هاهي السفينة المصرية ترسو بنا في ميناء السويس وعلى متنها الملك سعود رحمه الله بصحبة الرئيس جمال عبدالناصر وكان معي كتاب هممت بتقديمه للملك ثم تراجعت فقد رأيت أن الظرف غير مناسب واكتفيت بمصافحة الزعيمين الراحلين اللذين للتو خرجا من اجتماع ثنائي على متن السفينة.ذلك كان الشيخ الذي تمضي به السنين على مشارف التسعين من عمره وهو يسترجع شريط ذكرياته الزاخرة بالأحداث والمواقف معايشةً أو نقلاً بالتواتر وهو يحمل بيديه شهادةً ليس على عصر بل على عصور.

 فعندما أبصر النور علي بن عبدالعزيز بن ريس في عام 1339ه/1920م  في المنطقة الشرقية جنوب (المقيبرة) في مدينة الرياض التي شهدت قبل تسعة عشر عاماً فقط  من ذلك التاريخ قدوم ابنها البار الملك المظفر عبدالعزيز بن عبدالرحمن فاتحاً في ملحمة تاريخية مذهلة،لم يدر بخلد والده وعمه عبدالله أن هذا الوليد سيهجر يوماً بيت الطين والنخل والبئر ليجوب الآفاق ويقطع الصحاري والقفار ويعبر الأنهار والبحار.



 حفظه للقرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة وكتب الأصول وهو دون العاشرة من عمره على يد المعلم ابن سنان في حي دخنة وسَّعت مدارك ذلك التلميذ الذي سيدخل معترك الحياة متسلحاً بسيف العلم الذي يتقلده قلة في ذلك الوقت.وعندما اشتد عوده أراد أن يخط طريقاً غير مألوف لدى أقرانه في منطقة نجد الذين يمتهن الكثير منهم الفلاحة بأن يمّم وجهه شرقاً جهة واحة الإحساء بعد أن تجاوز عقبة ممانعة والده بأن استشفع بعمه بالإذن له بالسفر لزيارة خاله وكانت حيلةً مهدت الطريق لهذا الشاب اليافع بما يكتنزه في داخله من عزيمة وإرادة وطموح ترنو ببصره إلى قمم النجاح أن يغامر في شرفٍ مروم.



على إيقاع أمواج البحر،ونسيم الهواء العليل،وتغريد طيور النورس ترسو سفن ومراكب شراعية على شاطئ العقير جسر الحياة بين نجد والإحساء مع البحرين والبصرة ومومباي حط رحاله هذا الشاب إيذاناً ببدء رحلة الكفاح الطويلة من هذه البوابة الحيوية تسبقه أمنيات وآمال بلا حدود،اتجه إلى السوق مستعيناً بالله بنية صادقة بحثاً عن تجار من الرياض وشقراء والقصيم فوجد ضالته في سليمان التخيفي فأخذ منه أصول التجارة وطرق البيع في الإحساء وسبل تصديرها إلى الرياض ثم لاحت له فرصة الالتقاء بالتجار إبراهيم المهنا وعبداللطيف العيسى وإبراهيم الجميح واستفاد منهم بالنصح والتوجيه.



في عام 1362ه /1943م كانت البحرين محطته الأولى الخارجية للتعاطي مع التجارة قابل فيها الشيخ عبدالله الزامل وهو من التجار السعوديين المقيمين في البحرين الذين يشار إليهم بالبنان وقدم له دعماً معنوياً كان محل تقديره طوال حياته واستمر في مزاولة التجارة هناك لأكثر من عامين.



