تغمر حياتنا مثاليات نظرية كثيرة، نتخيلها ونرسم قيمها، ونتغنى بها في أشعارنا ونرددها في خطاباتنا الرسمية، ونعلّمها لأجيالنا القادمة في كتب المدرسة، ونتظاهر بوجودها في علاقاتنا مع بعضنا.

هذه المثاليات النظرية لا تعد ولا تحصى، وقد أحرز العربي منها كمًا أكبر من سواه بسبب التنشئة الاجتماعية القائمة على وجود قدر مناسب من المعايير الغيبية التي يحال إليها في بعض التعاملات. ولكن الواقع العملي والحياة الشعبية دائمًا ما يكشفان لنا زيف تلك المثاليات وانخداعنا بها، وتشعرنا بأننا نعتمد على أساس أخلاقي لارصيد له في أرض الواقع.

ولو أخذنا تجربة المراشقات والخصومات اليدوية وكذلك الصحفية بين الجزائر ومصر التي تحصل الآن بسبب المباريات بين فريقي الدولتين، لوجدنا أن فكرة الأخوّة العربية التي طالما رددناها سنوات طوالا هي موضع تساؤل. إذ كيف يمكن لمباراة - مهما تكن نتيجتها وأحداثها - أن تجلب كل هذه المشكلات والفتن؟ وكيف يمكن أن تكون المباراة بحد ذاتها محكًا لعلاقة بين شعبين كاملين؟ وكيف أمكن لموقف بسيط أن يجرّ هذا الكم الهائل من الردح وسوء النية والإسفاف في التعبير؟

الموضوع ليس مجرد حدث عابر، بل ثمة ركام نفسي سابق، وليس شرطًا أن يكون هذا الركام بين دولتين بعينهما، بل يمكن أن يكون بين أي دولتين عربيتين مفترضتين. ووجود مصر والجزائر في هذا الحدث هو مجرد مثال من المحتمل تكراره في منطقتنا العربية الغنية بإرث من الأخوة النظرية التي طالما رددناها مع الأغاني الرسمية والهتافات السياسية وافتقدناها في واقعنا المعاش.

وقد حفل التراث الشعبي بصورة أكثر صدقًا وأقرب إلى الواقع حينما عبّر عن التناحر بين العرب وبين الجيران وبين الأقارب. وأوضح كيف أننا، من بين شعوب العالم، أناس ننساق مع التيار العام الرسمي، فنحبّ شعبًا لأن الإعلام والحكومة يريدان ذلك، ونبغض شعبًا ونتبرأ منه ونكيل تلالا من الحنق المكبوت عليه، لا لشيء إلا لأن النبرة الرسمية تسير في هذا الاتجاه.

والحقيقة أن ثمة سببًا كامنًا في الوعي الجمْعي للعرب يجعلهم عرضة لعدم الانسجام مع الذات والتصالح معها للعيش بسلام ، وبسبب عدم الانسجام فهناك افتراض يقوم على وجود عدو، وهذا العدو يمكن تصنيفه بعدة أشكال: فقد يكون اليهودي أو المسيحي أو الهندوسي أو البوذي من منطلق ديني، وقد يكون أمريكا أو الغرب من منطلق اختلاف الثقافة والمصالح؛ وقد يكون السني أو الشيعي أو الزيدي ..إلخ من منطلق مذهبي؛ وقد يكون خلاف ذلك من منطلق مناطقي. وهكذا، لدينا القدرة على تصنيف أي شخص نريد مخاصمته ونجعله ضمن الأعداء، ثم نعمّم صفاته على كل شعبه، وينتهي بنا المطاف لأنْ نصبح وحيدين أمام ذوات تكاد تتفجر بغيض ربما يرتد عليها ويقتلها.