ملفات خاصة

الأحد 5 ذي الحجة 1430هـ - 22 نوفمبر 2009م - العدد 15126

ايقاع الحرف

مثالية الأخوّة العربية تنهار

ناصر الحجيلان

تغمر حياتنا مثاليات نظرية كثيرة، نتخيلها ونرسم قيمها، ونتغنى بها في أشعارنا ونرددها في خطاباتنا الرسمية، ونعلّمها لأجيالنا القادمة في كتب المدرسة، ونتظاهر بوجودها في علاقاتنا مع بعضنا.

هذه المثاليات النظرية لا تعد ولا تحصى، وقد أحرز العربي منها كمًا أكبر من سواه بسبب التنشئة الاجتماعية القائمة على وجود قدر مناسب من المعايير الغيبية التي يحال إليها في بعض التعاملات. ولكن الواقع العملي والحياة الشعبية دائمًا ما يكشفان لنا زيف تلك المثاليات وانخداعنا بها، وتشعرنا بأننا نعتمد على أساس أخلاقي لارصيد له في أرض الواقع.

ولو أخذنا تجربة المراشقات والخصومات اليدوية وكذلك الصحفية بين الجزائر ومصر التي تحصل الآن بسبب المباريات بين فريقي الدولتين، لوجدنا أن فكرة الأخوّة العربية التي طالما رددناها سنوات طوالا هي موضع تساؤل. إذ كيف يمكن لمباراة - مهما تكن نتيجتها وأحداثها - أن تجلب كل هذه المشكلات والفتن؟ وكيف يمكن أن تكون المباراة بحد ذاتها محكًا لعلاقة بين شعبين كاملين؟ وكيف أمكن لموقف بسيط أن يجرّ هذا الكم الهائل من الردح وسوء النية والإسفاف في التعبير؟

الموضوع ليس مجرد حدث عابر، بل ثمة ركام نفسي سابق، وليس شرطًا أن يكون هذا الركام بين دولتين بعينهما، بل يمكن أن يكون بين أي دولتين عربيتين مفترضتين. ووجود مصر والجزائر في هذا الحدث هو مجرد مثال من المحتمل تكراره في منطقتنا العربية الغنية بإرث من الأخوة النظرية التي طالما رددناها مع الأغاني الرسمية والهتافات السياسية وافتقدناها في واقعنا المعاش.

وقد حفل التراث الشعبي بصورة أكثر صدقًا وأقرب إلى الواقع حينما عبّر عن التناحر بين العرب وبين الجيران وبين الأقارب. وأوضح كيف أننا، من بين شعوب العالم، أناس ننساق مع التيار العام الرسمي، فنحبّ شعبًا لأن الإعلام والحكومة يريدان ذلك، ونبغض شعبًا ونتبرأ منه ونكيل تلالا من الحنق المكبوت عليه، لا لشيء إلا لأن النبرة الرسمية تسير في هذا الاتجاه.

والحقيقة أن ثمة سببًا كامنًا في الوعي الجمْعي للعرب يجعلهم عرضة لعدم الانسجام مع الذات والتصالح معها للعيش بسلام ، وبسبب عدم الانسجام فهناك افتراض يقوم على وجود عدو، وهذا العدو يمكن تصنيفه بعدة أشكال: فقد يكون اليهودي أو المسيحي أو الهندوسي أو البوذي من منطلق ديني، وقد يكون أمريكا أو الغرب من منطلق اختلاف الثقافة والمصالح؛ وقد يكون السني أو الشيعي أو الزيدي ..إلخ من منطلق مذهبي؛ وقد يكون خلاف ذلك من منطلق مناطقي. وهكذا، لدينا القدرة على تصنيف أي شخص نريد مخاصمته ونجعله ضمن الأعداء، ثم نعمّم صفاته على كل شعبه، وينتهي بنا المطاف لأنْ نصبح وحيدين أمام ذوات تكاد تتفجر بغيض ربما يرتد عليها ويقتلها.


خدمة القارئ الصوتي لأخبار جريدة الرياض مقدمة من شركة اسجاتك
إنتظر لحظات...

التعليقات:

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي "الرياض" الإلكتروني ولا تتحمل أي مسؤولية قانونية حيال ذلك، ويتحمل كاتبها مسؤولية النشر.

