هذه المقالة هي استمرار لجزء ثان، غير متسلسل، لمناقشة خواطر تشغل فكري النقدي الموسيقي حول شؤون تخص اتجاهات التلحين العربية ما بين تقليدي أو (نقلاني) وحداثي أو (عقلاني)، ومعضلة المغني - الملحن التي تطال نوعية صوت صاحبه وتعاونه مع أصوات، نسائية بالأخص، ينتمي أو تنتمي إلى ذات الخط الغنائي التقليدي أو الحديث، ما بين نسائية ورجالية، هنا أتناول عملاً بين كاظم الساهر وأسماء المنور، عبر الذهاب إلى معاينة الشخصية الفنية للأول ومؤدي عمل صوتها فيما يتعدى الحدود الفنية: غنائية كانت أو موسيقية، إلى علائقها الفن - اجتماعية.

أقنمة فريد الأطرش

٭٭ ربما لم يغب عن عين كاظم نفسه وهو راسم طريقه الفني في خطوات كبرى ومتسعة جداً، منذ شريطه: «سلامتك من الآه - 1994م»، أنه يعيد أقنمة بورتريه أو أيقونة فريد الأطرش (1915- 1974م) الأقنوم بمعنى: التشخصن والتأقنم، أي: التشخيص والتمثل لفريد الأطرش من جديد إنما بصيغة تخصه وحده - دون تأثر موسيقي مباشر - لأنه سوف يكون شأن الملحنين والمغنيين اللبنانيين: ملحم بركات ومرسيل خليفة، إنما هو يعيد أقنمة صورته عبر حالة تغرب الأطرش عن موطنه (جبل العرب - السويداء) ومناداته بالوحدة والعروبة، وطرح موضوعات الغناء التي تتصل مباشرة بما قدمته ذروة الرومانسية الشعرية العربية منذ الثلاثينات حتى الستينات خاصة نصوص: الأخطل الصغير، المحتفي بجمالية الفتنة بين طرائق التعبير الغزلي ومماهاتها بالمثاقفة الاجتماعية سواء بتلبيس ملفوظاتها الدينية من جهة ومن أخرى احتواء أحلام ملفوظاتها السياسية، وصولاً بالشعر المرسل (المنوع القوافي) إلى أقصى احتمالاته الشعرية كتابة كما يتجلى في الأولى عند فريد الأطرش: «عش أنت - 1972م» (فيلم: زمان يا حب) أو «غناء العرب - 1948م» (فيلم بلبل أفندي) كذلك الحال إنما انطلاقاً من نصوص الشاعر نزار قباني التي تصادم موروثات العقل العربي الذي احتشى عثمانياً من جهة ومن أخرى حطامه العروبي سواء في التركيز على وخز أعين العقل العربي بالشعرية السياسية المباشرة أو بدفع اشكالية خازنة سر الوجود العربي: المرأة، وتجليها المربك الأم المباركة - العشيقة الملعونة متبنياً تجليات الحداثة العربية في تشكيلاتها المتنوعة من الشعر الحر في نوعيه شعر التفعيلة الذي يتحرر من رابطة الشعر الغنائي القديم (الشعر التناظري)، وقصيدة النثر التي كشفت سقوط الذائقة العربية أسر عفوناتها (كل عام وأنت حبيبتي 2001م، مجموعة: أبحث عنك) كما هي مختارات أخرى من شعره عند كاظم الساهر في: «إلاّ أنت - 1998م» (مجموعة أنا وليلى) أو أغنية شاركته فيها المغنية البريطانية سارة برايتمان: «انتهت الحرب - The war is over 3002» (مجموعة حافية القدمين).

