هيئة المساحة الجيولوجية وتأصيل المصطلحات الخاطئة

أ.د. عبدالله بن ناصر الوليعي٭

أثبتت هيئة المساحة الجيولوجية السعودية قدرة فائقة على العمل في نطاق تخصصها، كما تحولت إلى هيئة صديقة للباحثين وطلاب العلم بعد أن كان الباحث يصل إلى درجة محبطة من اليأس عندما يحتاج إلى خريطة من خرائط المملكة العربية السعودية. كما أنها قد بدأت في إعداد كتيبات وأطالس لخدمة بعض الموضوعات ذات الطابع السياحي، ولقي هذا استحساناً من الباحثين والعموم. وقد سبق أن صدر عن هيئة المساحة الجيولوجية السعودية كتاب (الكهوف الصحراوية في المملكة العربية السعودية» باللغتين العربية والإنجليزية عام 2003م. علماً بأن أصل الكتاب كان باللغة الإنجليزية «The Desert Caves of Saudi Arabia» ونقل إلى اللغة العربية. وقد سبق أن كتبت نقداً له في جريدة «الرياض» (جريدة «الرياض» عدد 13017، الجمعة 23 ذو الحجة 1424ه).

وقد أوضحت حينها أن مؤلفي الكتاب قد أخطأوا بوصف الدحول بالصمان بالكهوف فهما ظاهرتان متمايزتان عن بعضهما في اللغة العربية. فإذا كانت اللغة الإنجليزية لا تفرق بينهما وتجعل أي تجويف بالأرض أو بجبل ولأي سبب كهفاً فاللغة العربية تفرق بينهما وهي أدق في هذا وينبغي ملاحظة ذلك عند التعريب. فليست الدحول مجهولة حتى يخترع لها اسم خاطئ. فالكهوف في اللغة العربية غير الدحول إذ إن الكهف كالمغارة في الجبل إلا أنه أوسع منها، فإذا صغر فهو غار كما ورد في لسان العرب لابن منظور وفي الصحاح: الكهف كالبيت المنقور في الجبل، وجمعه كهوف، وتكهف الجبل: صارت فيه كهوف. فالكهف إذن تجويف بالجبل وليس بالأرض، ولذلك تتخذ الكهوف مساكن حتى الآن إذ يكفي أن يسد باب الكهف فيصبح غرفة محكمة.

أما الدحل فهو نقب في الأرض ضيق فمه ثم يتسع أسفله حتى يمشى فيه، وربما أنبت السدركما ذكر ذلك ابن منظور في «لسان العرب». قال أبو عبيد: الدحل هوة تكون في الأرض وفي أسافل الأودية يكون في رأسها ضيق ثم يتسع أسفلها. وقال الأزهري في «تهذيب اللغة»: وقد رأيت بالخلصاء ونواحي الدهناء دحلانا كثيرة، وقد دخلت غير دحل منها، وهي خلائق خلقها الله تعالى تحت الأرض، يذهب الدحل منها سكا في الأرض قامة أو قامتين أو أكثر من ذلك، ثم يتلجف يمينا أو شمالاً فمرة يضيق ومرة يتسع في صفاة ملساء لا تحيك فيها المعاول المحددة لصلابتها، وقد دخلت منها دحلا فلما انتهيت إلى الماء إذا جو من الماء الراكد فيه لم أقف على سعته وعمقه وكثرته لاظلام الدحل تحت الأرض، فاستقيت أنا مع أصحابي من مائه فإذا هو عذب زلال لأنه من ماء السماء يسيل إليه من فوق ويجتمع فيه، قال: وأخبرني جماعة من الأعراب أن دحلان الخلصاء لا تخلو من الماء، ولا يستقى منها إلا للشفاء والخبل لتعذر الاستقاء منها وبعد الماء فيها من فوهة الدحل.

