اتت إلى العيادة سيدة في الخامسة والثلاثين مع زوجها تشتكي من آلام في منطقة القلب وتزداد هذه الآلام وتنتشر إلى الرقبة والى باطن الذراع الايسر، وكذلك إلى المنطقة المقابلة للقلب من جهة الظهر.. وهذه الآلام تزداد عند انفعالها سواء بتوجيه اطفالها أو مواجهة احدى المشاكل في بيئة العمل أو المنزل، وهي لا تزداد عند المجهود البدني بالمشي، أو بعد الاكل، أو عند التنفس، أو عند تحريك الذراع الايسر، وكذلك لا يغمى عليها عند حدوث تلك الآلام، اما طبيعة تلك الآلام فمختلفة، فبعضها على شكل وخزات، وبعضها على شكل ضغط على القلب، اما شدتها فهي تخف وتزداد من وقت لآخر.. وهي لا تزداد عند الضغط على جدار الصدر، ولا تحدث خلال نومها، اي: بمعنى انها لا تقطع عليها نومها، ومن العلامات المميزة لهذه الآلام انه ليس لها علاقة بالدورة الشهرية، وقد كانت فحوصات القلب الروتينية طبيعية، من تخطيط كهربائي للقلب، وتصوير بالاشعة الصوتية وجهد بالسير الكهربائي.

وكان سؤالها واضحا: اذا كان كل فحوصات قلبي طبيعية، فما سبب تلك الآلام التي اشعر بها؟

وقبل ان أحاول الأجابة عن سؤال المريض، قال زوج المريضة (ترى يا دكتور والله ما فيها شئ... بس تتوهم؟!)... وهذا التصرف ليس مستغربا من بعض مرافقي هؤلاء المرضى، (وهي ظاهرة موجودة في جميع شعوب الارض) عندما يقلل من اهمية ألم القلب عند المرأة ويحكم عليه مسبقا حتى قبل الفحوصات الطبية، وهو بذلك يحاول جاهدا تطمينها، ولكن هذا السلوك في المقابل قد يسبب تأخرا في علاج بعض آلام القلب عند النساء، عندما تكون محتاجة فعلا للرعاية الطبية، فليس كل ألم في صدر المرأة هو من القلب، وليس كل ألم في ذلك القلب هو بسبب جلطة حادة فيه، ولكن يجب الاهتمام بكل ألم في القلب حتى يثبت انه ليس خطيرا على حياة المريض، حاليا أو مستقبلا، ويجب كذلك على المريضة واقاربها عدم اطلاق الاحكام المسبقة على تلك الآلام وترك ذلك للطبيب المختص.. وقد رأيت بعض حالات جلطات القلب تأتي متأخرة إلى الطوارئ بسبب ان المريضة، أو زوجها، أو اخوانها، اعتقدوا ان تلك الشكوى هي ما اعتادوا على سماعه منها خلال الاشهر الماضية حتى اغمي عليها فجأة وهي بينهم على سفرة الطعام.


مرض القلب العصبي هو وجود آلام في القلب ليس لها سبب عضوي

نرجع إلى مريضتنا اعلاه حيث انه من المحير للطبيب وللمريض معا انه حتى بعد البحث الدقيق في آلام العضلات والعظام والجهاز الهضمي، لم نجد سببا عضويا لهذا الالم، ولذلك كان اقرب تشخيص لحالتها هو «مرض القلب العصبي».

حيث كنا نعتقد سابقا ان هؤلاء المرضى مصابون بعصاب القلب cardiac neurosis ولكن اتضح حديثا ان جزء كبيرا من هؤلاء يعاني آلام اجهاد القلب النفسية، فكما ان الدماغ يأتيه الصداع وهو طبيعي، فكذلك القلب قد يحس المريض بآلام فيه، وهو طبيعي وهذا ما يسمى «مرض القلب العصبي» يشابه في ذلك مرض القولون العصبي «حيث يشتكي المريض من آلام وخفقان، وفحوصاته طبيعية تماما هذا المرض (القلب العصبي)somatoform cardiac dysfunction أو مرض العالم داكوستاdacosta syndrome أو قديما كان يسمى «قلب العسكري»soldiers heart، وذلك بسبب الصدمات النفسية التي تلقاها بعض الجنود في الحروب القديمة، اما الآن فنحن نعرف انه من الاعراض العصبية للقلب ومصنف تحت الامراض النفسيه ICD-10 :F45.30)) وليس معنى ذلك ان المرضى المصابين بهذا المرض مرضى نفسيون، وانما يعني ان لديهم آلاما ليس لها سبب عضوي، وذلك في الاعضاء التي يتحكم فيها كليا أو جزئيا الجهاز العصبي غير الإرادي مثل القلب، الرئه، الجهاز الهضمي، الجهاز البولي.. وقد تكثر في بعضهم اعراض القلق والاكتئاب.. وهناك نوعان من تلك الاعراض بالنسبه للقلب:

الأول: ان تكون شكوى المريض بسبب فرط نشاط الجهاز اللارادي ويمكن مشاهدتها: مثل الخفقان، التعرق، الحرارة في اعلى الجسم، الرعشة، الخوف من وجود مرض خطير في القلب.

ثانيا: ان تكون شكوى المريض لا تتعلق بفرط نشاط الجهاز اللارادي ولا يمكن مشاهدتها: آلام ووخزات تتحرك من منطقة إلى اخرى في الصدر وضيقه في التنفس، (ما يدخل هواء كاف إلى الرئتينsigh syndrome) واذا كان الحزن وكظم المشاعر قد يؤدي إلى تعطل احد الاجهزة الحساسة في الجسم (وأبيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) فالقلب لا يقل تأثرا بالانفعالات عن باقي اجزاء الجسم ويختلف درجة تأثره إلى طيف يتدرج من مجرد وخزات وآلام لا تلبث ان تختفي، إلى آلام شديدة تحاكي الجلطة القلبية إلى ضعف بدرجات مختلفة في عضلة القلب stress induced cardiomyopathy إلى انخفاض شديد في الضغط cardiogenic shock.

فما هي الصفات التي يشترك فيها هؤلاء المرضى رجالا ونساء؟ انها باختصار كما هو منشور في الجدول المرفق مع الموضوع.


الضغوط النفسية هي أحد مسببات الآلام فى القلب ولكنها ليست السبب الوحيد

ويحاول بعض الاطباء ان يربط تلك الآلام بأرتخاء الصمام المترالي أو نقص فيتامين د أو عدم اللياقة وان كان ليس هناك دليل محكم وسببي يربط تلك الاعراض بالامراض المذكورة وجودا أو عدما، وبعضهم يحاول استخدام التأثير الوهمي للدواء placebo effect وهو فعال في 40% من هذه الحالات.

وأخيرا يجدر التنويه إلى انه يجب عدم الاسترسال في اطلاق هذا التشخيص على المرضى الذين يشتكون من آلام في القلب، حيث ان تلك الآلام قد تختلف مسبباتها من وقت لآخر في نفس المريض. وأهمال تلك الآلام عندما يكون سببها من شرايين القلب قد تقود المريض إلى حتفه في بضع ساعات.

جدول يوضح الصفات التي يشترك فيها هؤلاء المرضى رجالا ونساء:.

  • غالبا ما تحدث في مرحلة الشباب من العشرين إلى الخامسة والاربعين، وتختفي مع التقدم في العمر ومن النادر ان تحدث فوق الستين سنة.

  • غالبية المرضى لديهم اعراض اخرى مع ألم الصدر: مثل تنميل احد الاطراف، الخفقان، ضيقه في التنفس عند الاجهاد، التعرق الكثير، جفاف في الفم، وهي اعراض الجهاز غير الإرادي في الجسم، خوف شديد من الجلطة القلبية أو الوفاة المفاجئة.

  • غالبيتهم من النساء وان كانت تحدث للرجال

  • بعضهم لديه اعراض من القولون العصبي، أو القلق، أو الاكتئاب، أو الرهاب.

  • انه ليس هناك علاج فعال لتلك الاعراض.

  • انه من النادر ان تسبب لهم هذه الاعراض جلطة حقيقية، أو وفاة وعادة ما يعيشون حياتهم طبيعية.

  • تختفي تلك الاعراض اذا تغير نمط حياة هؤلاء المرضى، أو ابتعدوا عن الجهد النفسي، أو خف عليهم ذلك الجهد لسبب أو لآخر.

  • التمارين الرياضية والمشي يخففان كثيرا من هذه الاعراض.