أن تذهب لدبي عليك استخراج تأشيرة سفر من حاكم المستعمرات البريطانية في مومباي أو من حكومة الملك جورج السابع في لندن آنذاك هذا ما قالته له السلطة المستعمرة،وبعد حصوله على التأشيرة أبحر إلى تلك المدينة الوادعة على ضفاف الخليج مع حنين يجره إلى الرياض.الأمانة والصدق في المعاملة وحسن الخلق كانت أوراق جذب للآخرين تجاه هذا الشاب.ولم يكن الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائب حاكم دبي يحتاج لبرهان على صفاء نية ذلك الشاب،فألفى أمامه كتاباً مفتوحاً فيه من سحر البيان وعذب الكلام ما استوقفه، كل ذلك مغلف بحماس الشباب ورزانة الشيوخ،مِثل هؤلاء الرجال من يبحث عنهم الشيخ راشد ووالده حاكم دبي فعرضا عليه الإقامة في دبي والاستثمار فيها لكن هواء نجد وعشقه للرياض العذية حالا دون قبول هذا العرض بعد شكرهما.



 على أنغام اليامال التي يرددها النّهام تبحر السفينة الشراعية تشق عباب البحر شمالاً باتجاه درة الخليج إلى الكويت وبمحاذاة الجبيل يأمر النوخذة بعض البحارة بالغوص محملين بالقِرَب وبعد دقائق خرجوا بالقِرَب ملأى بماء قراح كل ذلك على مرمى بصر الشاب علي بن ريس الذي وقف مذهولاً فبادره النوخذه بكشف سر هذا الماء من أن هناك ينابيع مياه عذبة في قعر البحر في مواضع محددة يعرفها هو والنواخذة الآخرون.



هبت عاصفة شديدة وتقاذفت السفينة أمواج عاتية ألقت بها في النهاية على الشواطئ الشرقية من الخليج في عربستان أو ما يسمى الآن بإيران ولأن الحرب العالمية الثانية تدور رحاها فقد كانت الأوضاع الاقتصادية المتردية في ذلك الإقليم سبباً في سرعة عودته والتوجه للكويت ومقابلة كبار التجار الكويتيين والسعوديين المقيمين هناك تسبقه سمعته الطيبة ففتح التجار له قلوبهم قبل دكاكينهم واشترى منهم بالأجل وصدّر بضائع للرياض التي عاد إليها لتحصيل قيمة بضاعته لتسديد حقوق التجار في الكويت،وحدث مالم يكن في الحسبان في عام 1366ه عندما حجزت جمارك قرية جنيهات ذهب له رغب في تحويلها لدائنيه بالكويت،ومع ذلك أدرك أنه لن يقربه حيف أو ضيم وهناك ملك عادل يدعى عبدالعزيز فقصده بآمال وأحلام عريضة وهو ما تحقق له بالفعل عندما استمع الملك المؤسس رحمه الله إليه فأصدر أمره للوزير ابن سليمان بالسماح لابن ريس باسترداد جنيهاته وتصديرها وهو ما شكّل نواةً لنظام النقد والتحويلات المالية فيما بعد،وبذلك الأمر سدد المبالغ المستحقة عليه في الكويت التي غادرها إلى البصرة وبغداد قابل فيها الشيخ عطا العطا ووالده وعمه وقابل كذلك السفير الشهير محمد الحمد الشبيلي (أبو سليمان) وعبدالعزيز الصقير ومفتي بغداد محمد الألوسي الذي كان عائداً للتو من بيت آل ثنيان لتعزيتهم في وفاة النجدي عبداللطيف بن ثنيان صاحب  جريدة(الرقيب) التي أصدرها عام 1909م في بغداد،والتقى هناك صالح الجربوع وصالح العجاجي وعبدالعزيز الراشد الحميد وعبدالله بن رضيمان.



كاريزما عجيبة تلقي بظلالها على من يقابلونه ولو كانوا من أديان مختلفة أو ملل أو نحل أخرى،فكان خضوري وعدس بالبصرة وحسقيل ساسون في بغداد(من الطائفة اليهودية بالعراق) وقد كانوا يمتلكون زمام السيطرة على اقتصاد العراق في ذلك الوقت من الذين تعاملوا تجارياً معه بدون أي تحفظ أو قيود لما وجدوه من مصداقية في هذا الرجل.



