كان مسافراً بصحبة عائلته على طريق ثادق - مشاش السهول، وفي الساعة السابعة مساءً تفاجأ بأن الطريق وهو ذو مسار واحد يصبح ذا مسارين مع جزيرة في الوسط، ولم يكن هناك ما يدل على ازدواجية الطريق من لوحات إرشادية أو «مطبات» صناعية أو إنارة تحذيرية، ونتيجة لذلك ارتطمت سيارته بالجزيرة الفاصلة بين الطريقين، ما أدى إلى انقلابها وإصابته بكسور ووفاة زوجته واحد أبنائه وإصابة ثلاثة من أبنائه الآخرين.

وبعد الحادث ذهب المواطن المتضرر إلى المحكمة العامة بثادق ورفع قضية ضد المؤسسة المنفذة للطريق، وصدر صك شرعي من المحكمة يقضي بأن ما حدث له ولأسرته من وفيات وإصابات يعد من مسؤولية البلدية أو الجهة التي استلمت الطريق من المؤسسة التي قامت بعمل الرصف، بعد ذلك توجه إلى ديوان المظالم وطلب النظر في دعواه ضد البلدية وإلزامها بدفع مبلغ 183500 ريال وهي دية قتل الخطأ للمتوفية (زوجة)، وأيضا دية قتل خطأ لابنه المتوفى ،وعلاج الإصابات التي لحقت بالمدعي وأبنائه وفارق قيمة سيارته قبل الحادث وبعده.

محضر لجنة مقومي الحكومات

وجاء محضر لجنة مقومي الحكومات بالمحكمة العامة بالرياض بتقدير إصابة المدعي وأبنائه، حيث قدرت إصابة المدعي (5000)، وإصابة احد أبنائه (7000)، وإصابة الآخر ب (3000)، وإصابة البنت (4000)، وقدرت قيمة التلفيات التي لحقت بالسيارة من قبل رئيس معارض السيارات بالفرق بين قيمتها قبل الحادث وقدرها 19000 وبعد الحادث 4500، أي ان قيمة التلفيات بسبب الحادث بلغت 14500 ريال، وبعد أن ثبتت وفاة زوجة المدعي، وابنه بسبب الحادث فإنه يستحق التعويض عن ذلك بدفع ديتهم وقدرها (150 ألف ريال) ليصبح مجموع الأضرار التي أصابت المدعي وأبناءه بسبب خطأ البلدية (183500).

رد البلدية

وأفاد ممثل البلدية أن مؤسسة المقاولات التي كانت تنفذ المشروع وضعت حواجز من "الكفرات والبراميل" وبدون إنارة ولوحات إرشادية وبقضاء الله وقدره وقع الحادث، وقال: إن من أهم أسباب هذا الحادث أعمال الإنارة بالجزيرة الوسطية المنفذة من قبل إحدى مؤسسات المقاولات لعدم وضعها إضاءات توضح الأعمال، وإنما اكتفت بوضع الحواجز المشار إليها وبدون علامات إرشادية، ويتضح من تقرير الحادث المعد من قبل الشرطة ان السائق تفاجأ بوجود حواجز في منتصف الطريق وحاول تفاديها إلا آن سيارته انحرفت الى جهة اليمين مما تسبب في وقع الحادث.


د. فهد العنزي

رد مؤسسة المقاولات

واستدعت المحكمة مؤسسة المقاولات المنفذة للمشروع، وأفادت أن عمل المؤسسة كان في الجزيرة الوسطية، وتحديداً في أعمال الإنارة فقط، ولا علاقة للمؤسسة بالطريق، بل كان ذلك مسؤولية البلدية وهي المسؤولة عنه، وبعد الحادث خرجت لجنة من المرور وأقرت بعد شخوصها للموقع والإطلاع على الوضع على الطبيعة بأن لا مسؤولية على المؤسسة في ذلك التقرير.

رأي المحكمة

وثبت للمحكمة من خلال تقرير الحادث المعد من قبل رئيس وحدة المرور بالمحافظة ومندوب الشرطة بناءً على طلب قاضي المحكمة أن اسباب الحادث الذي وقع للمدعي ومرافقيه يعود إلى عدم وجود إشارات تحذيرية وإرشادات أو مطبات صناعية ترشد السائقين بأن الطريق يحول من مسار واحد إلى مزدوج، بل إن وجود الخطوط الصفراء يفيد أن الطريق سالك وفجأة ينقطع ويتحول إلى جهة اليمين دون سابق إنذار أو توجيه؛ لا سيما والحادث وقع ليلاً، كما تبين للمحكمة عدم تنبيه سالكي الطريق بحداثة وجود جزيرة وسطية بوضع لوحات إرشادية كافية ومطبات تحذيرية قبل وصولهم للموقع، وعدم إزالة الخط الأصفر من جانب الطريق الأيمن، وبقي حتى استقراره بالجزيرة الوسطية، وحيث إن البلدية تعاقدت من إحدى مؤسسات المقاولات لتنفيذ ازدواج الطريق وانها استلمت المشروع من مؤسسة المقاولات التي قامت بتنفيذ الطريق قبل وقوع الحادث..

