في موازاة احتفاء بيروت بالشاعرة والفنانة التشكيلية إيتل عدنان بدعوة من "مسرح المدينة"، أعادت دار نشر تاميراس نشر كتابين للمؤلفة هما "في قلب قلب جسد آخر" (قدمها المخرج ناجي صوراتي ضمن الاحتفالية المشار إليها، وكان قدمها في وقت سابق في إطار نشاطات الجامعة اللبنانية الأمريكية في العاصمة اللبنانية) ورواية "الست ماري روز" التي تحكي عن الحرب الأهلية في لبنان، كما صدر لعدنان كتابان جديدان عن دار التوباد في تونس نقلهما إلى العربية خالد النجار، وذلك بعد صدور الترجمة العربية لكتابها "رحلة إلى جبل مونتالباييس"، بترجمة أنيقة ومتأنية تحمل توقيع الكاتبة والجامعية اللبنانية أمل ديبو.

لا تكتب إيتيل عدنان الشعر والنثر بالكلمات فقط بل بحضورها المتجلّي وبنزعتها الإنسانية التي لا تفصل الجمال عن تصوّرها للعدالة ومناهضة الظلم. وتأتي الكتابة هنا من المكان الأرحب. من الثقافة الموسوعيّة وخبط أجنحتها التي لا تعرف الحدود.

المعرفة عند إيتيل عدنان تنبع من العطش إلى المعرفة. من العطش العارم ينبجس الينبوع. ما تكتبه إيتيل، في الآونة الأخيرة بالأخصّ، يقترب من الصمت. وهي تعرف أنّ ما تسعى إلى قوله شعراً يتعذّرُ قولُه. لا يكفي أن تتحوّل الأشياء إلى كلمات حتّى تُفصِح عن أسرارها. ومع ذلك، فإنّ بعض الكلمات يوقظ الأسرار النائمة في الأشياء، ويفتح نافذة نحو مشهد آخر.

مسافرة إيتل عدنان. بين الهويّات واللغات والجغرافيا. متجدّدة دائماً في سفرها. تتنقّل بين كاليفورنيا وباريس وبيروت كمن يتنقّل بين ثلاث غُرَف داخل منزل واحد. وبقدر ما تتغيّر الزوايا التي ترى منها إلى مشهد العالم، تنجلي صورة هذا المشهد ويصبح أكثر وضوحاً. وهي تعرف أنّ الفكرة الواحدة، ولأنها واحدة، طاغيةٌ ومستبدّة ومولِّدة للعنف، حتى لو كانت صحيحة.

ضدّ الاستبداد هي إيتل عدنان مهما كان نوعه. وهي بهذا المعنى تنتمي إلى الموقع الذي تبطل فيه المسافة بين الأجناس والأديان واللغات. وهذا ما يكسبها مزيداً من التسامح حيال الذات والعالم.

تكتب إيتل عدنان الحبَّ والحرب، وتكتب الطبيعة. من الحرب الأهلية في لبنان" في روايتها "الستّ ماري روز"، إلى رسائلها "إلى فوّاز" وهي رسائل إلينا جميعاً، ومن مأساة جنين إلى جبل مونتالباييس، ثمة حركة واحدة توائم بين الإنسانيّ والجماليّ. بين لُغز الغرائز وسحر الطبيعة.

في مقهى "الروستان"، قبالة حديقة "اللوكسمبور" في باريس، نلتقي مرّةً أخرى من جديد. نجلس هناك أمام عازف الناي الحجريّ حيث يستكينُ قليلاً دورانُ الأرض. أثناء الحديث، نلتفت إليه ولا نراه. لا نرى في العادة ما يصبح جزءاً من العين.

ثمة حديقة أخرى- لكن من الكلمات- تعرف إيتل كيف تصوغها وتعتني بها. نأتي إليها مخفَّفين من الوقت والأعمار، نصغي إلى إيقاعها الخفيّ ونستسلم لإغوائها.

ذات يوم، أطلعتني على الرسوم التي تمثّل الجسور العائمة فوق نهر "الهَدسُن" في مانهاتن. وحين وجدتُ نفسي بالفعل أمام تلك الجسور لم يعد بإمكاني أن أراها إلاّ بالصيغة التي اقترحتها مخيّلتها ووجدتُها الصيغةَ الأنسب للواقع، لأنها، ككلّ إبداع، تُخرج الواقع من محدوديّته، توسِّع آفاقه وتطلقه في فضاءات مفتوحة على اللانهائي.

تنتمي إيتل عدنان إلى عالم شعريّ وفنّيّ أصبح في أيامنا هذه نادراً ونائياً. لكن أليست هذه الندرة بالذات هي ما يجعله أكثر بهاءً وأكثر قيمة؟ في أيامنا هذه حيث يعلو، في أحيان كثيرة، مديح الابتذال وتمجيد القبح، تظلّ إيتل من تلك القلّة التي تنحاز إلى الضوء الذي ينير ويكشف لا ذاك الذي يبهر ويعمي.

