المجتمعات الإسلامية والعربية حبيسة المعرفة المقننة والمفروضة..!

كثيرة هي محاولات علماء الاجتماع لتفسير كيف يصف الإنسان ذاته ومجتمعه الذي هو من صنعه، يقول العالم الايطالي ( فيكوا ) فيما معناه إن الإنسان وخصوصا العلماء الذين استطاعوا أن يدرسوا العالم الطبيعي الذي هو من خلق الله وليس من خلقهم استطاعوا أن يجدوا قوانين طبيعية كثيرة وثابتة في كل مكان في العالم بينما لم يستطيعوا أن يوجدوا قوانين ثابتة للعالم المدني (المجتمعات) الذي هو من صناعة البشر أنفسهم. خالق الكون واحد لذلك ظلت قوانينه في العالم واحدة لا تختلف حيث صنع الله الكون بينما ترك للإنسان صناعة محيطه المجتمعي وعلاقاته البشرية حينما منحه الخالق عقلا يفكر، فوجود صفة للتفكير وربطها بالإنسان هذا بحد ذاته يعطي البشر نفس الفرصة بشكل متساو باستخدام عقولهم.

البشر يختلفون في تحديد ما هو منطقي وما هو أخلاقي وما هو صحيح وما هو خطاء إلا بنسب ضئيلة غير قادرة على تكوين مفاهيم قانونية محددة ومشتركة، فلذلك يمكن الإثبات بأن علاقات البشر غير متفق على آليات تحددها فالعقل البشري محكوم (بالخاص والعام في علاقاته) فهو لا يريد أن يشترك معه احد في مجاله الخاص والدليل على ذلك تفاوت الأفكار والمنهجيات العقلية.

في المجال العام الذي يحكم علاقة الإنسان بالآخرين ظل الإنسان متنقلا بين تجارب سياسية واجتماعية وفكرية متعددة في محاولة للوصول إلى قائمة مشتركة من القوانين (مثال: أفكار ديمقراطية وأفكار متطرفة أو ليبرالية .. الخ من تجارب البشر عبر الزمن) ؛ لذلك لا يوجد نموذج مثالي يحكم العلاقات البشرية مع بعضهم وحياتهم كتلك التي تحكم القوانين الطبيعية والتي لا تختلف في كل مكان من الأرض فمكونات الهواء والماء لا تختلف في أي بقعة على الأرض.

قضية القوانين الطبيعية والقوانين الاجتماعية مسألة شائكة في علم الاجتماع ولكن يمكن من خلالها تفسير كثير من الظواهر الاجتماعية التي تحدث ولو بشكل تقريبي، فمثلا ظاهرة التطرف يرجع سبب نشوئها كما أعتقد من محاولة تقنين الحياة الدينية وتفسير الخطاب الديني كخطاب جامد لا يقبل التفسيرات المحتملة للنص، التطرف ساهم في صياغة الخطاب الديني وفق معادلات لا تقبل القسمة أو التأويل.

ظهرت قضية الخطأ والصواب والصحيح والكاذب من خلال الحدود القاطعة واستجابة لهذه الحدة في تقنين النص ومسائل الحياة التي لا تقبل التطابق لذلك دائما هناك تناسب طردي بين قدرة البشر على استخدام العقل التحليلي وبين الاستجابة للتبعية مهما كان نوع هذه التبعية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية.

كلما كان الإنسان مستقلا ومستخدما لعقله على المستوى الفرديا كان قادرا على التوافق مع العقول المحيطة به لأنه يكتشف قدرته المعرفية بالواقع من حوله من خلال عقول الآخرين أولا ثم من خلال عقله ثانيا ،على العكس من ذلك فالإنسان بتبعيته المطلقة لا يستطيع أن يتحكم بزوايا معرفته العقلية لأنها محكومة ومسيّرة من غيره.

الإنسان صنع الحياة المجتمعية من حوله بشكل توافقي بينه وبين متطلباته الفردية أولا ولذلك يخلق التباين بين البشر ويصعب أن تحكم المجتمعات قوانين كتلك التي تحكم حياة الطبيعة من حولنا من ظواهر كونية ومن مكونات للأرض وسطحها وما يعيش عليها ، لذلك تفشل جميع المجتمعات التي تقنن العقول البشرية كجزء من الحياة الاجتماعية.

هذه الفرضيات تستطيع أن تجيب عن كثير من أسئلتنا حول: لماذا يخطئ الإنسان ولماذا يستمر في مقاومة غيره سواء فكريا أو جسديا ولماذا يلجا إلى قول الحقائق كما يراها؟ في المجتمع الإسلامي وخصوصا مجتمعاتنا يشكل التطرف ليس الديني فقط اكبر ظاهرة يجب تفسيرها وخاصة في القرن العشرين كما أن ظواهر التخلف المجتمعي تقف شاهدا على منهجية وخلل كبير في طرق استخدام التفكير.