واضافت المحكمة أن الواجب على البلدية أن تقوم بوضع الضمانات الكافية التي تقي سالكي الطريق الوقوع في الأخطار، لا سيما وأن الطريق يبدأ بمسار واحد ثم دون سابق إنذار كما هو مثبت في التقارير يتحول إلى طريق مزدوج وتصبح الجزيرة الوسطية وسط الطريق، مما يصعب على السائقين تفادي الارتطام بالجزيرة، كما أن إبقاء الخطوط الصفراء في الطريق تفيد أن الطريق سالك في مساره الصحيح، وحيث يشترط لاستحقاق التعويض توافر أركان المسؤولية التقصيرية من خطأ وضرر وعلاقة سببية، وحيث إنه ثبت خطأ البلدية بعدم تنبيه سالكي الطريق إلى تحوله من مسار واحد إلى مسار مزدوج ما نتج عنه وقوع الحادث، ووفاة زوجة المدعي وابنه والأضرار التي لحقت به وبأبنائه.

ورأت المحكمة ان مؤسسة المقاولات تعمل تحت رقابة وإشراف البلدية، والبلدية لو رأت منها تقصيراً في القيام بما التزمت به بموجب العقد الموقع بينهم أن تعود عليها فيما لحقها من أضرار بسبب هذا التقصير، ولذا أصدرت المحكمة حكماً بإلزام بلدية ثادق بأن تدفع للمدعي 183500 وأيد الاستئناف الحكم.


محمد الجذلاني

التعليق على الحكم

وعلق د.فهد بن حمود العنزي عضو مجلس الشورى على هذه الحادثة، وقال: يمكن القول إن أسباب حوادث السير متعددة؛ ومع ذلك يمكن إرجاعها إلى عوامل ثلاثة، وهي: إما عوامل متعلقة بالسائق أو بالطريق أو بالمركبة، ويتضح من وقائع القضية بأن السبب في حادث السير الذي تعرض له صاحب الدعوى هو أمر متعلق بالطريق، وهو من مسؤولية المرفق الحكومي القائم على خدمته، والمرفق الحكومي في هذه الحالة هو إما وزارة النقل وذلك في الطرق البرية خارج المدن أو البلدية في الطرق الداخلية.

واضاف: حتى يتم فهم المسؤولية في هذه الحالة بشكل دقيق فإن المرفق الحكومي قد يعهد إلى إحدى الشركات أو المؤسسات الخاصة بإنشاء الطرق وصيانتها ومراقبتها، وفي هذه الحالة فإن المؤسسة أو الشركة تلتزم أثناء قيامها بالأشغال الموكلة إليها بناء على الاشتراطات العقدية باتخاذ كافة السبل للمحافظة على أرواح مرتادي الطرق؛ كوضع علامات تحذيرية أو إرشادية أو إضاءة الطريق ليلاً وما إلى ذلك، وإلا فإن مسؤوليتها ستكون على المحك، ويتضح من وقائع القضية التي بين أيدينا بأن المسؤولية هي على المرفق الحكومي المتمثل في البلدية، وذلك لأن المدعي أقام دعواه أولاً على المؤسسة التي قامت بتنفيذ المشروع، إلا أن القاضي في المحكمة العامة بثادق ارجع سبب الحادث تحديداً إلى عملية رصف الطريق، وذلك بعد استلام المشروع من المؤسسة، حيث وقع الحادث ليلاً عندما تحولت الطريق من مسار واحد إلى مسارين مع جزيرة في الوسط ولم يكن هناك ما يدل على ازدواجية الطريق من لوحات إرشادية أو مطبات صناعية أو إنارة تحذيرية، ما أدى إلى ارتطام سيارته بالجزيرة الفاصلة بين الطريقين وهو ما أدى بالتالي إلى انقلابها وحدوث الإصابات والوفيات لصاحب الدعوى وأفراد أسرته.