٭٭ إذا ذهبنا إلى محاولة كشف طرائق التلحين عند كاظم الساهر، فهو يتخذ الاتجاه الحداثي إنما في صيغته الشمولية أو الاندفاعية، أو ان نشرحه بطريقة أخرى: يختار درب المعاصرة اللحنية لا من ناحية مصادمة المألوف الغنائي في عصره ومعطياته بل من ناحية مسك العصا من منتصفها، حين لا يهمل الموال العراقي وطرائقه المألوفة إنما يقدمه موائماً صوته ومتخيراً شعراً يعانق «فجاءة العاطفة العراقية» في حديثها عن الأشياء الحميمة: «أبوس روحك» (حافية القدمين - 2003م) أو صدمة الاجتماعي كالملاعنة في مواله العنيف التعبير وقليل الشهرة: «لابوك لا بو من ترجى حنانك - 1994م» (مجموعة: اختاري) عوض ان الأغنية الخفيفة لا تغيب في نماذج كثيرة اشتهر منها مؤخراً: «دلع - 2002م» (مجموعة قصة حبيبين)، كذلك لا يهمل القصيدة التي سوف يتجرأ في أحد أشرطته ان يكون معظمه باللغة العربية الميتة (أي المكتوبة)، وهي مجموعة: «حبيبتي والمطر - 1999م».

٭٭ ربما نتيجة استماع لكثير من أعمال كاظم الساهر، خاصة تلاحينه للقصيدة الفصحى يقترح تحويلها إلى بطاقة فرح كما هي تذكار الحزن ربما ذلك تأثراً وتجاوباً جاء عن مقارئة لنصوص نزار قباني حيث يتضح في لحنيه لقصيدتي نزار قباني: «زيديني عشقاً - 1996م» (مجموعة: في مدرسة الحب) وكذلك: «هل عندك شك؟ - 2003م) (مجموعة: حافية القدمين)، محاولة التوصل إلى صيغة لحنية تستفيد من العناصر التي قدمها محمد عبدالوهاب في قصائد: «الجندول - 1941م»)، (شعر علي محمود طه)، كذلك «كليوبترا - 1944م» (لنفس الشاعر) في مسألة الارتكاز على جملة عماد لحنيه تتكرر وتقوم على محاورتها ضمنياً لوازم موسيقية داخل الأغنية في التقدمة أو النهاية أو بين المقاطع النهائية إضافة إلى ذلك لم يغب عن بال كاظم الساهر ما قدمه محمد الموجي في لحنيه البارزين لصوت عبدالحليم حافظ والمتمايزين في قائمة أعماله: «رسالة من تحت الماء - 1973م» والآخر: «قارئة الفنجان - 1976م» (لاحظوا أنها أشعار نزار قباني)، حيث لن يغيب في نظرة سطحية لأثر الثاني بشكل واضح في أعمال كاظم الساهر إضافة إلي ذلك يطرح دوماً في أعماله الكبيرة الحجم مفهوماً احتفائياً، وهذا ما أخذه من صورة فريد الأطرش التي ابتدعها في أوركسترا ضخمة واستخدام الكورال في مناطق الصوت من الرأس كما تجلى ذلك في: «حبيب العمر - 1947م» (الفيلم يحمل عنوان الأغنية ذاتها).

٭٭ إذن، لم يغب عن كاظم دروس محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش ومحمد الموجي، حين يتخذ صيغة المغني - الملحن (من عبدالوهاب والأطرش)، وتبني شعر معاصر يتوسل استنطاق الحياة المكبوتة التي تحفل بها مجتمعات إن رغبت الخروج من البئر المهجورة إلاّ أنها تحاسب الا يكون الخروج نهائياً مخافة المجهول ومداهنة للروابط القديمة: عادات وتقاليد أو عقائد. هنا أبرز عيوب خط الاتجاه الحداثي في فرعه الشمولي أو الاندفاعي، معاكساً للفرع الأكثر عدمية في عقلانية وانقطاع بت أمره من لدن من أسسوه ونمذجوه، كما أننا هنا لن نغفل الخط الآخر في الاتجاه التقليدية في صيغته النقلانية سواء بالتوفيقية (رياض السنباطي أشهر أمثلته)، أو التدويرية - التلفيقية كما مر معنا في صورة: يوسف المهنا (زكريا أحمد وفيلمون وهبي نموذجاها العربيان). إضافة إلى الطابع العراقي الذي يتبدى في لهجته الغنائية التي لا تهمل جذورها العراقية شعراً ولحناً: «يا ساكنة حينا - 1994م» (مجموعة اختاري) تعتمد لحناً موروثاً (يردلي يردلي سمرا قتلتيني لسعدون جابر)، كما فعل فريد الأطرش في آخر أفلامه عبر أغنيات شعبية اتخذت طابعاً لبنانياً: «على بالي، بتؤتمر ع الراس - 1969م» شعر: ميشيل طعمة (فيلم: الحب الكبير)، وأيضاً «فوق غصنك يا لمونة، لا كتب ع أوراق الشجر - 1972م» شعر ميشيل طعمة (زمان يا حب)، و«حبينا - 1974م» (فيلم: نغم في حياتي).

