لم يكن يدر بخلد محمد الشكرة، وهو المعلم المشهود له بالكفاءة في مضماري العلم والتربية، أن الهدية التي وعد بها ابنه عبدالله، وابن أخيه نواف ستكون عبارة عن حضور مباراة في كرة القدم، وهو الذي هجر المدرجات لثمانية عشر عاماً؛ لأسباب تتعلق ببيئة الملاعب الرياضية المحلية، التي لا تشجع على خوض مثل هذه المغامرة، على الأقل بالنسبة لمن ينظرون لحضور المباريات بفلسفة تنأى عن مجرد التعاطي معها على طريقة يعيش النادي.. يسقط النادي!.


جانب من المدرجات

يقول الشكرة بعد أن أطلق تنهيدة اختزلت مأساته حتى قبل أن ينبس ببنت شفة: "تعودت حينما يقوم أبنائي بإنجازٍ ما، أن أكافأهم نظيره، واترك لهم عادة اختيار مكافأتهم، ولم أكن أحسب أن المكافأة ستكون هذه المرة حضور مباراة الهلال والحزم الأخيرة في استاد الأمير فيصل بن فهد، وأنا الذي طلقت حضور المباريات ثلاثاً منذ أكثر من عقدٍ ونصف؛ لكن إصرار عبدالله و نواف هزم كل محاولاتي لصدهما عن الفكرة، رغم حزمة الإغراءات التي قدمتها لهما كبديل عن حضور المباراة، بيد أنه لم يكن أمامي إلا النزول عند رغبتهما".

ويضيف: "أمام إلحاحهما، عاد شريط ذاكرتي للأيام الخوالي، حينما كنا نحضر المباريات في مدرجات الدرجة الثانية، فلا نخرج منها إلا وقد امتلأ قاموسنا بشتى صنوف الكلام البذيء، وتشبعت ثيابنا برائحة الدخان الذي يظل ينبعث طوال دقائق المباراة وثوانيها، حتى لتشعر معه أنك أمام مصنع لإنتاج الكيماويات".

يصمت الشكرة قليلا ثم يكمل مبتسماً وكأنه قد تذكر شيئاً في مشهده الدراماتيكي: "حينما وجدت نفسي، أمام طريق مسدود، تفتقت عقليتي،عن فكرة ظننت حينها أنها جهنمية، إذ تقوم على حضور المباراة في المنصة؛ ظناً مني أنها ستكون مختلفة تماماً عن ذلك الواقع السائد عن مدرجات الدرجة الثانية، وكيف لا؟، والمنصة تحوي نخبة الرياضيين كما أحسب، وبالفعل اشتريت ثلاث تذاكر كلفتني 900 ريال، دخلت الاستاد مسرعاً في خطاي مزهواً بفكرتي، وكأني كمن أتى بالذئب من ذيله.. كما يقولون".

عاد للصمت من جديد، لكنه سرعان ما أرسل ضحكة ساخرة على طريقة شر البلية ما يضحك، ثم أكمل: "ما هربت منه في الدرجة الثانية، وجدته ينتظرني بشغف في المنصة، فالدخان هو الدخان، والألفاظ هي الألفاظ، الفرق فقط أنك تدفع هناك 20 ريالا، وهنا تدفع 300 ريال، حاولت أن أشرح لمدير الاستاد الوضع؛ لكن دون جدوى، فقد شعرت حينها بأنني كمن يؤذن في مالطا.. أطبقت فمي وأنفي، مع رغبة مني في تعطيل كل حواس عبدالله ونواف، اللذين ظللت استرق النظر لهما بحسرة، ما أن أطلق الحكم صافرته حتى كنا أول من يغادر الاستاد، وصلت إلى البيت لتستقبلني زوجتي بسؤال ساخر.. هل قدمتم من استاد رياضي أم من مصنع لإنتاج السجائر؟!

يتأسف الشكرة على واقع استاداتنا الرياضية المرير، وفي غمرة حزن يتساءل: "ما الفرق بيننا وبين الدول الأخرى، لن أذهب بعيداً، بالأمس القريب كنت في دبي لحضور بطولة كرة قدم شاطئية، كما وحضرت مباريات شباب الهلال، هناك لم أطبق أنفاسي، بل على العكس فلقد تنفست كما لم أتنفس من قبل!".

لا قرار لدينا

"دنيا الرياضة" بدورها نقلت هذا الواقع لأحد مدراء الاستادات الرياضية، وهو مدير استاد الأمير محمد بن فهد بالدمام عبدالهادي الدوسري الذي أكد عدم وجود قرار صريح يمنع التدخين في المدرجات، او خارج أسوار الملعب، موضحا بأن ما يملكونه من قرار في هذا الشأن يتعلق بمنع التدخين داخل أرض الملعب فقط.

وأضاف: "نحن جهة منفذة، وفي حال صدور قرار من الرئاسة العامة لرعاية الشباب بهذا الخصوص سنبادر لتطبيقه، فنحن نقوم بتطبيق كل التعاميم التي تصلنا، فمثلا نحن نمنع دخول ولاعات السجائر، باعتبارها إحدى المواد الخطرة المنصوص عليها؛ لكن ذلك لا يمنع تمريرها بطريقة أو بأخرى".

ويشدد الدوسري على ان الوسط الرياضي ينبغي أن يحارب هذه الآفة من تلقاء نفسه دون انتظار قرار رسمي " لأن الرياضة هي السلاح الأقوى لمحاربة مثل هذه الظواهر السيئة".

ويقدم مدير استاد الأمير محمد بن فهد نصيحة لكل الرياضيين بأن يتعاونوا في سبيل الحد من ظاهرة التدخين، مضيفاً: "التدخين عامل مشترك لكثير من الإمراض، عدا عن انه عدو للبيئة، ولذلك ينبغي علينا أن نسعى لتأسيس لرياضة خالية من التدخين".

لا.. للتدخين

ولأن شريحة كبيرة من الشباب ينظرون لنجوم الرياضة على انهم قدوة في تصرفاتهم، كان لنا وقفة في هذا الشأن مع نجم الهلال والمنتخب السعودي محمد الشلهوب الذي دعا جميع الرياضيين للمساهمة في محاربة ظاهرة التدخين في كافة المنشآت الرياضية، مشدداً على حتمية تظافر الجهود في سبيل القضاء على هذه الظاهرة.

وقال :"من المؤسف حقاً أن نرى من يدخن داخل المنشآت الرياضية، حتى لو كان ذلك في المدرجات، باعتبار أن أي منشأة رياضية هي مكان عام وملك للجميع، لذلك فمن باب الذوق العام، ينبغي احترام مشاعر غير المدخنين، عدا عن أن استنشاق التدخين فيه ضرر على غير المدخن أيضا".

ولا يتأخر الشلهوب في تأكيده على جاهزيته للمساهمة في أي حملة يمكن أن تظهر لمحاربة التدخين في سواء في الوسط الرياضي أو خارجه، معتبراً ذلك واجباً وطنياً.