وقد فوجئت بأن الهيئة قد أصدرت كتيباً إعلامياً أسمته «الكهوف (الدحول) في المملكة العربية السعودية»، ووضعت كلمة (الدحول) بين قوسين، وهذا أسوأ فيما لم يذكروا المصطلح أساساً، فهذا إصرار عجيب على تأصيل مصطلح خاطئ. والكتيب مخصص للتوزيع في المناسبات العامة كمهرجان الجنادرية وفي المواقع السياحية، أي أنه كتاب قصد منه التعريف بهذه الظاهرة ونشر هذا المصطلح بين العموم. وهي خطوة رائعة نجلها ونقدرها ونحث الهيئة على الاستمرار فيها، غير أنه راعني إصرار الهيئة على استخدام هذا المصطلح الخاطئ، واستوضحت من بعض منسوبيها فقيل لي: إن الهيئة لم تستخدم مصطلح الدحول لأنه مصطلح «محلي». وقد أحببت أن أناقش الهيئة في ذلك لعلها تعود إلى الحق، فأقول:

1- أن الزعم بأنه مصطلح «محلي» زعم خاطئ وتجن إقليمي، فالمصطلح ليس محلياً بل هو عربي فصيح موجود منذ وجدت اللغة العربية، ويبدو بأن الاستشهادات التي ذكرتها من أمهات كتب اللغة العربية غير مؤثرة. ثم إن الدحول التي تحدثوا عنها أغلبها ليس في (نجد) بل في المنطقة الشرقية فيما وراء الدهناء.

وفي هذا الفعل تجاهل لمصطلح عربي قديم ما زال حياً، ويراد دفنه بزعم أنه غير شائع الاستخدام إلا في المناطق التي توجد فيها الظاهرة.

وهذه قاعدة غريبة لأننا لو طبقناها لاضطررنا لتغيير مصطلح «النفود» الذي يوجد على كل خرائط هيئة المساحة الجيولوجية، وهو مصطلح محلي في وسط المملكة إذ لا يكاد يعرف في معظم مناطق المملكة أو العالم العربي، ثم إنه ليس له أصل في اللغة العربية الفصحى كمصطلح «الدحول» إلا إن كان محرفاً عن كلمة «نهود» كما ذكر البلدانيون. فلماذا اتسعت صدور منسوبي الهيئة لمصطلح «نفود»، وضاقت بمصطلح «دحول»؟.

ثم إذا دفن هذا المصطلح ماذا سنفعل بأسماء الأماكن التي ما زالت تحمل اسم الدحول. فمن المعروف أن أكثر الأماكن التي توجد فيها الدحول هي في الصمان على مقربة من الدهناء، بحيث أن عرقها الموالي للصمان يعرف بعرق الدحول، ثم إن أسماء الدحول يسبقها كلمة «دحل» وليس «كهف» كما تود أن تؤصل الهيئة خطأ.

ثم إذا دفن هذا المصطلح ماذا سنفعل بالشعر العربي والشعر العامي اللذين يزخران بوصف هذه الظاهرة من مثل قول الشاعر العربي:

ألا يا سيالات الدحائل باللوى!

عليكن من بين السيال سلام

ودحائل جمع الجمع.

وقول الفرزدق:

بعيدة أطراف الصدوع كأنها

ركية لقمان الشبيهة بالدحل

وقول الشاعر الشعبي:

يا وجودي عليهم وجد من فاطر له

غره القيد منها في فروع المضامي

في الحتيفة خلاوي والدحل ما يدله

ولا حوله من يعطي حضوب العلامي

وذكر الشيخ عبدالله بن خميس، بعد أن نزل في دحل الهشامي وجرحته بعض نتوءاته:

وردتك استقي فكلمت جسمي

فما أقساك يا دحل الهشامي

تقاضي الواردين دما بماء

رماك بثاقب الأفلاك رامي

2- من المعروف بأن المصطلحات الجغرافية ذات الصلة بمعالم الأرض لها صفة المحلية غالباً، وهناك عدد من الأمثلة لها في المملكة العربية السعودية كالحرات وما يتعلق بها والنفدان وما يتعلق بها كالنقار والخبوب والشقائق واللهد والصيهد والطعوس والنوازي والزبائر وغير ذلك. فأرجو صادقاً أن تعتني لها الهيئة بهذه المصطلحات وتنشرها بدلاً من محاولة ايجاد بديل مستورد، ولدى الهيئة شباب سعوديون يتمتعون بمهارات وخبرات عالية في معرفة هذه المصطلحات في جميع مناطق المملكة. وقد استفدت كثيراً من خبراتهم في كل بحوثي التي نشرتها.

