أريد أن نكون صريحين فلا تأخذنا موجة ادعاء ولا تستولي علينا نوبة اجتراح طالما أننا نخرج من دائرة الخاص وما يرتبط به من انتصار لوجهة النظر والرؤية والقناعة الفردية الى دائرة العام الذي قد يحظى بالاجماع، لأطرح هذا السؤال : ألسنا – كأمة عربية - نعيش زمن السقوط والاضمحلال على صعيد " الثقافة " العربية ؟

سأجيب على الفور بنعم المؤكدة والقاطعة وأترك لك حرية التأمل قبل أن تصدر أحكامك، أما بالنسبة لي فقد جاءت الاجابة العاجلة من عدة قياسات، أولها مراجعة التاريخ بطوله من العصر الجاهلي الى عصر هذا اليوم ومقاربة واقعنا الثقافي بمثيله في أي حقبة سابقة، مثلا كان العصر العباسي أزهى عصور الثقافة العربية.. في الشعر والنقد والموسيقى والعمارة والطب والمنطق والترجمة والقراءة أيضا، وتلك فترة لها من الوهج ما يطفئ نثار الحاضر..

قد يرى أحدنا أن المرء لا يستطيع أن يقيم فترة هو داخل فيها، ويرى أنه ربما يأتي – بعد قرن – من ينصف حياتنا الثقافية اليوم، واذن، ودون إيغال في الماضي القديم لنتأمل واقع الحياة الثقافية العربية منذ قرن أو نصف قرن – تلك فترة لم نكن داخلها - لنرى ما كان فيها وغاب عن حاضرنا..

تلك الفترة القديمة قد سلمت عددا من الرموز العملاقة الى " التاريخ " بايصال واشعار بعلم الوصول.. رموز كانت قد خرجت من قلب ظروف ضنينة من الأدوات وأحيانا من الفقر والعوز لتحتل مواقعها بكل جدارة. مثلا الشيخ " حسين المرصفي " كان يحيط نفسه بدائرة من العسل الأسود على الأرض كي لا يهاجمه " البق " وهو يكتب " الوسيلة الأدبية " ومع أنه كان كفيف البصر منذ الثامنة من العمر، مع ذلك كان الشيخ المرصفي رمزا ثقافيا لا تطاوله قامة وتكفي الاشارة الى أنه تخرج على يديه محمود سامي البارودي، وأحمد شوقي، وحفني ناصف، وغيرهم، وطه حسين ، الكفيف الآخر لا يحتاج الى تعريف، وتأمل رموز الثقافة العربية على امتداد مئة عام وقبل يومنا بربع قرن فقط من العقاد الى الشرقاوي الى حقي الى توفيق الحكيم الى لويس عوض الى محمد مندور وغنيمي هلال والقلماوي والمعداوي والجاسر والسباعي وخليل حاوي وبلند الحيدري ومحمد خضير، وألف اسم من مشرق العالم العربي الى مغربه، هؤلاء الفرسان قد تركوا مواقعهم، فقل لي أنت من المرشحين لشغلها اليوم ؟. أم لأننا نعيش داخل فترتنا فنحن لا نراها وسيأتي من بعدنا من يستخرج منها رموزها؟

عدالة ينبغي أن أعترف بأن جيلنا محظوظ برفاهية ثقافية لم تعرف طرفا منها أجيال سابقة كانت تعاني الأمرين للحصول على كتاب تقطع إليه رحلة على ظهر بعير أو حمار، وكانت لا تتصور أن تخصص جوائز عالمية كبرى للمتميزين، ولم يخطر ببالها أن يكون للأدب جمعية أو ناد أدبي أو هيئة ترعى مصالحهم أو أن ترصد الملايين كجوائز للحض على القراءة، مجرد القراءة، مع ذلك حقق عصر الكفاف رقم المئة وبقي زمن الرفاهية دون الواحد أو الواحد ونصف.

كأنني أريد أن أدلل على شيء يعرفه ويضج به الجميع ضجرا وقد أطلت، فلا أظن أن أحدا لا يدرك أننا على مشارف السقوط في " فترة اضمحلال الثقافة العربية " وأظن أنني أعرف سببا على الأقل للظاهرة وأعرف حلا بالغ البساطة، وإنما أترك السبب والحل للمرة القادمة.