على الرغم من كثرة دراسات الأمن، فإن قليلا منها درس مشكلاته، وأقل من ذلك ما جمع في دراسته بين التنظير والتطبيق، أما ما غاب كلياً فهو دراسة مشكلات الأمن باستخدام نموذج تحليلي نظري قياسي عام، يصلح لكل أحوالها، ويناسب كل أنواعها.

ونظراً إلى عدم توافر تفسير مقنع لغياب هذا النموذج، فقد جاءت هذه الدراسة لتصميم نموذج تحليلي نظري قياسي عام لمشكلات الأمن، يمكن استخدامه لدراسة كل أنواع هذه المشكلات وتحليلها، مما يمثل شرطاً أساسياً وأولياً لصحة الاحتمالات بشأنها، التي تتحدد وفقاً لها المعالجات المناسبة لهذه المشكلات، على مستوى الأهداف والقدرات والوسائل والأساليب.

إن طبيعة أية مشكلة، تحددها طبيعة موضوعاتها والعناصر المكونة لها؛ لذا نجد أن تحديد تلك العناصر هو الخطوة الأولى لتصميم الأداة اللازمة لدراسة المشكلات التي ترتبط بتلك العناصر وتنتج منها، إضافة إلى تحليلها، ولذلك أيضاً ابتدأت الدراسة بتحديد طبيعة «الأمن» بوصفه موضوع هذه المشكلات، ثم عرضت الكثير من مفاهيمه، لتستخلص منها الأركان الأساسية العامة للمفهوم النظري القياسي العام للأمن، والقابل للتطبيق على كل مفاهيمه وسياساته العملية في أي زمان ومكان، ومن المفهوم النظري للأمن وأركانه تم استخلاص العناصر النظرية العامة المكونة له. وبتطبيق نموذج تحليل العناصر المكونة لهذا المفهوم ومشكلاته، أمكن دراسة هذه المشكلات وتحديد أنواعها وتحليلها.

يتضمن المفهوم العام والشامل المقترح للأمن القومي المبادئ النظرية العامة والثوابت القيمية المشتركة بين مفاهيمه المتعددة، وهي:

  • إن الأمن القومي مفهوم نظري «مبادئ وقيماً» يؤسس لنشاطات عملية «وظائف وسياسات» ويحدد طبيعتها وتوجهاتها.

  • إن مبادئ الأمن القومي النظرية وثوابته القيمية وما يتأسس عليها وينجم عنها من وظائف وسياسات عملية تصاغ نظرياً وتنفذ إجرائياً انطلاقاً من قيم الدولة وظروفها واحتياجاتها ومصالحها وأهدافها وقدراتها، مع مراعاة الاحتمالات المتعلقة بالمتغيرات الداخلية والخارجية، وضغوطها السلبية، وتسهيلاتها الإيجابية.

  • إن مبادئ الأمن القومي وثوابته هي جوهر السياسة العليا للدولة ومحورها، وهذه السياسة هي المخطط الاستراتيجي العام لتلبية متطلبات الأمن القومي للدولة، وإنجاز أهدافه العملية، وتحقيق التكامل والتنسيق بين سياساته التنفيذية وآلياته الإجرائية واحتمالاته التقديرية.

وفي ضوء هذه المبادئ فإن الصيغة المفاهيمية للأمن القومي تفيد أن: الأمن الوطني - القومي هو جملة المبادئ والقيم النظرية والأهداف الوظيفية والسياسات العملية المتعلقة بتأمين وجود الدولة، وسلامة أركانها ومقومات استمرارها واستقرارها، وتلبية احتياجاتها، وضمان قيمها ومصالحها الحيوية، وحمايتها من الأخطار القائمة والمحتملة داخلياً وخارجياً، مع مراعاة المتغيرات البيئية الداخلية والاقليمية والدولية.

وعلى الرغم من اختلاف خصائص الدول وقدراتها واحتياجاتها وأهدافها، فقد افترضت الدراسة اتفاقها على المبادئ النظرية الأساسية العامة لأمنها القومي، المتمثلة في حماية وجود الدولة وسلامة أركانها ومقومات استمرارها واستقرارها، وضمان قيمها ومصالحها، وتحقيق أهدافها، فأصبح الجمع بين وحدة المبادئ النظرية العامة واختلاف الصياغات المفاهيمية والسياسات التطبيقية الخاصة سمة مميزة للأمن القومي نظريا وتطبيقياً.