في العالم الإسلامي يصعب علينا تفسير كثير من ظواهر التخلف وفي نفس الوقت يصعب علينا تحديد ما هي معايير التقدم التي نريد فكل تكوينات المجتمع لديها تفسيراتها الخاصة لتعريف التقدم فالمتطرف والمتشدد والإرهابي والمنتمي إلى حركة أو جماعة إسلامية كل واحد من هؤلاء لديه تفسيره الخاص حول ماهية التقدم، هذا فقط في إطار الإسلام وحده أضف إلى ذلك الأطر الأخرى من منهجيات فكرية وسياسية وأيديولوجية. القانون الوحيد الذي يمكن أن يجده علماء الاجتماع في العلاقات البشرية ويستطيعون الاتفاق عليه كما القوانين التي تحكم الطبيعة هو وجود ودور العقل بمكوناته، فالعقل بجانب المعرفة وكيفية توظيفها يساوى إنسانا، والإنسان هناك ليس كمية المعرفة فقط لان المعرفة نسبية ولكن الإنسانية هنا هي القدرة على تشغيل العقل لقيادة المركبة البشرية. الأزمة الأكثر انتشارا هي كيفية تشغيل العقل في مجتمعاتنا الإسلامية حيث اعتبرت المعرفة هي محرك العقل ومنهجية استخدامه ، وتفوق المسلمين على العالم من حيث كمية المعرفة التي يحملونها سواء معرفة دينية أو أي مجال آخر وخاصة العرب وانتشر التعليم في كثير من المجتمعات العربية وأصبحت كمية الحفظ للأرقام والمعلومات هي مقياس استخدام العقل، المفاجأة أنّ الإنسان العربي والمسلم خصوصا اكتشف انه لا يزال يعيش بنفس الموقع الذي تركه كما يعتقد قبل سنوات طويلة حيث لم تعد فلسفة المعرفة مؤثرة في تغيير موقعه الحضاري.

إذن المعرفة وكمياتها ليست الطريق الوحيد إلى تشغيل العقل البشري والسبب أن ظاهرة تربوية يمكن أن أسميها (مفارقات المعرفة مجتمعيا ) والتي تعني علاقة عكسية بين أعداد الخريجين في الجامعات العربية والإسلامية ومساهمتهم في التنمية، لذلك نلاحظ أن البطالة لا تنتشر فقط بين الأقل تعليما في عالمنا العربي بل تنتشر في الأكثر تعليما. منهجية تكثيف المعرفة تساعد كثيرا على خلق بيئة التبعية التي نعاني منها على جميع المستويات لان مصدر المعرفة والمتمثل في المعلم والشيخ والأب والسياسي والاقتصادي هو الذي يتحكم في الأتباع وقد يثير احدنا سؤالا مهما ويقول إن المعرفة متوفرة اليوم بطرق لا تمر عبر هؤلاء الذين نذكرهم...

هذا صحيح ولكن المعرفة بدون قوة قانونية تحكم طريقة إيصالها ونشرها في المجتمع لا تمثل شيئا وتصبح مثل العملة المزورة شكلها يوحي بقيمتها المادية ولكن قانونيتها باطلة؛ لذلك يلجأ البشر إلى المدرسة لتكون مصدر معلوماتهم لان المدرسة تمنحنا قانونية حصولنا على المعرفة وكذلك تعاملنا مع الشيخ أو الأب أو السياسي أو الاقتصادي فهؤلاء يملكون قانونية المعرفة، وفي المجتمع كثير من الأفراد يملكون معرفة ولكنها تظل غير قانونية أمام المجتمع ولذلك تصبح فاعليتها غير دقيقة.

هذه الفكرة السسيولوجية المرتبطة بكيفية نشر المعرفة في مجتمعاتنا والتي تستخدم للتأثير على المجتمعات وخصوصا مجتمعاتنا الإسلامية والعربية سببها أن المعرفة تقدم في هذه المجتمعات بشكل مخلوط مع رغبات فردية واتجاهات فكرية لمقدمي هذه المعرفة لنا (ايديولوجيات ، معلمين ، آباء ، الخ ..).

لقد أصبحت المجتمعات الإسلامية والعربية حبيسة المعرفة المقننة والمفروضة وأصبح مصدر المعرفة وحيدا مما خلق التبعية المطلقة ويمكن قياس هذه الفرضية على جميع ظواهر المجتمع.

في المجتمع الإسلامي حيث التاريخ يعزز فكرة نقل المعرفة وخاصة عندما ساهم في مراحل متقدمة منه بممارسة تقويض العقلانية وخاصة عندما ولدت الكثير من المجموعات الفكرية التي حاولت تحليل المعرفة للتوافق زمنيا ومكانيا مع مدلولاتها.

هذا المنعطف التاريخي المهم في حياة المسلمين خلق ما نحن فيه اليوم من أزمة في تفسير لماذا يصيب الإسلام والمسلمين ما أصابهم اليوم...؟

لقد برزت بوادر الأزمة مع تقارب العالم سياسيا وفكريا وتجاريا وعلميا بل في نواح كثيرة وهذا ما نحتاج إلى تفسيره علميا لمعرفة أين يمكن لنا أن نخلق مجتمعاتنا مشتركين مع العالم وليس بفرض قانون يحكم كل عقولنا التي خلقها الله مختلفة بينما خلق الأشجار بنفس المقومات الفيزيائية.