تكونت شبكة معلوماتية كثيفة أثناء هطول الأمطار الغزير الاثنين الماضي على الرياض , مصدرها المواقع الإلكترونية كتويتر , ورسائل البلاك بيري تناقلها الشباب كخارطة عاجلة تشير إلى المواقع المصابة والمتضررة في بث حي طازج خارج من فرن الأحداث , وبين هذه الشبكة المعلوماتية الساخنة وبين المشهد التقليدي الذي تختزنه ذاكرتنا لمصادر الأخبار حول مذيع القناة الأولى المهندم الذي يتميز بالسمت وهو يقول (هذا وفي النشرة أنباء أخرى متفرقة ....) سيبدو الأمر مختلفاً جدا ومتقاطعاً مع أي نظرية جاهزة حول المعلوماتية.

وقد يأخذ البعض على الأدوات المعرفية الحديثة بأنها تفتقد المصداقية والتوثيق، وخاضعة للإشاعات , ومخترقة من جهات تفتقد المهنية كونها ذات طابع شعبي وانفعالي , ولكنها تستبدل هذا القصور بتوثيق حي وبث مباشر ينقل التفاصيل بناء على قاعدة( ليس من سمع كمن رأى .)

وفي الزمن الذي أصبح فيه شريط الكاسيت يمثل أحفورة متحجرة مقابل جهاز (الآي باد) والذي باستطاعتك أن تقرأ من خلاله كتابك المفضل , وتشاهد أفلاماً عالمية , وتستمع للموسيقى , ومن ثم تقرأ نشرة الطقس ليوم الغد , ممتلكا حزمة معلوماتية غنية خاضعة للمزاج الشخصي وملبية لأسئلة الفضول , ومستجيبة لمغامرة المعرفة , يغدو هذا الجيشان المعلوماتي الذي يتصعد حولنا عاماً إثر الآخر بالتأكيد مزحزحا للسلطة التي كانت تستأثر بها وسائل الأعلام التقليدية , أو تلك المسيسة ذات الطابع الدعائي والترويجي , وقد ينتج عن هذه الخلخلة صراعا مواربا يهدف إلى الاستئثار بمساحات الرأي العام والمصداقية والأولوية .

لكن من سيقنع ابني المراهق بأن الصورة التي استلمها على جواله هي مفبركة أو كاذبة .فالمعرفة بحد ذاتها هي سلطة تتجلى في المبادئ والمفاهيم والرموز. ينفعل بها المستقبل دون وعي وتصبح جزءاً من بنيانه الفكري والنفسي وقد أكد التقرير الثاني للتنمية الإنسانية العربية للعام 2003 المعنون: " نحو إقامة مجتمع المعرفة (أن المعرفة حالة إنسانية أرقى من مجرد الحصول على المعلومات، بل إن المعرفة في عصر التخمة المعلوماتية يمكن أن تضيع في خضم فيضان المعلومات ) .

ومع الشبكة التحتية أو (الشعبية) للمعلومات سيغدو الآن المجتمع الذي كان يميل إلى تمثل المعرفة ضمن سياقات النموذج السائد في المجتمع وتعلقاته السياسية والثقافية والاقتصادية , مترددا في قبول مصادر المعلومات التقليدية الوقورة والحذرة , مقابل شبكة أنفاق تحتية نابضة بالجديد والمدهش والمنطلق من الميدان في كل لحظة .

أيضا المجتمعات ذات الثقافة الآحادية الطابع والبعيدة عن الاختيار الحر , ستحتاج إلى لغة جديدة من الفهم والتقبل والتجديد غير المؤسس لها في ذهنية هذه المجتمعات .

وبالتالي ستصبح هذه اللغة الطازجة الحية النابضة تحديا, إن لم يكن مأزقا لخطاب إعلامي كلاسيكي كان يظن بأنه أحكم قبضته على طيور المعرفة النافرة المنطلقة في آفاق اللامحدود.