قبل سنوات اختارت منظمة (اليونسكو للثقافة) التابعة للأمم المتحدة، أفضل مئة أغنية على مستوى العالم للقرن العشرين، وفازت من بينها أغنية عربية واحدة فقط هي (الأطلال) التي أخذت المركز العاشر، وهو مركز متقدم جداً، علماً بأن معظم أعضاء اللجنة لا يعرفون العربية ولكن (الجيد يفرض نفسه).

ومعروف أن رائعة الأطلال من ألحان رياض السنباطي وشعر إبراهيم ناجي (وقد تم اختيار الكلمات من قصيدتين لناجي هما الأطلال والعودة) وأدت أم كلثوم الأغنية وهي في قمة نضجها الفني، فكانت - بحق - أروع أغنية عربية عرفناها على مر التاريخ: كلماتها تنطق بالبلاغة والصدق وحرارة العاطفة، ولحنها يضارع في مقدمته (سيمفونيات بيتهوفن) ويحلق في المقاطع الأخرى عالياً رافعاً مشاعر الإنسان مجنحا بخياله مرتفعاً بذوقه يرويه ويظمئه كعادة كل فن رائع أصيل ونادر أيضاً..

وبالمناسبة فإن (رياض السنباطي) من أكبر الملحنين وأكثرهم قدرة على جعل الموسيقى تحلق في فضاءات الجمال ولكنه لم يأخذ حقه في الإعلام بسبب انعزاله وبعده عن الصحفيين و(الشللية) وإكبابه على فنه الذي وهبه عمره كله وأخلص له مع وجود موهبة أصيلة لديه، ولا أحد توافقت ألحانه مع صوت أم كلثوم الشامخ سوى رياض السنباطي أما عبدالوهاب - على موهبته - فقد كان يميل لتطريب الجماهير أكثر من ميله للتحليق بفن الموسيقى الأصيل..

وقد استطاع رياض السنباطي بموهبته وبمساحة صوت أم كلثوم النادر القوي، أن يمنح كل مقطع ما يناسب مع جوه الشاعري الذي يحلق بمبدعه وسامعه لقمة شامخة من قمم الفن والجمال..

مثلاً لحن وأداء كل مقطع بين قوسين يختلف عن الآخر رغم وجود الوحدة الفنية:

«يا حبيباً زرت يوماً أيكه

طائر الشوق يغنى ألمي

لك إبطاء المدل المنعم

وتجني القادر المحتكم

وحنيني لك يكوي أضلعي

والثواني جمرات في دمي»

«لست أنساك وقد أغريتني

بفم عذب المناداة رقيق

ويد تمتد نحوي كيد

من خلال الموج مدت لغريق

وبريق يظمأ الساري له

أين في عينيك ذياك البريق»

«أين من عيني حبيب ساحر

فيه عز وجلال وحياء

واثق الخطوة يمشي ملكاً

ظالم الحسن شهي الكبرياء

عبق السحر كانفاس الربى

ساهم الطرف كأحلام المساء»

«هل رأى الحب سكارى مثلنا

كم بنينا من خيال حولنا

ومشينا في طريق مقمر

تثب الفرحة فيه قبلنا

وضحكنا ضحك طفلين معاً

وعدوانا فسبقنا ظلنا»

«وانتبهنا بعدما زال الرحيق

وأفقنا ليت أنّا لا نفيق

يقظة طاحت بأحلام الكرى

وتولى الليل والليل صديق

فإذا النور نذير طالع

وإذا الفجر مطل كالحريق

وإذا الدنيا كما نعرفها

وإذا الأحباب كل في طريق»

الأغنية كلها جمال متكامل كما تتكامل الألماسة النادرة ببريقها ومادتها وأصالتها لا تستطيع تجزئتها..

أين روائع أم كلثوم وفيروز ونجاة وعبدالحليم، محمد عبده وفريد عن الغناء المنتشر من أغاني اليوم «باحبك يا..» «هاتوا الفلوس اللي عليكم» و«العنب العنب» و(ولاركب الحنطور.. واتحنطر) وأغان كثيرة شاعت مؤخراً وهي خطيرة على الذوق والأخلاق والوجدان.