مع الشعر تعيش إيتل عدنان، أي مع ما لا يمكن تدجينه وتحويله إلى سلعة، ومع ما يُعلَن عنه يومياً أنّه أصبح في عداد الموتى، ومن قال إنه لا يموت أمام أعيننا. واستمرار العيش مع الشعر اليوم هو ضرب من المغامرة. لكن هناك حقيقة أخرى وراء المشهد الظاهر.

يقول جلال الدين الرومي: "الجوهرةُ تحت الأنقاض"، مما يعني أن مشهد الخراب المنتصر لا يمكن أن يختصر صورة العالم في زماننا الراهن. وهذا ما تدركه إيتل عدنان بحدسها وكتابتها. وهذا ما يجعل الكتابة أيضاً فعل أمل وثقة متجددة ودائمة بالحياة.

الشرق في عيون الفنانين الغربيين

المعرض الذي يقام حالياً في مركز "أركوريال" في باريس يضمّ أعمالاً لعدد كبير من الفنانين المستشرقين ويعكس الاهتمام الذي توليه صالات العرض الأوروبية للفنانين الرحالة الذين زاروا الشرق في القرن التاسع عشر واستوحوا الكثير من أعمالهم من مشاهداتهم خلال تنقّلهم بين المدن التاريخية كالقاهرة واسطنبول ومراكش.

يركّز المعرض على العوامل التي ساهمت في تشجيع الفنانين الأوروبيين على القيام بزيارة الشرق، ومن تلك العوامل حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 واكتشاف الحضارة الفرعونية. ولقد لعب العلماء الفرنسيون الذين رافقوا بونابرت دوراً أساسياً في اكتشاف هذه الحضارة وسجّلوا دراساتهم حول الحضارات التي تعاقبت على أرض مصر في كتاب بعنوان "وصف مصر". أما العالم الفرنسي شامبليون فيعود له الفضل في فك أسرار اللغة الهيروغليفية بعد العثور على الحجر المعروف بحجر رشيد. ثم جاء احتلال فرنسا للجزائر عام 1830 وقد توافد العديد من الفنانين الفرنسيين إلى الجزائر والمغرب وكان من أشهرهم في القرن التاسع عشر الفنان أوجين دولاكروا الذي يعدّ من كبار فناني تلك المرحلة وأحد ممثلي التيار الرومنطيقي. هناك أيضاً العوامل الروحية والثقافية ومنها عاملان: الشرق مهد الأديان التوحيدية، وترجمة الآداب الشرقية وبالأخصّ "ألف ليلة وليلة" إلى اللغتين الفرنسية والإنكليزية.

يضمّ المعرض أعمالاً متفاوتة الأحجام لفنانين يتمتّع بعضهم بشهرة كبيرة ومنهم الفرنسي جاك ماجوريل الذي كان منذ البداية مأخوذاً بالدول المتوسطية وزار اسبانيا وإيطاليا ثمّ استقرّ في مراكش عام 1917 حيث اشترى منزلاً تحوّل بعد وفاته إلى متحف. وعكست لوحاته انبهاره بطبيعة المغرب وعمارته المحلّية.

نتعرف في المعرض كذلك على نتاج الفنان إيدي لوغران الذي فتنه نور الشرق. ومنذ عام 1933 استقر في مراكش وصار صديقاً لماجوريل وعبّر في لوحاته عن الطبيعة المغربية التي رسم وديانها وجبالها بأسلوب حرّ وتلقائي بعيداً عن المدارس الفنية التي كانت سائدة في أوروبا خلال النصف الأول من القرن العشرين.

بعض الفنانين كان يعتمد نهجاً أكاديمياً تقليدياً، وبعضهم الآخر كان مجدّداّ لعبت أعماله دوراً في ولادة أساليب فنية جديدة لم يعرفها الفن الغربي من قبل. يأتي في مقدّمة هؤلاء الفنان دولاكروا الذي شكّلت رحلته إلى المغرب عام 1832 تحوّلاً ليس فقط في نتاجه بل في مسيرة الفنّ الفرنسي في تلك المرحلة. لقد تمرّد الفنان في لوحاته المستوحاة من المغرب على القواعد الكلاسيكية التي تفصل بين الرسم واللون مركّزاً على تموّجات الضوء مما مهّد للمدرسة الانطباعية في الفنّ والتي أحدثت ثورة في مسيرة الفن الأوروبي.

تعكس الأعمال المعروضة في "أركوريال" تنوّع أساليب الفنانين المستشرقين إذ نشاهد أعمالاً لفنانين أكاديميين كالفنان الاسباني خوسيه هيريرا الذي زار المغرب مرّتين عام 1920 وعام 1923 حيث استقرّ في الدار البيضاء حتى وفاته عام 1972. ركّز على رسم النساء والأعياد والتجمّعات الشعبية. هناك أيضاً الفنان الفرنسي إتيان دينيه الذي اختار الجزائر وطناً ثانياً له فتعلم العربية واعتنق الإسلام وسمّى نفسه ناصر الدين دينيه. وعلى الرغم من الطابع الأكاديمي للوحاته فإنها تكتسب طابعاً وثائقياً لأنها سجّلت جوانب عديدة من مشاهد الحياة اليومية في مدينة بوسعادة الجزائرية كما عبّرت عن الطبيعة بأبهى صورها.


إيتل عدنان