علاء الأسواني طبيب أسنان، قد يكون ماهرا وموهوبا في مهنته أو لا يكون تلك مسألة يعرفها مرضاه الذين خلعوا الألم مع سن، أو كتموه مع حشوه، لكن أحدا من هؤلاء لم يذكر تجربته التي كللت بالنجاح أو الفشل، وهذا هو الحال مع عشرات الآلاف من أطباء الأسنان الذين يولدون ويموتون ولم يسمع بهم أحد، خاصة وأنها مهنة لا مجال فيها لفتوحات طبية كبيرة تمنح لصاحبها حق الشهرة، ومع ذلك فأصحاب هذه المهنة غالبا ما يعملون في صمت يستحقون عليه كل آيات التقدير والإكبار، فلم يزعم واحد منهم أنه " استنبت " ضرسا لعجوز مسن، ولم يدع أحدهم أنه ابتكر مادة لا تبلى ولا ينال منها الصدأ يستبدلها بأسنان مرضاه عند الولادة لتبقى معه حتى الممات .. المجال محدد في عدة عمليات للحشو أو الخلع أو التقويم أو علاج الجذور وهذا كل شيء ..

طبيعي أن يضيق طبيبنا – علاء الأسواني بهذا المحيط الضيق، لا سيما وأنه من عائلة نالت حظها من الشهرة في إبداع الرواية، كان آخرهم الرائع عبد الوهاب الأسواني الذي عاش في المملكة فترة طويلة وغادرها وهو يحمل منها أجمل ذكرياته وصداقاته..

مثل أبناء عمومته أراد علاء أن يطل على الحياة بوجه آخر كالبارزين من عائلة الأسواني، فألقى إلى أسواق الأدب بروايته الأولى " عمارة يعقوبيان " فلفتت اليها الأنظار بشدة خاصة وأنها التجربة الأولى لرجل تجاوز الأربعين. لست أشكك في القيمة الفنية للرواية، وانما أشكك في كثير ممن كتب عنها أن يكون حياديا تماما وبتحريض من قيمها الجمالية، فبعض ما كتب كان قد اتكأ على ميراث العائلة الفني وعلى كونها العمل الأول الذي تأخر الى سن متقدمة وما يوعز به ذلك من امكانية للنضج الذي استوى على الصبر.. أعطته هذه الرواية أكثر من حقه في الحلم بالخروج من الدوائر الضيقة الى عالم الفن والفنانين والنجومية والشهرة حين تحولت الى معالجة سينمائية، وفي ذات الوقت وضعته بكل قدرته على المغامرة على محك صعب: ماذا بعد " عمارة يعقوبيان " ؟، وكانت الاجابة في " شيكاغو" التي ظهرت في وهج الرواية الأولى وانطفأت بسرعة وأطفأت معها سابقتها.

ليس في هذا كله ما يسيء أو يشين العزيز علاء، فمن حقه أن نحترم مثابرته ودأبه وشرف المحاولة، لكن الكارثة الحقيقية أن صاحبنا صدق ما كذبه الآخرون، وبدأ ينخرط في دور الأديب الكبير والمفكر العظيم والسياسي والمنظر، وكلها محاولات للطفو على سطح الحياة من خارج السياق، فأغلب الظن أنه لو وجه كل طاقاته إلى الرواية لفتح في أفقها فتحا، أو الى طب الأسنان لكسر قاعدة الرتابة فيه طالما أنه يتحرق الى هذا البروز.. أسس صالونا أدبيا، أسوة بالعقاد أو مي أو غيرهما، مع أنه حتى الآن ما زال بلا تاريخ أو تجربة تمنحه هذه المشروعية.. إلا أنه يملك مكانا مناسبا؟ تجار الفاكهة وحديد الخردة أيضا يملكون المكان ولم يفكروا في رعاية صالون أدبي، وأيضا لا بد أن نقر الأمر كحق مشروع طالما أن التفاف الشباب حوله يمنحه إحساسا بأنه المفكر المناضل، لا بأس أقول..

رأى صاحبنا أن الصالون لا يحقق طموحات، فقنوات الفضاء تسلب منه الجمهور، وأنه لابد أن يكرس مزيدا من الجهد في مختلف الاتجاهات حتى يصطدم اسمه بأحد المارة، فبدأ بكتابة المقالات في الصحف، وتحديدا في جريدة الشروق، وانتهز توجهات الجريدة ليعلن عداءه وتسفيهه للسلطة وللدول التي تربطها علاقات ودية بمصر، وكان للمملكة الحظ الأفر من هذا العدوان، حتى ليكاد يبدو لي رجلا فقد اتزانه في غمرة ترنحه، يشوح بيديه فتصطدمان بأي عابر، ومن يرغب في أن يرى مثالا عليه أن يراجع الصفحة الأخيرة من عدد يوم 1 ديسمبر من " الشروق " حيث وجه أعيرته الطائشة الى شخص وزيرة القوى العاملة باتهام لها أنها بلا وعي ولا علم ولا تعليم وانما أوصلها الى المنصب " تقبيل الأيادي "، ومن وجه الوزيرة الكريمة الى قاعدة التعميم ليقول إن تقبيل الأيادي أصبح المؤهل الوحيد لشغل منصب الوزير، وبذكر صريح لأسماء الوزراء وأسماء أصحاب الأيادي..! يا الله هل هكذا يرفع الكاتب الكبير والسياسي المناضل من ذكر بلاده وتاريخها؟ أظن أن ألد أعداء مصر يقدرونها مصداقا للمثل (عدو عاقل ولا صديق أحمق)، أم أنه يريد أن يقول أنه الأحق بمنصب وزير؟.. وما علينا أيضا، هذه أرضه وبلاده وحكومته وان كان يؤسينا الموقف، لكن ما يخرج عن حدود أي منطق أو عقل أو تصور أن يزج صاحبنا في حمأة الردح لوزيرة أغضبته بكل دول الخليج وبالذات بالمملكة العربية السعودية ناسجا حولها من خياله المريض أكاذيب لا تنطوي على أصغر طفل في مصر، بشعبها العظيم الذي انعقدت قلوبه على محبة يبادل بها الشعب السعودي حبا بحب.. فهل يمكن أن يكون للسقوط ضجيج أشد من سقوط كاتب واعد، ترك كل شيء وانبرى ينافس أصحاب الصحف الصفراء ؟