بقدر اتضاح مفهوم «المعلم» في الاذهان بحيث يظن انه لايحتاج الى ايضاح اخاله انا مفهوماً ملتبساً يحتاج اشد حاجة الى اكثر من ايضاح بل لا اعتقد ان ورقة واحدة كهذه كافية في توفية جوانب المفهوم ما يستحقه من الكلام فيه وحوله.

لعلنا هنا نكتفي بالالتفات الى جهة واحدة يمكن النظر اليها ويمكن النظر منها أو بها الى المعلم، هي جهة التقاء المعلم بطالب العلم وجهاً لوجه. طالب العلم هنا من حيث هو فارغ من (العلم) ومازال يطلبه ويقصد المعلم لتلقيه منه يمكن ان نسميه (الجاهل) ليس بدلالة الشتم أو بغرض التقليل من شأنه بل للدلالة على عدم امتلاك المعرفة تحديداً فقط. هنا يلتقي المعلم المزود بـ (كمية ما) من المعارف بذلك الجاهل الذي لايملك تلك الكمية ويحتاج الى ان يحصلها فالمعلم اذاً هو الاعلى وهو المتصرف وهو الأب وهو المربي وهو سيد الموقف. وهنا ايضاً يلاقي المعلم الجاهل من اجل ان يمحو جهله ويجعله عارفاً مثله. وهذا التصور لمفهوم المعلم هو غالباً ما في الاذهان عن المعلم.

غير انا لو سرنا قليلاً مع هذه الصورة الى التأمل فيها دون تغييرها فسنجد ان المعلم هنا كأنه يقابل الجاهل في منتصف طريق طلب العلم، حائلاً - ربما - بينه وبين مايمكن ان يصل اليه في طريق طلب العلم هذا لو لم يجد المعلم هناك في انتظاره.

سنسأل الآن: هل سيجد الجاهل طريقاً لمحو جهله لو لم يجد ذلك المعلم واقفاً في طريقه مستعداً لازالة جهل الجهلاء، ام انه لاسبيل الى هذا المحو الا بالمعلم؟ ثم اذا وقف المعلم هناك فكيف ينبغي ان يكون وقوفه؟ وماطبيعة تلك الكمية من المعارف التي يلوح بها المعلم متيقناً أو شبه متيقن في العادة من انها هي مطلب كل طالب علم؟ ثم بعد ان يعطي ماعنده من المعارف للآخرين، وماذا بعد؟

يقف المعلم في منتصف الطريق بين طالب العلم (الجاهل) و (والعالم) فيمكن تخطيط هذا الوقوف على النحو التالي:

جاهل ----- معلم ----- عالم

فالمعلم ان بقي مواجهاً الجاهل وظهره الى العالم (سنبقي على كلمة عالم في هذه المرحلة وان كنا نتحفظ عليها وسنزيلها فيما بعد ونستبدل بها غيرها)، اصبح بمثابة من يتلقف الجاهل في منتصف المسافة، فيعطيه من كمية المعارف التي لديه ما امكنه ذلك، ثم يعيده، أو ربما اوقفه معه في المكان نفسه ليقوم بالدور هو نفسه من جديد، وبقي العالم وراءهما لايريانه، وهكذا، بحيث تصبح دائرة يصير فيها الجاهل معلماً يسلم الدور نفسه الى عدد من الجهلاء بعده، فيصير الشكل المرسوم كالتالي:

جاهل ----- معلم

جاهل ---- معلم

....

وهذه الصورة بينتها مجموعة من العوامل لعل من اهمها: ان المعلم يعول كثيراً على هذه الكمية المعرفية التي يملكها وفيما بين يديه في الكتاب، وهو على يقين كما سبق من انها منتهى مايمكن ان يطلبه طالب العلم. بل لعله يعدها الاجابات النهائية على كل الاسئلة التي لاينبغي بعدها ان يبقى في الذهن سؤال ما. وخطورة هذه المسألة تتضاعف ان جعل ذلك جزءاً من تعليمه وبناه بصورة في اذهان من يعلمهم. وتعديل هذه الصورة يقتضي حتماً ان يغير المعلم من طريقة وقوفه في الصورة الموصوفة آنفاً.