واقتضت الأغراض الخاصة بهذه الدراسة، الانطلاق من المبادئ النظرية العامة، لصوغ مفهوم عام وشامل للأمن القومي، يناسب كل الأحوال والمقتضيات، ويكون لتطبيقاته العملية وسياساته التنفيذية مضمون إجرائي واحد، هو تلبية المطالب الأمنية المتماثلة للدول، من خلال وضعها في صورة أهداف - وظائف للأمن القومي، تتولى السياسة العليا للدولة تنفيذها بواسطة السياستين الداخلية والخارجية، كل واحدة منهما بحسب اختصاصها، وفي نطاق نشاطها، وباستخدام كل منهما للقدرات والوسائل والأساليب المتاحة.

ولأن الدولة لا تطبق مفهومها للأمن القومي في فراغ، بل في مواجهة الدول الأخرى ومفاهيمها الأمنية أولاً، وفي مواجهة وحدات النظام الدولي الأخرى ومبادئها وأهدافها وسياساتها ثانيا، فإنها تواجه مشكلات شتى، بعضها تكون هي مصدره وبعضها مصدره الوحدات الدولية الأخرى، وفي الحالتين، فإن تصدي الدولة لهذه المشكلات، بما تنطوي عليه من تهديدات جزئية أو كلية، يعد ضرورة حيوية لازمة لتحقيق أمنها وضمانه.

أما النموذج التحليلي المقترح لمشكلات الأمن القومي، فقد تم تصميمه على أساس أن وحدة المبادئ النظرية العامة للأمن القومي لدى كل الدول توحد لديها مكوناته البنيوية مفاهيمياً وتطبيقياً في كل الأحوال، وتتضمن هذه المكونات كلاً من: الأهداف، والقدرات، والوسائل، والأساليب، والاحتمالات، والمعالجات.

وعلى هذا الأساس تكون هناك ستة أنواع أساسية من المشكلات التي تواجهها مفاهيم الدول لأمنها القومي وتطبيقاتها الوظيفية، وكل نوع من تلك المشكلات ناتج من الاختلال الجزئي أو الكلي في أحد المكونات البنيوية السابقة، وهذه المشكلات هي: مشكلات الأهداف، و مشكلات القدرات، ومشكلات الأساليب، ومشكلات الاحتمالات، ومشكلات المعالجات.

والمجموع الإجمالي لهذه المشكلات، هو ما نطلق عليه «مشكلات الأمن القومي» التي لابد أن تؤخذ بمنظور مركب، من حيث إنها إما أن تكون ناتجة من اختلال المكونات الخاصة بالوحدات الدولية الأخرى، أو كليهما معاً.

وإذا كانت المهمة الأولى المستهدفة للإنجاز من خلال النموذج التحليلي المقترح هو توصيف مشكلات الأمن القومي وتحديد أسبابها، فإن مهمته الثانية هي تحديد مستويات معالجة هذه المشكلات ووسائلها وأساليبها، انطلاقاً من أن لكل معالجة مستويين: إما جزئي - تكتيكي، أو كلي - استراتيجي، ولكل مستوى منهما دواعي استخدامه، وإيجابياته وسلبياته، وأفضل ما يمكن تحقيقه في هذا الشأن هو الجمع بين إيجابيات المستويين، وتجاوز سلبياتهما، وكلما أمكن ذلك، أما وسائل معالجة المشكلات وأساليبها، فليست بالشيء المبتكر ولا الجديد، لأنها هي ذاتها وسائل تنفيذ الأهداف الوظيفية للأمن القومي وأساليبه، لكنها تستخدم في كل منهما للأغراض الخاصة بالسياق التنفيذي الذي يتم استخدامها فيه.

لقد تم التركيز في هذا النموذج التحليلي على طبيعته العامة والشاملة التي تؤهله لدراسة مشكلات الأمن القومي في كل الدول وفي شتى الظروف وتحليلها، أملاً في جعله أداة تحليلية قياسية عامة يمكن للباحث الأكاديمي والسياسي التنفيذي استخدامها في كل زمان ومكان، وعلى الرغم من إدراك الطابع النظري المجرد لهذا النموذج، فإن ذلك لم يكن عائقا أمام تصميمه ولا مانعاً من الدعوة لاستخدامه، فالنماذج النظرية المجردة، متاحة تقريباً في كل الحقول النظرية والعملية للحياة الإنسانية، وتتراوح استخداماتها بين الوصف والتفسير والتحليل والتنبؤ، وهي مفيدة على أي حال، فماهو خاطئ منها أيضا - مفيد بقدر ما يساعد على تصميم النماذج التحليلية الصحيحة.

وإذا لم يكن بالإمكان الجزم بصحة النتائج التي انتهى إليها هذا النموذج، فهناك على أقل تقدير امكانية للجزم بتمييز المنظور الذي استخدمه في معالجة موضوعه، وجدة الاسلوب الذي اعتمده لتأسيس المقدمات واستخلاص النتائج، أما صحة النماذج التحليلية ومقدار صلاحياتها وفائدتها العملية، فمرهونة بتطبيقها والنتائج المستخلصة منها، لتبقى التجربة العملية في النهاية أفضل المعايير وأكثرها حياداً وموضوعية.

