لفتت المدارس الأجنبية أنظار الكثير من السعوديين، الذين يحلمون بدخول أبنائهم تلك الأنواع من المدارس التي تحمل مختلف اللغات الأجنبية، وعلى رغم منع القوانين من التحاق الطفل السعودي بتلك المدارس الأجنبية، إلا أن هناك من حاول أن يقفز فوق الممنوع ليقحم ابنه في تلك المدارس بطريقة أو بأخرى، رغبة بتعليم مختلف يشمل علوم متنوعة قد لا يجدها إلا خارج الوطن. وحبذ عدد من الأكاديميين والتربويين في المجال التعليمي فتح مجال الدراسة في تلك المدارس الأجنبية، معتبرينها تجربة جيدة قد تجلب الكثير من المكاسب المثمرة، سواء على المستوى التعليمي الثقافي، أو على المستوى الأمني، حيث سيتسنى لطفل السعودي أن يدخل أجواء الابتعاث الخارجي إلا أنه في وطنه وتحت رعاية والديه، وفي مقابل ذلك يوجد عدد آخر من الأكاديميين رافضين تلك الفكرة، باعتبارها مخاطرة بمعتقدات وأخلاقيات الطفل العربي، حيث إنه تربى على ضوابط عقيدية قد يجد في تلك المناهج التعليمية الأجنبية مايخالفها بصرف النظر عن تعلم اللغة وأهميته.

ترك الانطوائية

في البداية تحدث عبدالمنعم الجو (أستاذ التربية بجامعة الملك فيصل) عن الموضوع، حيث قال: علينا أن نبتعد عن النمطية في تقيمنا للأمور، فالمدارس الأجنبية مهمة ولكنها مازالت حصرا على أبناء الأجانب، على الرغم من ضرورة فتحها أمام أبناء الوطن السعودي وتلك إشكالية كبيرة، فإذا خشي على لغة الطفل العربية، فالعربية كغيرها من اللغات تعتبر اللغة المحلية لايمكن أن تتعدى التخاطب المحلي، ولكن حينما نأتي للتخاطب العالمي على المستوى الاقتصادي والاستثماري والصادر والوارد ومختلف الثقافات العالمية، فاللغة الأجنبية هي الأشمل للعالم، وبالرغم من ذلك فالمدارس الأجنبية باتت حصرا على الجاليات الأجنبية دون السعودية، ولكننا نحتاج كمجتمع أن ننفض غبار الانطوائية والمكوث تحت أطلال القديم، فكل عصر له رجاله، فنحن لا نعيش في العصر البحتري والألف والياء، وتلك قد يستفاد منها في نطاق التخاطب مع الأسرة والمجتمع المحلي، ولكننا نحتاج الآن لإعداد جيل ناجح يستطيع التخاطب مع العالم بأسره، فحينما تحيطه ظروف خاصة لدراسة خارج المملكة أو الالتحاق بوظيفة خارج الوطن يكون مزوداً بلغة حية تمكنه من التأقلم.

ازدواجية المعايير

وأضاف: هناك إزدواجية في فرض الممنوع، خاصة فيما يتعلق بتلك المدارس الأجنبية، ففي الوقت الذي يمنع السعودي من الالتحاق بتلك المدارس فإنه يسمح له بالسفر خارجا لطلب ذات العلوم، فهناك أكثر من 400 ألف طالب وطالبة خارج المملكة، وقد يكونون في معاناة من الكثير من الضغوطات الاجتماعية والسياسية، فما الضرر أن يتعلموا أمام أعيننا في تلك المدارس على يد متخصصين أجنبين لديهم كفاءة عالية. وأشار إلى أن المجتمع السعودي يحتاج للغة الأجنبية بدل أن تتكسر اللغة العربية بين مختلف اللهجات، وتلك الإشكالية لن تحل بالابتعاث كماهو الحاصل، فالشاب يبتعث في مقتبل عمره وهناك الكثير منهم من يفضل عدم العودة والاستقرار هناك، والتجربة الخليجية غنية بتلك المأساة، والمدارس الأجنبية والجامعات واقع موجود في لبنان والإمارات وقطر.

تؤثر على فكر الصغار

وخالفه الرأي محمد الهرفي (أكاديمي في العلوم الشرعية بكلية الشريعة)، حيث يرى بأن تلك المدارس الأجنبية من الأفضل أن تكون حصرا على الأجانب دون السعوديين، خاصة حينما تختلف مناهجهم عن المناهج السعودية، حيث سيكون من الأفضل أن يبحث الطالب عن مختلف العلوم بعد التخرج من الثانوية خارج المملكة، حيث يصعب زج الأبناء في المدارس الأجنبية دون أن نعلم ما نوع المناهج التي تعلمها، فقد تكون مخالفة لقيمنا وتقاليدنا، وذلك من حق الأجانب، ولكنه إشكالية بالنسبة لأطفالنا، خاصة أنه إذا تلقاها وهو صغير، فيصعب تغيير معتقداته فسيصبح واحدا منهم، وتلك المشكلة الحقيقية، فليس هناك إشكالية من تعلم اللغة الأجنبية، ولكن أن يمكن الطفل من دخول تلك المدارس فتلك إشكالية كبيرة.

انسجام عالمي

أما صفاء البحيري (دكتورة في التربية الخاصة)، فترى بأنها تجربة قد تكون مثمرة، حيث قالت: غالبا ما تتبع تلك المدارس الأجنبية السفارة التابعة لها بمختلف مناهجها وطرق تعليمها، ولكنها بإشراف محلي للوطن ، فهناك تجربة المصريين مع هذه المدارس كمثال، حيث يدخل العديد من المواطنين أبناءهم فيها على الرغم من ضعف اللغة العربية الموجودة في مقرراتهم، فاللغة الأجنبية هي السائدة في تلك المدارس، حتى أن الطفل يتحول لاستخدام اللغة الأجنبية تدريجيا حتى إن تضررت العربية، فاللغة الأجنبية تكفل الاتصال بحجم كبير من سكان العالم، وقد أصبحت في غاية الأهمية، ولكن حينما يعود الطالب العربي إلى حياته الطبيعية خارج تلك المدارس، فإنه لا ينسى لغته العربية ويتحدث بها ويعرف أبعادها الأخلاقية. في حين تقول فايزة الحماد (دكتورة اللغة الإنجليزية بجامعة الملك فيصل) :إن المدارس الأجنبية لكي تكون ملائمة للسعوديين لابد أن تلتزم بمناهج تحتوي على صور إيجابية عن تقاليد المملكة وعادتها، حيث يلاحظ تجاهل تلك المدارس الأجنبية لذلك على الرغم من شيوعها في الوقت الحالي، حيث وصل عددها في الرياض فقط لأكثر من 28 مدرسة.