كانت الشام وبيروت من محطاته التي تردد عليهما بغرض الاستيراد والتصدير وقابل السفير في سوريا ولبنان عبدالله بن عبد العزيز الزيد وسليمان البراهيم القاضي الذي أخبره عن الموقف البطولي لمحمد العبدالله البسام باشا الذي قصده سلطان باشا الأطرش بطلب التوسط لدى السلطة الفرنسية في بلاد الشام للعفو عنه وهو ما فعله البسام فعفى الفرنسيون عن الأطرش تقديراً  للشيخ البسام.



 اتجه للقدس عام 1946م وعندما كان ينتظر سيارة أجرة تقله لمقصده وقف سائق سيارة خاصة وأوصله لمراده بعد أن تجاذبا أطراف الحديث دون أن يتعرفا على بعضهما.بعد سنوات طويلة وفي حفل تأسيس البنك العربي الوطني بالرياض يفاجأ بن ريس برجل يربت على كتفه وقد كان عبدالحميد شومان مؤسس البنك هو ذلك الرجل الذي أوصله في القدس بسيارته وتوطدت العلاقة بينهما. ولما كانت القناعة والطموح ضدين والجمع بينهما عسير إلاّ أن هذا الرجل جمع بينهما،فقد أرسل معه السيد شومان ذات مرة مبلغ خمسمائة الف ليرة نقداً من بيروت إلى الرياض لأحد المستفيدين وبعد مدة وجد في حسابه في بنك لبنان عمولة عن تلك العملية فرفضها واكتفى بأخذ رسوم البرقيات وأجرة المواصلات رغم إصرار السيد شومان الذي أوصى ابنه عبدالمجيد بابن ريس خيراً والذي بدوره أوصى ابنه عبدالحميد (الحفيد) به خيراً أيضاً.



فاز الشيخ علي بن عبدالعزيز آل ريس بثقة ملوك الدولة السعودية الثالثة حرسها الله بدءاً من الملك الموحد رحمه الله تعالى وكان محل تقديرهم مما أتاح له المضي قدماً في تقديم كل ما يصب في المصلحة الوطنية أو الاجتماعية عملاً أو مشورةً أو تأييداً وكان من أبرزها فكرة تنفيذ عمل مؤسسي ينظم العمليات التجارية في الرياض مع الوجيه عبدالعزيز المقيرن من خلال إقناع سماحة مفتي الديار السعودية آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ بالموافقة على إنشاء الغرفة التجارية بالرياض أسوةً بغرف مكة والدمام وجدة واستأجرا مقراً لها في مبنى صغير في شارع الثميري.ثم أكمل بعد ذلك وبتشجيع ومباركة من أمير منطقة الرياض ومهندس تطويرها الأمير سلمان بن عبدالعزيز شراء قطعة ارض كبيرة للغرفة التجارية بالرياض ثم باع قطعة أرض مجاورة يمتلكها للغرفة بسعر التكلفة كل ذلك لأجل الرياض.



 رجال دولة وعلماء وأعلام عبَروا في حياة هذا الرجل من دول وملل مختلفة في أزمنة وأمكنة متباينة احتفظوا بود كبير تجاهه لتواضعه وحكمته وصدقه وسعة أفقه وهذا ما عزز شبكة علاقاته الشخصية الودية مع أجيال متعاقبة على الصعيد الداخلي والخارجي وبكافة المستويات .



  لن يقتصر ألم رحيله على أهله ومحبيه ومعارفه بل أسر متعففة محتاجة وجمعيات خيرية وغيرهم سيفقدون طوداً شامخاً في البر والجود والكرم، ولم يكن ذلك الرجل المجهول الذي  دلف بيت الفقيد لتقديم العزاء لأبنائه لموقف نبيل أدّاه إليه الشيخ علي آل ريس إلاّ قطرة من غيث أعمال الخير لذلك الشيخ الجليل.



 كان الصوت الحزين لتلكم النساء اللائي اتصلن بذويه للتعزية مؤثراً لتقديمه معونات لهن أو تسبب في تقديم مساعدات لهن بعد أن لجأن إليه لوجاهته رغم عدم معرفته بهن سوى وقوفه على حالتهن ورغبته في تفريج كربهن وما كان ذلك إلاّ غيضاً من فيض العمل الإنساني الذي تجذر في شخصيته رحمه الله تعالى.