واشار إلى أن المرفق الحكومي وهو البلدية يكون في هذه الحالة هو المسؤول عن هذا الخطأ أو هذا الإهمال الجسيم، وبالنسبة لاختصاص ديوان المظالم في هذه الحالة فهو يُعد اختصاصاً أصلياً، وذلك بموجب نظامه الصادر عام 1402 ه، حيث تنص الفقرة (ج) من المادة الثامنة على أن الديوان يختص بنظر دعاوى التعويض الموجهة من ذوي الشأن إلى الحكومة والأشخاص ذوي الشخصية العامة المستقلة بسبب أعمالها، ولذلك فإن إلزام البلدية بالتعويض هو أمر بديهي ومتوقع في ظل وجود مثل هذا الخطأ، ونحن نعرف انه في الشريعة الإسلامية كما هو الحال في القانون فإن مناط المسؤولية وبالتالي التعويض هو الخطأ الذي يترتب عليه وجود ضرر، وما حصل من البلدية بعد استلامها المشروع من المؤسسة التي قامت بالتنفيذ هو خطأ جسيم فالواجب عليها قبل أن تسمح باستخدام الطريق للسير أن تقوم بوضع العلامات الإرشادية اللازمة وإنارة الطريق بشكل يتيح لمستخدميها الرؤية الواضحة وتمييز مسارات الطريق والانحرافات الموجودة فيها أو على الأقل وضع علامات فسفورية عاكسة توضح ازدواجية الطريق، ولذلك فهي تسأل عن هذا الخطأ الجسيم استناداً على أحكام الطريق المقررة في الشريعة الإسلامية واستنادا كذلك إلى قاعدة الضرر وهي تسأل كذلك بسبب مخالفتها للأنظمة والتعليمات السارية الهادفة إلى الحفاظ على أرواح وممتلكات مرتادي الطريق، ولهذا فإن المسؤولية التقصيرية للمرفق الحكومي واضحة وما تقرر في هذا الشأن هو أمر متوقع.

وقال:في رأيي ينبغي التشدد في المسائل المتعلقة بحوادث السير، لاسيما في ظل تنامي ظاهرة حوادث السير بالمملكة، وبالنظر كذلك إلى الخسائر الفادحة المترتبة عليها وأدعو كذلك المرافق الحكومية بتشديد الرقابة على أعمالها؛ وخاصة تلك الموكول إليها الرقابة على أعمال الطرق وعدم التهاون فيها، ولعل مثل هذا الحُكم سيمثل رادعاً للجهات التي تقوم بالتقصير في أعمالها، وأدعو كذلك أن تكون هناك رقابة صارمة على المرافق الحكومية حفاظاً على أرواح الناس وممتلكاتهم وحفاظاً كذلك على خزينة الدولة والمال العام، داعياً المرافق الحكومية التي قد تترتب على قيامها بالأعمال الخدمية المنوطة إليها أضرار أيا كانت نوعها أن تقوم بالتأمين ضد مسؤوليتها المدنية حتى لا تصدر ضدها أحكام تترتب عليها هدر للمال العام، وكذلك حتى يتمكن المتضرورن من الحصول على التعويضات اللازمة بأسرع وقت ممكن.

دور "هيئة الرقابة"

وأكد الشيخ محمد الجذلاني قانوني وقاضي في ديوان المظالم سابقاً

على فعالية الدور الرقابي الذي يؤديه القضاء الإداري على أعمال وقرارات وتصرفات جهات الإدارة، وعدم خروجها عن حدود المشروعية، وهذا الدور الرقابي الذي يقوم به ديوان المظالم يعتبر أهم ضمانة لحقوق وحريات الأفراد من مواطنين ومقيمين، وبناء على ذلك جاءت عناية خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- بالقضاء عموماً وبقضاء ديوان المظالم خصوصاً، وكان آخر هذا الدعم ما وجه به -أيده الله- قبل أيام من إصدار الحكم في القضية الإدارية إذا لم يحضر مندوب الجهة الحكومية الجلستين الأوليين.

وقال إن الجهات الحكومية مطالبة باستشعار دور ديوان المظالم واهتمام وحرص ولاة الأمر به وبالدور الذي يؤديه في حفظ الحقوق وإنصاف المظلومين، أما فيما يتعلق بالحكم فهناك وقفتان:

أولاً: أطالب بضرورة إعادة النظر في آلية التعويضات التي يحكم بها القضاء عن الأضرار عموماً وفي تقدير الديات على وجه الخصوص، فإن تقدير الدية الحالي لا يليق بكرامة الإنسان ولا بمكانته عند الله عز وجل وفي شريعة الإسلام، وهذا التقدير الذي وقف عند مئة ألف ريال للذكر ونصفها للأنثى لا يمكن أن يقال إنه تقدير موافق لحكم الشريعة الإسلامية التي جعلت قيمة الإنسان المسلم عند الله عز وجل أعظم من حرمة الكعبة المشرفة، فكيف تقدر الدية بما يعادل قيمة سيارة من السيارات العادية جداً!.

ثانياً : يجب كذلك إعادة النظر في الأسلوب المتبع حالياً في الرقابة على أعمال جهات الإدارة، فإن ديوان المظالم بعد أن يحكم بالتعويض مقابل خطأ جهة الإدارة، ينبغي أن يكون هناك تنسيق وآلية لتزويد هيئة الرقابة والتحقيق بصور من هذه الأحكام لتمارس دورها في محاسبة المسؤول المتسبب والمقصر، حتى نساهم في حفظ المال العام والقضاء على الفساد الإداري.