٭٭ هنا يأتي السؤال حول: ماذا قدم كاظم الساهر في المصاحبة الغنائية (لأنها ليست حوارية مطلقاً كما لو عولجت تعسفاً) واسماء المنور - شعر: الناصر، في أغنية: «اشكو أياماً»؟

٭٭ إذ أنني لم أستدع رسم صورة لكاظم تتلمس البحث عن جذوره الموسيقية في صيغة المنبع والموروث من جهة ومن أخرى التأقنم الفن - غنائي، كما هي محاولته استدعاء شخصية فريد الأطرش في عصره الحالي، عبر ما يمكن ان نسميه في الإطار الفني: «البرهة الغنائية العراقية» في صيغة عربية الطابع كما هي تلك: «البرهة الغنائية الشامية» التي تركها فريد الأطرش لأربعة عقود من القرن الماضي بين الثلاثينات والسبعينات. كذلك هي في تجديد الشعر العربي هناك أوائل القرن الماضي: «البرهة الجبرانية» من جبران خليل جبران، ومنتصف القرن ذاته هناك: البرهة السيابية بدر شاكر السياب.

٭٭ أما هنا، سنتناول العمل: «اشكو أياماً» (شعر: الناصر، لحن: كاظم الساهر)، في مسألتين:

1- نهج النص الشعري، ضميره ومعناه.

2- نهج النص الموسيقي، خطابه ومغزاه.

٭٭ لعلني ببعض تحايل سوف ينجي هذه القراءة التي تتشفع بأن تجعل من هذا النص ذريعة لتضمين موقفاً نقدياً يطال شخصية كاظم الساهر ليس من خلال تعنته الشديد - له كل الحق - حفاظاً على رسم شخصية يتمناها لذاته الفنية، ولا في خياره الشعري والموسيقي الذي يعود مسؤوليته الكبرى كونه الملحن المحتكر لغالب أعماله ولحنجرته الرائعة (لست من يشجعونه العمل مع سواه).

أشباح نزار قباني

٭٭ موضوعة النص معقودة في حكاية حبيبين، أحدهما خائن (مضمرة في داخل النص) بالطبع هو الرجل، ويشكو بعد أو صدود الحبيبة لها وتراجع نفسها ثم تنطق عن الهوى، بأن ما للحبيبين سوى العودة لبعضهما. هكذا هي القصة، لكن سوف نرتفع إلى طبقة أخرى في النص حول ضمير مخاطبة بين مؤنث ومذكر، الذي توزع على شكل أبيات ثنائية توزعت بحر الكامل، ذا التفعيلة المجلجلة بصراخها وشعورها الاحتفائي، على ان أول جملة في النص تخالف ما أقول: «اشكو أياماً رمتني بالنويش، التي ربما جبرت لأجل دواع لحنية (لا حرج ان تكون حساب كسر خاسر من شاعرها!) فافترضها: «اشكو لأيام رمتني بالنوى»، ليكمل ظني بأنها سليمة على ذات البحر الكامل: «متفاعلن متفاعلن»، ففي أول بيتين يغنيهما كاظم، تنكشف القصة وما توحي بنهايتها في جملة الترجي: «عل الجراح..»، كالتالي:

«اشكو أياماً رمتني بالنوى

ونأت بقلبي عن هواك وعنك

اني أعود متيماً ومعذباً

عل الجراح تنال عطفاً منك»

