في فبراير الماضي كنت في استراليا حين قمت برحلة إلى منطقة خارج سيدني تدعى "الجبال الزرقاء" أو blue Mountains.. ورغم أنني قرأت عنها مسبقاً إلا أنني فوجئت حين سمعت المرشد السياحي ينبهنا إلى أننا نقف الآن في أقدم منطقة جيولوجية في العالم وأن النباتات والأشجار التي نراها حولنا تعود إلى عصر الديناصورات .. وعندها فقط لاحظت أن بعض الأشجار قربي تشبة فعلاً الأحافير المكتشفة من عهد الديناصورات، وأن الموقع الفريد لهذه المنطقة يتميز برطوبة استوائية استثنائية تختلف عن مناخ استراليا الجاف عموماً ...

ووقتها أدركت أنني عثرت على دليل إضافي يؤكد رأيي القديم بأن أوروبا لا تستحق لقب (القارة العجوز) باعتباره شرفاً يعني الأسبقية والأقدمية .. وقبل أن أخبركم بأدلتي ووجهة نظري أود الإشارة أولا إلى اختلاف الآراء في سبب إطلاق هذه التسمية عليها ..

فهناك من يطلق عليها "القارة العجوز" باعتبارها مهد الحضارات القديمة..

وهناك من يطلق عليها هذا اللقب كونها الأكثر قدماً من الناحية الجيولوجية..

وثالث يدعي أنها أصبحت "عجوزاً" بعد اكتشاف القارة الأمريكية "الشابة"...

ورابع لأنها احتضنت بذور الفلسفة (الإغريقية) وظهرت فيها أولى الجامعات الحديثة..

ورأي خامس لأن سكانها أصبحوا الأكثر شيخوخة مقارنة بقارات العالم الأخرى ..

على أي حال ؛ مهما اختلفت الآراء يتفق الجميع على تلقيبها (بالقارة العجوز) الأمر الذي لا أتفق معه شخصياً .. ومن أجله كتبت هذا المقال...

فمن الناحية الجيولوجية لا تستحق أوروبا هذا الشرف كون شرق أستراليا (وأيضا منطقة الصخور الخضراء في شرق كندا) تعدان الأقدم على سطح الأرض ويتجاوز عمرهما 4 بلايين عام!!

أما من الناحية البشرية فتستحق أفريقيا هذا الشرف كونها تضم أقدم الحفريات البشرية التي تثبت ظهور الإنسان فيها أولا قبل هجرته لبقية القارات (ومع هذا مازال يطلق عليها القارة البكر!!).

أما من الناحية الحضارية فيتفق الجميع على أن أقدم الحضارات الإنسانية هي السومرية التي ظهرت بين دجلة والفرات قبل 6 آلاف عام يليها الفرعونية والصينية والهندية قبل 4 آلاف عام...

أما من حيث العلوم والفلسفة فلا ننسى أن السومريين أول من اخترع الكتابة، وحمورابي أول من سن القوانين، والهنود أول من تحدث في الفلسفة والخلق، والصينيون أول من حول الحرف لصناعة.

أما من حيث الديانات فأقدمها تلك التي انبثقت من الممارسات الوثنية في أفريقيا وآسيا... في حين انبثقت الديانات الإبراهيمية (السماوية) في العراق وسوريا وجزيرة العرب..

أما من حيث التعليم النظامي فيستحق الأزهر في مصر، وجامع القيروان في المغرب لقب أول جامعتين في العالم (حيث لم تظهر أول جامعة في أوربا إلا عام 1088 في شمال ايطاليا) !!

وحتى من حيث المدن وأقدمية الاستيطان نجد أن أكثرها قدماً هي كركوك ودمشق والقدس وعنتيب (في تركيا التي ذكرت بالتوراة باسم يريحو)... وجميعها تعود لثلاثة آلاف عام قبل الميلاد!

أضف لهذا اخترع الإنسان في العراق وسوريا الزراعة والاستيطان وتدجين الحيوانات وبناء البيوت (التي لم تكن بالمناسبة تملك أبواباً وكان الناس يدخلونها من الأعلى) !!

وأخيرا ؛ لا ننسى أن اسم أوروبا نفسه أخذ من اسم أميرة سورية قديمة تدعى "أوروبا أجينور" كانت ابنة لملك صور الفينيقي قبل أن يتزوجها زيوس اليوناني ويطلق اسمها على القارة تكريماً لها.

كل هذه الأوجة (الحضارية والجيولوجية والتاريخية والمعرفية) تجعلني أقف في موقف المعارض لأقدمية أو أسبقية أوروبا في أي جانب يمكن الاحتجاج به ..

أما الحقيقة فهي أن استراليا تستحق شرف الأقدمية الجيولوجية ، وأفريقيا الأقدمية الإنسانية، وآسيا الأقدمية الحضارية ... في حين لا ينكر أحد أن أوروبا هي مهد الصناعة والمدنية الحديثة !!