هناك من يقول إن تردي الحياة الثقافية العربية جانب من سياق عام لتردي الحياة العربية عامة وعلى كل الأصعدة فلماذا ننعى على الثقافة وحدها؟ وأنا لست مع هؤلاء تماما، لأننا لو سلّمنا بما يقولون فعلى من نعلق آمالنا في تحريك الحياة باتجاه الأفضل ؟ هو زعم يضع نتاج الفكر كإفراز لتقدم الحياة وينفي عن المفكرين حقهم في الريادة حتى وإن تخلفوا عن الدور، فضلا عن أن التعميم يسلب من بعض الجوانب الايجابية في الحياة العربية اشراقاتها الظاهرة.

وهناك فريق آخر يرى أن الحياة الثقافية العربية تعيش فترة ازدهارها وانما نحن الذين لا نرى. هؤلاء يقولون إننا تقليديون ورجعيون حين نشكو الواقع الثقافي العربي، ويرون أن "مفهوم " الثقافة قد تغير ونحن لا ندري. لم تعد الثقافة امتيازا نخبويا بل حقا شعبيا، ولم تعد هي الكتاب والقصيدة والرواية ونظرية النقد والفلسفة والموسيقى والتشكيل فهذه كلها اهتمامات قضى عليها زمن الفضاء حيث التمّ العالم كله على شاشة تلفزيون وشاشة كمبيوتر، حل محل الثقافة التقليدية ثقافة الالمام بأسماء لاعبي الكرة في العالم وأشهر المطربين حتى لو كانوا يغنون بحنجرة حمار، وأجمل الممثلات حتى وإن كن ينافسن فتيات الكابريهات، وأحيانا يداخل هذه الثقافة اهتمام بسيط بالأحداث السياسية دون تبني شيء منها. هم ببساطة يرون أن الثقافة قد انتقلت من زمن التحرير والتدوين الى زمن الشفاهية السريعة، والا لماذا أصبح سعر اللاعب بالملايين وسعر الكاتب بالمجان؟ وهؤلاء أيضا يرون أن ثقافة هذا العصر الجديد تتميز بالشمول والابداع، سل أي طفل عربي عن ترتيب الفرق الرياضية في العالم سترى أنه انطلق في التصنيف والتقييم كأستاذ متخصص وأبدى رأيه في أداء الفرق ومظالم حكام المباريات، فلماذا نضن على هذا الطفل العربي البارع بعرفانٍ بثقافته وذكائه؟ ولهؤلاء رؤية مستقبلية تقول ان مادة " الورق " ستنتهي بانتهاء الكتاب المقروء ، واحلال المسموع محله، وباستبدال البحث على النت بدوائر المعارف التقليدية القديمة، وباستخدام أقراص الليزر المدمجة لأغراض التسجيل والتوثيق بدلا من الدفاتر التي عفا عليها الزمن.

هل هذا هو واقع الحياة الثقافية خارج المنطقة العربية أيضا؟ المتشائمون يقولون هذا وضع زجت اليه الشعوب العربية ليسهل السيطرة عليها خارجيا وقيادتها داخليا.

التأمل الدقيق لكل ما سبق، ودون غضب أو احتجاج أو تبني مواقف مسبقة قد يضع بين أيدينا عدة حقائق:

1 – أن دورا خطيرا لعبته الفضائيات في احلال ثقافة الغوغاء محل الجادة وفي القضاء على الكتاب.

2 – أن الغالبية الغالبة من الفضائيات العربية نشاط تجاري، تضع إداراتها أول همومها كسب قاعدة عريضة من المشاهدين لتساوم بهذه الوضعية راغبي الاعلان، مما جعلها في النهاية تنافس على التفاهة والمتعة الرخيصة.

3 – أن عدة ملايين قد لا تتجاوز نصف ما ينفق على مباراة خارجية يمكن أن تُشترى بها صفحة كاملة من صفحات التاريخ لتسجل لهذا البلد أو ذاك أنه وتحت قيادة زعيمه قد أعاد للثقافة العربية عصرها الذهبي من خلال مشروع ثقافي جاد له مستشاروه من المثقفين المخلصين الذين يحددون له المسار، شريطة أن يكون المشروع خدميا بالكامل لا يسعى الى أي ربح، وقد يكون ذلك المشروع قناة فضائية ثقافية يمنع فيها الاعلان المدفوع، والبلد الذي سيستبق الآخرين اليها سيكون هو الذي ألقى الحجر في المياه الراكدة وحركها فاحتل وحده صفحة التاريخ، وأظن المملكة هي أول الدول المرشحة لهذا السبق إن أفادتها النصيحة.