الخطوة الأولى في تغيير الصورة وتصحيح طريقة الوقوف فيما أرى ان يعتقد المعلم: (1) ان ما يعلمه من معارف لايتجاوز كونه احدى الاجابات الممكنة للاسئلة التي تقف وراءها، لا انها الاجابة النهائية. (2) انه ليس اكثر من احد المصادر الممكنة والمحتمل وجودها للوصول الى هذه الكمية التي يعلمها من المعارف. (3) انه لايمكن له بحال من الاحوال مهما اوتي من قدرات ومهارات ان يبني وحده شخصاً ما معرفياً. (4) ان دوره الحقيقي الذي ان اخل به اصبح ضرره اكثر من نفعه هو انه يقف في منطقة وسط لا يجوز ان يجعل المتعلم يرتد بعدها الى الوراء، بل لابد ان يأخذ بيد المتعلم حالما يصل اليه ويلتفت به الى نهاية الخط حيث يقف العالم. وهنا لابد ان يكون دوره هو التأهيل للسير في هذا الطريق الجديد.

لابد من التوقف هنا عند الكيفية التي يبني بها الانسان نفسه معرفياً باعتبار ذلك هو مايود الجاهل غير المبني معرفياً ان يكونه. هناك مصدران رئيسان، لايكفي - لبناء الفرد بناءً معرفياً متيناً - احدهما عن الآخر. احد هذين المصدرين هو مايحيط بالفرد من حوله من اسرة ومدرسة ومسجد وحلقات وابوين وجلساء ووسائل اعلام وحتى الكلية أو الجامعة. فواضح ان المدرسة هنا - ومثلها الجامعة - ليست الا جزءاً من هذا المصدر ومع انها لاتبخل جميعاً على الفرد بامداده بألوان متعددة من المعارف ليل نهار، لاتستطيع ان تبينه معرفياً، وانما تزوده باخلاط من الرؤى والمفاهيم لاتخلو من الالتباس بالضرورة بصورة حتمية. ولا يكتمل بناء الانسان معرفياً الا بالمصدر الثاني، وهو: التكوين الفلسفي العلمي المنهجي الذي لايمكن ان يقوم به الا الفرد نفسه لاغيره. ولايزيل التباس المفاهيم وتداخلها الآتي من المصدر الاول الا المصدر الثاني. اما اكتفاء الفرد في اعداد نفسه معرفياً بالمصدر الاول فإن النتيجة النهائية في احسن الاحوال هي الاخذ من كل علم بطرف وكفى. (ينظر معجب الزهراني: مفهوم المثقف).

ولهذا ينبغي ان تعمل المؤسسات التي يعنيها بصورة أو بأخرى التكوين المعرفي للفرد في اي مجتمع قدر المستطاع في اتجاه ان يكون المصدر الاول بكل تنوع روافده معيناً ومهيئاً للمصدر الثاني، وليس لأن يحل احد هذه الروافد (المعلم أو غيره) محل كل شيء.

وسنلتفت الآن في هذه المرحلة الى تعديل كلمة (عالم) التي اشرنا اليها فيما سبق: ان نظرنا الى هذه الكلمة من حيث ارتباطها ب«العلم» واستحضرنا في هذا السياق ما يشعر في احيان كثيرة بعداوة متأصلة للعلم في اوساط يفترض انها علمية فضلاً عن اوساط العوام، فإنها كلمة مناسبة في هذا السياق ويرتبط بها حديث ذو شجون سنعود اليه لاحقاً. اما ان نظرنا الى (عالم) من حيث مقابلتها ل(جاهل) في السياق الذي مضى فإني اتحفظ عليها، بل قد يكون هنا كلمة ضارة. اذ قد توحي بأن هناك في مقابل الجاهل من هو (عالم) بمعنى انه (يعلم) وعلمه الاجابة النهائية. واقترح بدلاً من ذلك كلمة (باحث) لانها تشعر باستمرار البحث عن اجوبة وبعدم انقطاع الاسئلة وهذا هو الجانب الذي تتفق فيه كلمة الباحث مع المعنى المراد للعالم بالمعنى الاول. ومعنى هذا ان المعلم ستكون مهمته تأهيل الجاهل لان يكون باحثاً. ومعناه ايضاً ان رسمنا التخطيطي الاول سيكون هنا على الصورة الآتية:

جاهل ------- معلم -------- باحث

لكن كيف سيؤهل المعلم طالب العلم لأن يكون باحثاً؟ هل مطلوب منه ان يجعله يقفز فوق كمية المعلومات والمعارف التي عادة مايطلب من المعلم تزويد الطالب بها؟ بعبارة اخرى: اليس مطلوباً من المعلم ممارسة دور المعلم الذي سبقت الاشارة الى انه دور قاصر وجزئي؟ الاجابة هي: نعم لابد من ممارسة دور المعلم بالمعنى الموصوف بانه قاصر وجزئي، ولامفر من ذلك. والخطورة ليست في هذا الدور مطلقاً. بل الخطورة والضرر كما اتضح مما سبق هو في الاقتصار على هذا الدور واعتباره مرحلة نهائية، قد يقوم الطالب من جته بتكرار ذلك الضرر مستقبلاً اذا كتب له هو ان يكون بعد معلماً.

