بعد انتظار دام سبع سنوات منذ بدأ الأديب العالمي نجيب في كتابة ونشر أقاصيصه القصيرة المكثفة «أحلام فترة النقاهة» في مجلة نصف الدنيا المصرية الأسبوعية، وبعد صدور طبعة فرنسية للأحلام (عن دار لو روشيه) وطبعة إنجليزية (عن الجامعة الأمريكية)..، صدرت أخيراً الطبعة العربية من «أحلام فترة النقاهة» لأديب نوبل عن دار الشروق بالقاهرة في 118 صفحة تتضمن 150 حلماً، وهي الأحلام التي كتبها ونشرها محفوظ حتى الآن. وقد كتبت مقدمة الطبعة العربية الأديبة والتشكيلية سناء البيسي، وجاءت الطبعة أنيقة وبسيطة من الناحية الإخراجية والفنية، ومن حيث تصميم الغلاف. وتعد أحلام نجيب محفوظ القصصية ترجمة أدبية لأحلام واقعية يعاينها الكاتب الكبير، ويتخذها مجالاً لتوصيف الناس والأحداث وحركة الحياة في سطور قليلة، ويراها البعض نهجاً جديداً في الكتابة القصصية ابتدعه محفوظ بعد تحدد حركته بسبب المرض في السنوات الأخيرة، ويراها آخرون بمثابة «فتح في السرد العربي»، أما محفوظ ذاته فقد وصف تجربة أحلامه (بتواضع الكبار) قائلاً: «هي أشياء صغيرة لا تزيد على حجم الكف، يقول بعض الكرماء إنها قصص، ومصدر إلهامي الأول فيها أحلامي الحقيقية التي أراها!». وتتميز أحلام محفوظ بالتكثيف والشفافية والترميز، مع حضور العمق الإنساني والإيجاز وخلاصة تجارب السنين المديدة التي عاشها، وتحمل معظمها تساؤلات وجودية عميقة، فضلاً عن اقترابها من الواقع وحركة المجتمع والأحداث الجارية وخاصة على الصعيد السياسي. في أحد أحلامه يقول نجيب محفوظ: «رأيتُ الكارتة مقبلةً حاملة فاتنة درب قرمز ويجرها جواد مجنح. اتخذت مجلسي فيما وراءها، وفرد الجواد جناحيه فابتدتْ ترتفع حتى علونا الأسطح والمآذن. وفي ثوانٍ وصلنا قمة الهرم الأكبر وأخذنا في عبوره على ارتفاع ذراع، فجازفتُ وقفزت إلى قمته، وعيناي لا تتحولان عن الفاتنة، وهي تعلو وتصعد، والليل يهبط، والظلام يسود، حتى استقرت كوكباً مضيئاً!». وفي حلم آخر يقول: «أسعدني جداً أن يتولى شئون المؤسسة المدير الجديد على الرغم من أنني لم أشارك في انتخابه. ولكن كلما أثنيتُ عليه تصدى لي إخوان بالسخرية، فسرتُ حائراً بين الإعجاب من ناحية والسخرية من ناحية أخرى. ولكني رفضت اليأس رفضاً تاماً!». ويواجه الأديب العالمي نجيب محفوظ «حكماً بالإعدام» في أحد أحلامه الإبداعية، وهو الحلم الذي يحمل رقم 100 في سلسلة «أحلام فترة النقاهة»، حيث يصف محفوظ في حلمه المئوي مشهد النطق بحكم الإعدام عليه في قاعة المحكمة، وصراخه القوي الذي لم يعبأ به أحد، إذ يقول في قصته المختزلة الدالة المعبرة عن انتقاده للأحوال المجتمعية التي يشيع فيها الظلم والانتهاك والرمي بالباطل: «هذه محكمة وهذه منصة يجلس عليها قاضٍ واحد، وهذا موضع الاتهام يقف فيه نفر من الزعماء، وهذه قاعة الجلسة، حيث جلست أنا متشوقاً لمعرفة المسؤول عما حاق بنا. ولكني أحبطت عندما دار الحديث بين القاضي والزعماء بلغة لم أسمعها من قبل، حتى اعتدل القاضي في جلسته استعداداً لإعلان الحكم باللغة العربية، فاسترددت للأمام، ولكن القاضي أشار إليّ أنا، ونطق بحكم الإعدام، فصرخت منبهاً إياه بأنني خارج القضية، وأني جئت بمحض اختياري لأكون مجرد متفرج، ولكن لم يعبأ أحد بصراخي!».

ويتمتع نجيب محفوظ بذاكرة حادة حية، وذهن مشحوذ يمكّنه من استرجاع كافة تفاصيل حياته وذكريات شبابه وصباه، ويبدو ذلك واضحاً في بعض أحلامه التي يعود من خلالها إلى الأماكن والأحياء القاهرية التي عاش بها سنوات طفولته وشبابه مثل منطقة الجمالية ومنطقة العباسية، فضلاً عن استفادته من أجواء المتاجر والحوانيت والصناعات التقليدية التي شهدها عن قرب في صباه في حي الحسين ومنطقة الجمالية في قلب القاهرة القديمة، يقول نجيب محفوظ في آخر قصة كتبها وهي «الحلم رقم 150»: «اشتدت الأزمة حتى أشفى التاجر الكبير على الإفلاس، ولم يجد من يقرضه في طبقته التي أنهكتها الأزمة، ولكن تقدم بياع العرقسوس بقرض دون فوائد، ولما حان وقت السداد بلغت الأزمة ذروتها، حتى فكر التاجر في الانتحار، ولكن أسعفه بياع العرقسوس بقرض جيد، وطلب منه أن يعتبر القرضين مهراً لابنته، وقالوا إن التاجر وجد أخيراً حلاً لأزمته، فقال بياع العرقسوس في سره إنه أيضاً وجد حلاً لأزمته التي لم يبح بسرها لإنسان!».