عدد التعليقات : 13

1

  د.الجوهرة

  نوفمبر 22, 2009, 7:32 ص

بل ان الكثير منا (عقله باذنه ) سريع الاستفزاز.. قد تكون مؤامرة دولية لاشغال المسلمين ينبغي...منع الصحف من تعزيز المشكلة في كلا البلدين وعقد صلح والاهم..معاقبة البلدين بمنعهم هذا لعام من المنافسة على الكأس

2

  سلطان

  نوفمبر 22, 2009, 8:51 ص

السبب في مثل هذه المناوشات هو البطالة والفقر فكلا الشعبين يعاني من بطالة وفقر ويعاني ويشتكي من ظلم حكومته له لذا فهو يرى في هذه المباراة منفذا يحاول أن ينفس عن غضبه فيها

3

  ياسر

  نوفمبر 22, 2009, 12:12 م

ان الشعب الجزائرى ليس بشعب عربى ولا يتكلم اللغة العربية على مستوى الحياة العامة اليومية ولا على الصعيد الثقافى فناتج كتباتهم الادبية والثقافية والفنية هى باللغة الفرنسية وهناك دول تتبع الجامعة العربية وليس بدول عربية امثال جزر القمر وجيبوتى وعلى هزا فتلك الدول مستسناة من مقال الكاتب

4

  ذات الشجون الدفينة

  نوفمبر 22, 2009, 1:41 م

كلامك ترك اثره العميق في نفسي والله انا ممن ينادون بقوة ومازلت إلى لم الشمل العربي والاسلامي ولدي إيمان عميق سوف ننجح رغم الصدمة التي اصابتني من المعركة الكروية بين البلدين المشكلة تمكن في عدم وجود ضمير عدم وجود مخلصون عدم وجود مؤمنون بالوحدة عدم وجود شرفاء ووجود الطابور الخامس من المواطنون العديون ومن الساسة والإعلاميون وحتى الفنانون والجرح عميق والله المستعان

5

  عربيّ أنا

  نوفمبر 22, 2009, 1:47 م

العرب يحبون المحارش ويدورون العذر بس!

6

  الصالح

  نوفمبر 22, 2009, 2:14 م

أسأل الله العلي العظيم أن يهدي أبناء المسلمين إلى التعاضد والتمسك بكتابه سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وعدم الانجراف وراء هذه الترهات والعبث الذي لا يؤدي إلى خير ورقي أبدا

7

  فهد الشكرة

  نوفمبر 22, 2009, 2:25 م

جميع الدكتاتوريات العربيه تلهي شعبها بمثل هذه الامور التي لاطائل منها , فقط لتشتيت فكر المواطن عن الظلم الذي يتجرعه ليل نهار ,

8

  طائر الليل الحزين

  نوفمبر 22, 2009, 2:30 م

أرى أن يتم بحث أي خلاف في جامعة الدول العربية ومعاقبة أي دولة عربية تعتدي على شقيقتها وأن يكون هناك لجنة بجامعة الدول العربية تعمل على ليس فقط تسويات الخلافات العربية بل العمل على منع حدوثها من البداية

9

  زياد

  نوفمبر 22, 2009, 5:30 م

المشكلة قد تكون معقدة كما تفضلت اخي الدكتور ناصر ولكن ما نجده الان هو مجرد اعراض لمرض اعمق وابعد

10

  وضاح سالم العبسي

  نوفمبر 22, 2009, 6:56 م

مقولة درسناها في سيرة العقادعن العرب قبل ألإسلام نقلا عن إمبراطور دولة كبيرة مجاورة آنذاك قال إن العرب ( غوغواء بحاجة إلى عطاء أو تأديب ) وكنت وزملائي نتألم لذلك التشخيص المهين. وخوفي إن يكون ذلك التشخيص هو الصحيح على إثر الواقع العربي المعاش بعدثلاثة الف سنة من صدورتلك المقولة.

11

  »»» عبدالله «««

  نوفمبر 22, 2009, 11:33 م

يجب ايجاد مايشغل الشارع العربي ليبعد عن انتقاد السياسيين » خاصة ان تلك الدولة قادمة على انتخابات "مصيرية" كعادة العرب » اجمل شئ بكلامنا نهايته "مصيري" » كلٌ من قادة البلدين دافع عن حقوق وكرامة شعبه وبلاده » ويستحق ان يعاد انتخابه بنسبة » 99.99% » وسيبارك كلٌ منهما فوز الاخر وسمن ياعسل وبوسة عالخدين«

12

  candle

  نوفمبر 23, 2009, 4:15 ص

افتقدت إيقاع حرفك د.ناصر ارق التحايا’’

13

  روح إلفنث ستريت

  نوفمبر 23, 2009, 4:19 ص

هذا لا يحدث إلا في عالم العرب! شكرا لك أعجبتني المقالة ووجدتها في وقتها. تحياتي لك دائما

أضف تعليقك





نعتذر عن استقبال تعليقكم لانتهاء الفترة المسموح بها للتعليق على هذه المادة