عندما تمر بسيارتك عبر أي حي جديد ترى على مد البصر مكاتب عقارية لا تختلف في بعضها عن شيء.. بعد زمن معين تبدأ مكاتب العقار هذه في الاختفاء وتتحول الى نشاط آخر لتحل محلها الصيدليات والحوانيت والمطاعم.. والسبب أن هذه المكاتب كانت تبحث في الحي الجديد والبكر عن فرص التوسط، وان كان بعض أصحاب المكاتب في الأصل يحاول أن يفهم المهنة أصلاً.

عندما تدخل المكتب غالبا سوف تقابل أحد اثنين: إما شاب يمضي أوقات فراغه في المساء هناك، أو مقيم عربي، وكلاهما لا يعي أبسط معايير الاستثمار العقاري.. مثلا يعطيك أسعار الايجار الموجودة في الحي دون معرفة مساحة الوحدة السكنية.. الحديث يكون بالرموز وكأن النشاط غير شرعي مثلا يقول (روح لأبو محمد عشان يوريك بيت فلان) لا تعرف بمن سوف تلتقي ولا مع من تتعامل.

مهنة المكتب العقاري لا تحتاج إلى رأس مال وتمنح راعيها دخلا اضافياً.. لكن أي مهنة مهما كانت بسيطة لابد أن ترتبط بمعايير مهنية.. معرفة تقلب الأسعار تبعاً للطلب والسيولة المتوفرة ونسبة الفائدة وحركة التوسع التجاري أساسيات لابد من مراعاتها، لذلك يلاحظ أن أغلب مكاتب العقار الناجحة هي التي تبحث عن مشترين أو مستأجرين لأصول يمتلكها صاحب مكتب العقار بمعنى يسوّق عن منتجاته، أما الدخيل في المهنة فغالباً ما يخرج (بخفي حنين) والسبب أنه كان امتداداً (ببغانياً) لمكاتب عقار ملاك العقار.. حديثي هو عن مكاتب العقار وليس عن سوق العقار..

وظيفة المكتب العقاري أن يفهم في الأصل التثمين الدقيق وأن يكون المرجع لمن أراد تصريف عقاره.. كل الدراسات الصادرة تؤكد أن العقار كان السبب الرئيسي للتضخم في السعودية ووظيفة الدولة في الأصل هي التنظيم.. أقترح بداية تنظيماً جديداً وعدم إعطاء تصاريح مكاتب عقارية إلا بعد امتلاك شهادة التثمين.. والخطوة التي ينبغي أن توضع مسبقاً هي تنظيم دراسة التثمين (لا يوجد في السعودية قاطبة إلا 500 مثمن)، وهذه خطوة في ترس إصلاح الحركة العقارية السعودية بشكل عام وملفاتها المتعددة من التطوير والمرافق والتمويل والأنظمة.. وما أنصح به مكاتب العقار يصب في مصلحتها في الأخير كيلا يتحول مكتب العقار في العام القادم إلى مطعم للفول.. خصوصاً بعد أن مررت على خمسة مكاتب عقار متجاورة ووجدتها خالية بلا عمل ولا عروض.. والسبب هو ما ذكرت.