هناك مقولة أو مثل يقول: (وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة). ويعتقد بأن الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت هو أول من نطق بهذه المقولة أو المثل. ويفترض هذا المثل أو المقولة أن الرجل دائماً يكون في المقدمة, والمرأة دائماً تكون في الوراء. أما إذا قلبنا هذه المقولة لتصبح (وراء كل امرأة عظيمة رجل عظيم), فإن المقولة تفقد معناها, وتغدو نوعاً من المجاملة. فهل وضع نابليون بونابرت هذا المثل أو غيره,ليقول للآخرين: إنه ليس رجلاً فقط, بل هو أيضاً رجل.. وعظيم!.

ولهذا فهو يطلب من الآخرين أن يمدحوه مرتين, مرة على رجولته, ومرة لكي يمدحوه على عظمته.

إن هذا المثل أو المقولة يحجب العظمة تماماً عن المرأة ، فالمرأة في هذه المقولة مهمتها الأساسية هي إنجاب العظماء أو تربية العظماء فقط. ولذلك فإن على المرأة أن تحتجب دائما وراء الرجل العظيم, وبالتالي فهي جنس أقل عظمة دائماً من الرجل.

لقد أراد الرجل بهذه المقولة أن يمحو شخصية المرأة العظيمة في كل العصور. والواقع أن الإنسان العظيم لا يكون أبداً وراء من هو أقل عظمة منه. فهذا الشخص لا يوجد إلا في مخيلة بعض الناس, أو أنه شبح خيالي في الحكايات الشعبية والقصص الخرافية!!.

إن العظمة مزية لا تمنح لجميع الناس, إنها شعلة متوقدة في داخل الإنسان الفرد, سواء كان رجلاً أو امرأة ؛ فالعظيم عظيم بنفسه وأفعاله, والعظيمة عظيمة بوجودها وأفعالها. ولاداعي للتأكيد بأن كل امرأة عظيمة تكون وراء كل رجل عظيم, أو أن كل امرأة عظيمة يوجد خلفها رجل عظيم. إنهما شخصيتان مختلفتان ومنفصلتان, ولكن يمكن اتحادهما وتقاطعهما مع بعضهما البعض, والأمثلة على هذا كثيرة.....

ومن الأمثلة على الرجال العظماء الذين لم تقف امرأة عظيمة وراءهم, العالم الفرنسي (لويس باستير). لم يعرف هذا العالم بالذكاء في صغره, وكان معلمه يقول عنه: (إنه ولد وديع رقيق, ولكنه بعيد كل البعد عن الذكاء)!!

لقد أصبح عظيماً بأبحاثه ومكتشفاته. كان ينكب على أبحاثه وتجاربه الساعات الطوال, حتى إنه في يوم زواجه تجمع الناس وانتظروه, وانتظرته عروسه, ولكنه تأخر كثيراً!. وأسرع أحد أصدقائه إلى بيته فوجده عاكفاً على عمله, غارقاً في تفكيره, وبين أنابيبه!!.. فصاح صديقه في غضب: ويحك!! أتنسى انك اليوم عريس!! قال : كلا..كلا.

فماذا تفعل هنا, والناس ينتظرونك, والعروس قلقة تنتظر؟!.

فأجابه: ماذا تريدني أن أفعل؟ أتتوقع أن أترك عملاً لم يكتمل!!.

لقد صادفه الفشل في أبحاثه, وكثيراً ما ذهب تعبه سُدى.. هاجمه كثير من زملائه.. لم ييأس, بل تضاعف حماسه للعمل. لقد توج أبحاثه باكتشافاته العظيمة, وأهمها التعقيم, والتطعيم ضد الأمراض, والتحصين. لقد أنقذ بذلك الملايين من داء الكلب والأمراض السارية دون أن تقف وراءه امرأة عظيمة!!.

لقد كان سقراط فيلسوفاً عظيماً, وكانت وراءه امرأة جاهلة, سيئة الأخلاق وناقصة العقل!! ومن النساء العظيمات كليوباترا التي كانت عظيمة, وكان وراءها رجال أقل ما يقال عنهم إنهم دمى, وعشاق ضعفاء.

إن المقولة يمكن أن تستقيم إذا قلنا إن وراء كل رجل عظيم رجل عظيم, كما أن وراء كل امرأة عظيمة امرأة عظيمة!!....