الاقتصار على هذا الدور له اسباب ومنابع كثيرة. ربما ينبع من اعتداد المعلم بما يعرف لأن الانسان جبل على التعصب لمعارفه وعلومه التي يجيدها والعداوة لما يجهل، والميل الى تعميم نموذجه الذي يتبناه وتكريسه، غير ان مايهمنا هنا بالدرجة الاولى هو ان له نتائج ضارة كثيرة ربما لم تكن في حسبان المعلم في يوم ما، منها:

1- الحيلولة دون اكمال الطالب مسيرة التكوين المعرفي العلمي بالصورة التي مضى الحديث عنها والنتيجة المشاهدة هي هذه الصور المستنسخة بالمئات ان لم يكن بالآلاف لمعلمين لم يستطيعوا ان يكونوا باحثين وهذه الامية المطبقة الشائعة في التفكير.

2- الاسهام في تكوين تصور معين ل(المعنى) ولطرق اكتساب (المعرفة) ربما يلازم الطالب طوال حياته. ومن مظاهر ذلك ما نراه من خلط المتعلمين المعرفة الصلبة والثوابت باخلاط الرؤى والاستدلالات حولها. ويؤول الامر الى ان تكون الرؤى ووجهات النظر المرنة والقابلة للاستبدال والتغيير اشبه بالمعارف الصلبة الثابتة، بحيث ينتفي قلق السؤال عنها وعن بدائلها، ويصبح تصور المعنى بناء على ذلك عند المتعلم خارجياً، ومصدره واحد من الخارج، ويمنع ذلك من تصور امكان الوصول الى بناء المعنى الداخلي: (ينظر: علي الشدوي المعرفة الصامتة). وهنا لابد ان يستقر في ذهن المتعلم ان الطريق الى هذا التحصيل انما يكون طريقه (الحفظ) وهو ما شاع في ثقافتنا على مدى قرون، ولأجل ذلك يمتدح الحفاظ.

ثمة مقولات تقال في العادة في معرض انتقاد الطرائق والاساليب التقليدية المتبعة في تعليمنا. وكثيراً ما توهم هذه المقولات بانها جريئة في تشخيص مشكلة التعليم. وتوهم بأنها تلخص كل المشكلة التي نعانيها ومن نتائجها مئات الخريجين الضعفاء الذين لم يحققوا الحد الادنى مما كنا نتمنى ان يحققوه. ومن بين اشهر ما يقال في هذا الصدد: اعتماد التدريس على (التلقين والتحفيظ) وهو مايجعل الاحتفاظ بالمعلومة وقتياً تذهب بعد ذلك هباء. وهذه المقولة صحيحة لاشك في صحتها. غير ان استعمالها على هذا النحو ربما فاق ضرره ماسبق الحديث عنه. ويكمن الضرر هنا في تكريس العناية بنتيجة التلقين وهو عدم ثبوت المعلومة، وكأنما المطلوب هو ثبوتها والعيب في عقم الوسيلة المؤدية الى ذلك، بحيث لوضمنا ذلك بوسيلة اخرى اجدى ماترددنا في اتباعها. وهذه قد تكون مشكلة اعظم من المشكلة نفسها لانها تكرس المعنى الخارجي وطرق اكتساب المعرفة بالصورة المنوه عنها سلفاً.

اعتقد ان مشكلتنا الحقيقية، حتى في اعلى مستويات التكوين المعرفي والتي ينبغي التركيز عليها في هذا السياق تتلخص بصورة رئيسة في حضور (المعلومة) وغياب (الرؤية). (ولهذا ساد في اوساطنا العلمية الاكاديمية تكريس بحوث الجمع في الرسائل العلمية. وراجت مقولة: (لم يقل به احد من الشراح).

3- الاسهام في ايجاد اجواء من التوهم الزائف بامتلاك العلم، وهو مايفضي الى الجهل مرة اخرى ولكن بصورة اكثر تدميراً والادهى من ذلك انه ربما افضى الى التعصب ومعاداة العلم الحقيقي. وشواهد معاداة العلم ظاهرة لاتحتاج الى دليل. غير ان الكارثة الحقيقية فيما اتصور ان يكون هذا في مؤسسات ينتظر منها ان تكون علمية وعلى يد المعلم نفسه.

  • ورقة القيت في كلية المعلمين بجدة بتاريخ 13/1/1426ه.