وعند دراسته لموضوع الأمن القومي، استعرض المؤلف مسألتين مهمتين تتعلقان به بشكل مباشر في الوقت الراهن، وهما تحدي العولمة، وانعكاسات الأحداث التي شهدها العالم مؤخراً.

ففي موضوع العولمة ناقش المؤلف أبرز مقولاتها وأهم ركائزها وهي دعوى أن دور الدولة الوطنية - القومية قد انتهى، وأن هناك ضرورة لاستبدال أشكال جديدة للسلطة السياسية بها تكون أقرب إلى روح العولمة وقيمها، وأقدر على تلبية احتياجاتها والاستجابة لأهدافها، أي اقامة أنظمة حاكمة أقل رغبة في معارضة هذه الروح أو أقل قدرة على مواجهتها، ونتيجة لضغوط العولمة، وجدت الدولة القومية - الوطنية نفسها أمام مشكلات جديدة أخطرها: اختراق السيادة، وتناقص القدرة، والتخلي - طوعاً أو كرهاً - عن الكثير من وظائفها، فازداد عجزها عن رسم سياسات مستقلة وتنفيذها، واخفاقها في ضبط نشاطات الشركات العابرة للقومية، أو السيطرة على حركة الأفكار والمعلومات والأفراد والأموال والسلع والتقنيات.

إلا أن كل ذلك لم يضع نهاية حاسمة لوجود الدولة، ولا لأدوارها الفاعلة في الحياة الإنسانية، لذلك فإن كل المفاهيم والنشاطات المنبثقة من الدولة أو المرتبطة بوجودها - وفي مقدمتها مفهوم الأمن وتطبيقاته - ستظل هي الأخرى موجودة وفاعلة بوجود الدولة وفاعليتها، الآن، وفي المدى المنظور.

أما بالنسبة للمسألة الثانية، فإن ما يمكن استخلاصه من الأحداث الذي شهدها العالم مؤخراً، وبخاصة هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي تعرضت لها الولايات المتحدة الأمريكية، والحروب التي تلتها، الدروس الآتية:

1 - تأكيد الأهمية المطلقة لقضايا الأمن وأولويتها التي لا تنازع عليها في جداول العمل الإنساني.

2 - سقوط نظرية الأمن المطلق، بشكل كامل ونهائي، حتى بالنسبة إلى الدول الكبرى أو العظمى كالولايات المتحدة الأمريكية.

3 - ازدياد عدد مصادر التهديدات والمشكلات الأمنية، وتغير نوعيتها لتشمل ايضاً: الجماعات الصغيرة، والأفراد الذين أصبح بمقدورهم خرق جدار الأمن وتهديده.

4 - اتساع نطاق التهديدات الأمنية، وازدياد درجة خطورتها، بعد أن أصبحت أسلحة الدمار الشامل الكيميائية والبيولوجية - وربما النووية مستقبلا - في متناول كل الراغبين في استخدامها، إذا كانوا قادرين على دفع أثمانها.

5 - إمكانية امتداد الردود الوقائية والانتقامية على أسباب التهديدات أو المشكلات الأمنية ومصادرها إلى ما هو أبعد من المسؤولين الفعليين عنها، لتشمل أيضاً كل المتهمين بايوائهم أو مساعدتهم.

6 - قدرة الدول العظمى والكبرى، بل الدول الصغيرة التي تتمتع بدعمها وحمايتها، على استخدام قدراتها المادية والمعنوية لتحقيق أهدافها الأمنية، أو الرد على التهديدات التي تواجهها، وتنفيذ السياسات اللازمة لذلك، بحجج تتراوح بين حماية الأمن القومي، وحماية الأمن والسلام الدوليين، أو باستخدام مفاهيم غير محددة الدلالة كمفهوم «الشرعية الدولية» أو «محاربة الارهاب» مثلا.

وفي ضوء هذه الدروس، ونتيجة لها، استعادت قضايا الأمن ومشكلاته موقع الصدارة من جديد، بعد أن تخلت عنه لموضوعات أخرى، قيل الكثير عن أهميتها، ثم أثبتت الوقائع في النهاية أن الأمن يبقى أول احتياجات الإنسان وأكثرها حيوية وضرورة، الأمر الذي يفسر الاهتمام الواسع والمكثف الذي حظي به مطلب الأمن، بوصفه مرادفا لحماية الحياة، ومساوياً لاستمرارها.