٭٭ إن استعادة الفعل من حال ضمير المتكلم: «اشكو» إنما بريبة إلى المخاطب: «تشكو..؟» لا تسمح بإعطاء مساحة الحوار إمكانيتها التفاعلية، إذا ما تجاوزنا المتطلب الغنائي وتركيبة اللحن ومسافاته الصوتية والمفترضات التعبيرية التي نحت إلى ما هو أقل في شحنته الدرامية، إنما لم يعل في النص الموسيقي موازياً للنص الشعري سوى الجمل القصيرة النفس والايقاع المسرع في حال خطاب الصوت المذكر والأسرع في حال خطاب المؤنث، وان كان هذا انعكاس للحياة التي يتوهمها الخلق مسرعين بها لا مسرعة بهم - بهن، فإن حال التعاقب السريع التي تكاد تكون العصب الأساسي الذي يقذف بالعمل مفتتحاً بجملة موسيقية مأخوذة من آخر العمل غير مشغولة، تتلظى بنقرات على القانون مخفقة كما توحي بأن حال الحوار بين المؤنث والمذكر غير مجد ولا مثمر، بل كما لو كان انتفى أفضل منه صار، هذا ما يجعلني في غضون استعراض العمل، عبر ما توضح مبدئياً من ضمير ومعنى النص الشعري أو خطاب ومغزى النص الموسيقي، ان أوازي ذلك بما يكمن من مستدعيات على شكل أقانيم ونصوص أو احالات مضمرة في لا وعي النص الشعري والموسيقي معاً. إذ تتأجج تلك الريبة في الخطاب المؤنث نتاج رجوع (أي: رد فعل)، للفعل المذكر الذي أدى للصدود:

«تشكو.. وهل لي ان أصدق عودة

بالشوق تكسوها وبالأعذار

أقلع عن الأوهام والقصص التي

تبغي تدوزنها على أوتاري»

٭٭ في البيت الثاني ما يحيلنا أو يفرعنا إلى عدة أمور: أولها أثر شعري قباني، أي: نزار قباني، والاختيار الشعري الدائم لنصوصه من قبل كاظم (في ذات المجموعة ثلاثة نصوص لنزار قباني: أحبيني بلا عقد، إلى تلميذة وكبري عقلك)، والمغنيات اللواتي غنين من شعر نزار قباني، سوف أخص: فائزة أحمد ونجاة الصغيرة (لنذكر للأولى: «إلى حبيبي - 1972م، وللثانية»: «رسالة من امرأة - 1975م.

٭٭ إن كون الخطاب المذكر يقدم بشكوى من هذا: النوى (لنذكر: زيديني عشقاً لكاظم)، والنار التي تتأجج: أعود متيماً ومعذباً، كما يوهم الخطاب شعوره بالذنب حيالها، لتيذرع الشاعر في البيتين المرصودين لخطاب المؤنث: «تشكو..» بجملتي مجاز ما هما؟ فالأول: «عودة تكسوها بالشوق وبالأعذار»، والثاني: «تبغي تدوزن القصص على أوتاري». لماذا نستخدم المجاز؟ الا أنه كلام تعجزه الصراحة أم ان في استخدامه معنى يتضمن آخر يحفظ من المباشرة في الخطاب والمستهلك من العبارات؟ أي: ان ما لا يقال في خطاب مباشر يلتجئ به إلى ما ليس مباشراً (كالمجاز والتشبيه).

٭٭ هي تواجه: «عودة يكسوها بالشوق والأعذار»، تعبير الكساء يوحي بالمؤنث: الفساتين (حتى فساتيني التي - أيظاً - 1960م لنجاة) المعطف (انزع حبيب معطف السفر - اسألك الرحيلا - 1990م لنجاة، تناول المعطف من أمامي - مع جريدة - 1994م لماجدة الرومي)، رباط العنق (ورباطك المذعور - رسالة من امرأة - 1975م لفائزة أحمد) الأثواب (بأي ثوب من الأثواب - ماذا أقول له - 1965م لنجاة) وإلى شق آخر في هذا المجاز حول التعبير عن: «الشوق والأعذار» الا يحيلنا إلى: «كم اخترت مكاتيباً سترسلها - وأسعدتني ورود سوف تهديها» (إلى حبيبي - 1972م، لنجاة)؟