3- رحم الله شيخنا حمد الجاسر الذي بذل الكثير من وقته ليصحح الأسماء، ويوجه المخطئين بضرورة كتابة الاسم الصحيح. وقد حدثني رحمه الله عن جهوده في تصحيح كتابة «بقيق» من «أبقيق» وعندما نلاحظ لوحات الطرق نرى بأن شيخنا قد نجح بشكل كبير في هذا، ولكن على الرغم من ذلك ما زال الاسم الخاطئ يظهر أحياناً في بعض اللوحات والكتابات. كما ذكر لي بأن «جبل قساس» الذي توجد فيه آثار تعدين قديم يكتب على الخرائط «دساس» على طريقة نطق العوام للقاف في نجد، وأنه كتب لوزير البترول والثروة المعدنية في ذلك الوقت هشام ناظر لافتاً إلى هذا، وقال الشيخ حمد وقد ظهر السرور على محياه بأن الوزير التقى به في إحدى المناسبات وأخبره أنه أمر بتعديل الاسم. ولكن مع الأسف ما زال الاسم «دساس» يظهر على الخرائط نفسها.

وأنا في الوقت الذي ألمس جهود الهيئة الكبيرة في الاهتمام بقضايا الأماكن وأسمائها ودراستها، وتأليف الكتب عنها فإنني أرجو من رئيسها معالي الدكتور محمد أسعد توفيق الاهتمام بتدقيق الكتب قبل طباعتها والتأكد من صحة معلوماتها ومصطلحاتها. خاصة أنها قد أصبحت بفعل انفتاحها على العموم والباحثين وطلاب المعرفة المصدر الرئيس إن لم يكن الوحيد للخرائط السياحية في المملكة العربية السعودية. مع ضرورة تشكيل وحدة في الهيئة للعناية بأسماء الأماكن والتدقيق في أسمائها الحالية ومعرفة أسمائها التاريخية وغير ذلك من الأمور المهمة، مواصلة للجهود الضخمة التي بدأها مجموعة الرواد من أمثال الشيخ حمد الجاسر وصحبه الكرام الذين أسهموا معه في تأليف المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، مع ضرورة الانفتاح والتعاون مع الجهات الحكومية والجمعيات العلمية التي تشاركها نفس الاهتمام.

ومن أمثلة التدقيق في صحة أسماء الأماكن ما نجحت فيه الهيئة أخيراً من معرفة الاسم المحلي الصحيح لجبل سعيد الذي يقع على بعد نحو 40 كم شمال مهد الذهب والغني برواسب النحاس. فقد ظل هذا الاسم محيراً للكثير من الباحثين والبلدانيين ولم يكن أمامهم إلا الاسم الذي ظهر على خرائط مصلحة المساحة الجيولوجية الأمريكية القديمة وهو «جبل صايد» نقلاً للحروف اللاتينية Jabal Sayid فاستعملوه، ولم يتمكن البلدانيون الذين عنوا بتصحيح الأسماء على تلك الخرائط من اكتشاف ذلك. واستمر الخطأ يظهر في كل الكتب الجغرافية عن المملكة العربية السعوية تقريباً بسبب استمرار ظهوره على خرائط المملكة التي تصدرها هيئة المساحة الجيولوجية السعودية. وبعد ما يقرب من نصف قرن من الزمان تتعرف الهيئة أخيراً على الاسم الصحيح فشكراً لهم على ذلك، ونأمل تصحيح خرائطها أولاً، ومواصلة المشوار في هذا الاتجاه الحميد.

وفي الختام أرجو للجميع التوفيق والسداد.

  • قسم الجغرافيا - كلية العلوم الاجتماعية

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية












التعليقات





انتهت الفترة المسموحة للتعليق على الموضوع