخلوا علي بالنصح والدعاء.

واللّه أسأل أن يحفظ لهذه البلاد أمنها وأمانها ويحميها ويحمي أهلها من كل مكروه ولا حول ولا قوة الا باللّه العلي العظيم.. والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته.

خطة عمل

ويرى المراقبون أن الخطاب التاريخي للملك عبداللّه بمناسبه البيعة يعد خطة عمل للمرحلة المقبلة وعند قراءة مضامين هذا الخطاب تظهر مبادئ الملك عبداللّه في العمل وجاء تأكيده، رعاه الله، على خدمة المواطنين كافة بلا تفرقة ليشمل بذلك الإصلاح الجميع رجالاً ونساءً وفي جميع المناطق، وفي قوله أعاهد اللّه أولاً ثم أعاهدكم أن اتخذ الِقرآن دستوراً والإسلام منهجاً تأكيد وإعلان للعالم باستمرار هذه الدولة على نهج المؤسس على الرغم من الهجمات الشرسة التي تواجهها وعلى الرغم مما يحاك ضد الإسلام، وأن المملكة لن تحيد عن ذلك مهما كان، ومما تضمنه خطاب البيعه أيضاً تأكيده - رعاه اللّه - على أن يكون شغله الشاغل إحقاق الحق وإرساء العدل وخدمة المواطنين كافة بلا تفرقة وفي ذلك دلالة على مواصلة طريق الإصلاح في البلاد على مختلف النواحي وتأكيد العدل بين أفراد الشعب دون تفرقة.

ويؤكد كثيرون أن وجود الملك عبداللّه في مركز صناعة القرار عندما كان ولياً للعهد وملازماً للملك الراحل خادم الحرمين الشريفين الملك فهد - رحمه اللّه - طوال المرحلة الماضية التي شهدت أحداثاً عديدة داخلية وخارجية إلى جانب توليه للمسؤوليات في فترة مبكرة من حياته خصوصاً في عهد الملك فيصل - رحمه اللّه - وقبل كل ذلك ما كسبه من خبرة وصفات نادرة من والده المؤسس - طيب اللّه ثراه - أكسبته الحكمة في معالجة الأمور وتحمل المسؤوليات والمهمات الصعبة والحنكة والشجاعة والإيمان الراسخ الذي سيكون الدافع الحقيقي له في تسيير دفة البلاد إلى الأمام، ما يعطي الكثيرين الاطمئنان باستمرارية الحكم السعودي على نفس النهج الذي انتهجه المؤسس وبنفس الطريقة الفريدة التي سير بها بلاده وشعبه لتحتل بها موقعاً مهماً بين دول العالم الأمر الذي يساعد على ترسيخ الاستقرار السياسي في البلاد والمنطقة ودفع عجلة الاقتصاد فيها ومواصلة دعم المشاريع التنموية ومشاريع التطور بما يخدم ويلبي حاجات المواطنين امتداداً للنهضة المباركة للبلاد التي شهدتها في عهد الملوك الذين سبقوه - رحمهم اللّه جميعاً - كما تعطي مبادئ الملك عبداللّه في العمل دلالات على ما يختزنه في ذاكرته من قيم ومبادئ ورثها عن والده وعمل بها.